Accessibility links

ما هو موقف واشنطن من العملية التركية شمالي سوريا؟


قوات أميركية وتركية في المنطقة الآمنة في شمال سوريا في 24 سبتمبر 2019

رغم إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بشكل غير متوقع ليلا الأحد، أن الولايات المتحدة ستسحب جميع قواتها المنتشرة في شمال سوريا، لا تزال تفاصيل الخطوة غير واضحة كما يبدو، في ظل تصريحات متضاربة صدرت فيما بعد عن مسؤولين في إدارته، ووسط سيل من الانتقادات وجهها مسؤولون حاليون وسابقون لقرار ترامب.

وقال مسؤول رفيع في وزارة الخارجية الأميركية في تصريحات لقناة الحرة، الاثنين، إن الولايات المتحدة لا تدعم عملية عسكرية تركية داخل الأراضي السورية "شكلا ومضمونا"، موضحا أن الجانب الأميركي لديه عدة مؤشرات عن أن الأتراك جاهزون عمليا للقيام بعملية عسكرية ولكن لا يعرف متى ستبدأ.

وتابع أن "العملية قد لا تتم ولكن هناك احتمالات كبيرة أنها ستحصل ولا نعرف ما إذا ستكون عملية صغيرة أو كبيرة".

وأردف أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان طلب بشكل واضح دعما أميركيا لعمليته العسكرية في شمال شرق سوريا، لكن ترامب "أوضح بشكل جلي أن واشنطن لن تدعم هذه العملية شكلا ومضمونا".

وأعلن البيت الأبيض ليل الأحد أن تركيا "قريبا ستمضي قدما في عمليتها"، وأن القوات الأميركية "لن تدعم العملية ولن تنخرط فيها ولن تتمركز بعد اليوم في المنطقة مباشرة" عند الحدود مع تركيا. وصباح الاثنين، بدأت واشنطن سحب قواتها من مناطق الشريط الحدودي مع تركيا في شمال سوريا.

ويصف خبراء الأمن في المنطقة ومسؤولون أميركيون سابقون القرار بأنه تحول بارز في سياسة واشنطن وتخل ملحوظ عن المقاتلين الأكراد الذين شكلوا حليفا رئيسيا لها في المعارك ضد تنظيم داعش، وقالوا إنه "متهور وهدية لخصوم أميركا".

لكن ذات المسؤول الكبير في الخارجية، قال للحرة، إن "ما قمنا به في شمال شرقي سوريا هو سحب عدد صغير جدا من القوات الأميركية من مواقع متقدمة على الحدود مع تركيا ولمسافة قريبة جدا"، وأردف أن الولايات المتحدة تقوم بمراجعة وجودها العسكري في تلك المنطقة وتراجع موقفها السياسي أيضا.

وكشف أن الولايات المتحدة علقت تطبيق آلية المنطقة الآمنة، مردفا "لا نرى فائدة الآن من مواصلة تطبيق هذه المنطقة ونحافظ على التواصل العسكري مع الأتراك".

وفي وقت سابق، قال مسؤول رفيع في البنتاغون للحرة "تلقينا أوامر من الإدارة الأميركية بالانسحاب الكامل من سوريا وفقا لجدول زمني قصير"، مضيفا "بدأنا إخلاء مواقعنا وسحب آلياتنا من شمال شرقي سوريا".

وقال مسؤولون أميركيون، وفق صحيفة نيويورك تايمز، إن ما يتراوح بين 100 إلى 150 من الأفراد العسكريين الأميركيين الذين تم نشرهم في تلك المنطقة سيتم سحبهم قبل أي عملية تركية لكنهم لن يتم سحبهم بالكامل من سوريا.

موقف ترامب

وعلى تويتر، وجه الرئيس الأميركي تحذيرا لتركيا وكتب "كما شددت من قبل، وإعادة التأكيد فقط، إذا فعلت تركيا أي شيء أعتبره، بحكمتي العظيمة التي لا مثيل لها، خارجا عن الحدود، فسوف أقوم بتدمير اقتصاد تركيا بالكامل وطمسه (لقد فعلت من قبل!)".

