Accessibility links

بغداد أرضا للحوار الإقليمي


رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