وتابع ترامب "يجب عليهم، مع أوروبا وغيرها، أن يراقبوا... مقاتلي داعش المعتقلين وعائلاتهم. لقد فعلت الولايات المتحدة أكثر بكثير مما توقعه أي شخص، بما في ذلك القبض على مئة في المئة من خلافة داعش. لقد حان الوقت الآن لآخرين في المنطقة، بعضهم يتمتعون بثروة كبيرة، لحماية أراضيهم. الولايات المتحدة عظيمة!"

وتمكنت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بدعم من التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن من القضاء على داعش في مناطق واسعة في شمال وشرق سوريا، بينما تواصل التصدي لخلاياه النائمة.

وقال الرئيس الأميركي في تغريدة سابقة، إن "على تركيا وأوروبا وسوريا وإيران والعراق وروسيا والأكراد الآن حل الوضع"، موضحا "لقد قاتل الأكراد معنا لكنهم تلقوا الكثير من المال والمعدات للقيام بذلك".

"كارثة"

السناتور ليندسي غراهام، الجمهوري المقرب من ترامب، قال إنه ليس مطلعا على التفاصيل المتعلقة بقرار الرئيس الانسحاب من شمال سوريا، لكنه اعتبر أن خطوة في هذا الإطار "تنطوي على كارثة".

المبعوث الأميركي السابق إلى التحالف الدولي ضد داعش، بريت مكغيرك، انتقد قرار الانسحاب وهاجم ترامب على تويتر.

وكتب مكغيرك الذي استقال من منصبه في ديسمبر الماضي، إن "بيان البيت الأبيض الليلة حول سوريا بعد أن تحدث ترامب مع أردوغان يدل على الافتقار التام لفهم ما يحدث على الأرض"، مضيفا أن "الولايات المتحدة لا تحتجز أي معتقلين من داعش. جميعهم محتجزون لدى قوات سوريا الديمقراطية التي قدمها ترامب لتركيا".

"نؤيد عملية تركية"

وزارة الدفاع الأميركية، أصدرت بيانا تناولت قالت فيه "لا نؤيد أي عملية تركية في شمال سوريا ولن تدعم القوات المسلحة الأميركية أو تشارك في أي عملية من هذا القبيل".

وأوضح البنتاغون أن المحادثات بين الإدارة الأميركية والجيش التركي، جرى خلالها التأكيد باستمرار على "أن التنسيق والتعاون هما أفضل طريق نحو الأمن في المنطقة".

وذكرت أن الوزير مارك إسبير ورئيس الأركان الجنرال مارك ميلي، أكدا لنظرائهما الأتراك أن العمل الأحادي يخلق مخاطر بالنسبة لتركيا، وذكرا أن تركيا ستكون مسؤولة عن آلاف من مقاتلي داعش الذين تم القبض عليهم وهزموا في الحملة التي قادتها الولايات المتحدة.

وختمت وزارة الدفاع بيانها بأن البنتاغون سيعمل مع حلفائه الآخرين في حلف شمال الأطلسي (ناتو) وفي التحالف الدولي لمواجهة داعش، "لتتحمل تركيا العواقب المحتملة المزعزعة للاستقرار المترتبة على الإجراءات المحتملة من جانبها".

وكان أردوغان قد أثار خلال اتصال هاتفي مع ترامب في وقت سابق، قضية توغل قوات تركية إلى شمال شرقي سوريا، وقال إن آلية المنطقة الآمنة لا تلبي المطالب التركية، مشيرا إلى أنه يريد القيام بعملية عسكرية أحادية الجانب من دون أن يحدد تفاصيلها، وفق ما أفاد به المسؤول الرفيع في الخارجية الأميركية للحرة.

"العملية التركية"

وبعدما لوّح أردوغان على مدى أشهر بشن هجوم في شمال سوريا، توصلت واشنطن مع أنقرة إلى اتفاق في أغسطس نص على إقامة منطقة عازلة تفصل مناطق سيطرة المقاتلين الأكراد عن الحدود التركية. وسيرت القوات التركية والأميركية دوريات مشتركة. إلا أن أردوغان كرر مرارا أن صبر بلاده ينفد، مهددا بشن هجوم وشيك، وقال الاثنين إنه قد يبدأ في "أي ليلة ومن دون سابق إنذار".

ويرجح محللون أن يكون الهجوم التركي محدودا ويشمل الشريط الحدودي من دون التقدم إلى عمق المناطق ذات الغالبية الكردية.

وينتظر أن يصوت برلمان بلاده على تمديد تفويض لعام آخر يسمح للجيش التركي بالتدخل في سوريا والعراق.

"موقف قسد"

قرار الانسحاب الأميركي لم يتلق ترحيبا من قيادة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي قالت في بيان الاثنين، إن "القوات الأميركية لم تف بالتزاماتها وسحبت قواتها من المناطق الحدودية مع تركيا".

وكتب المتحدث الإعلامي في قسد، مصطفى بالي، على تويتر "لا نتوقع من الأميركيين حماية شمال شرق سوريا. لكنهم مدينون للناس هنا بتفسير حول اتفاق الآلية الأمنية (الحدودية) وتدمير التحصينات وفشل الولايات المتحدة في الإيفاء بتعهداتها".

وعمدت قسد التي يشكل المقاتلون الأكراد عمودها الفقري، إثر اتفاق المنطقة الآمنة، إلى تدمير تحصينات عسكرية في المنطقة الحدودية، وتمّ سحب مجموعات من الوحدات الكردية منها.

قلق أممي وأوروبي

وحذرت الأمم المتحدة الاثنين من أنها "تستعد للأسوأ" في هذه المنطقة، في وقت نبّه الاتحاد الأوروبي من أن "أي استئناف للمعارك سيزيد من معاناة الشعب السوري ويسبب نزوحا للسكان ويقوض الجهود السياسية لحل" النزاع المستمر منذ عام 2011.

وقالت متحدثة باسم الاتحاد الأوروبي في بيان، إن الدول الأوروبية تعترف بمخاوف تركيا المشروعة تجاه أمنها، لكن الاتحاد يؤكد على أنه يرفض حل القضايا العالقة بالوسائل العسكرية، ويجب البحث عن وسائل سلمية لحل الخلافات، ووضع آليات مستدامة للحلول.

وتسيطر تركيا مع فصائل سورية موالية لها على مدن حدودية عدة. وتمكنت العام الماضي من طرد المقاتلين الأكراد من منطقة عفرين، إثر هجوم واسع دفع بعشرات الآلاف من السكان الى النزوح.

وقال سيف أبو بكر، قائد "فرقة الحمزة"، وهي مجموعة سورية موالية لأنقرة، "أنهينا تدريب مقاتلينا ووضعنا خططنا وسنشارك في العملية العسكرية إلى جانب تركيا".

مخاوف أمنية

وكانت قسد قد أبدت في تغريدة خشيتها من أن يسمح هذا الهجوم "لخلايا" داعش بتحرير مقاتليه المعتقلين وأفراد عائلاتهم المحتجزين في المخيمات، وهو ما "سيشكل تهديدا للأمن المحلي والدولي". إلا أن المتحدث باسم الرئاسة التركية، إبراهيم كالين، قال في تغريدة الاثنين إن "تركيا ستواصل معركتها ضد داعش ولن تسمح له بالعودة بشكل أو بآخر".

وسبق للولايات المتحدة أن حذرت مرارا من أن التنظيم رغم خسائره الميدانية في سوريا والعراق ما زال يعمل على تعزيز قدراته في البلدين ويشكل "تهديداً" حقيقياً.

XS
SM
MD
LG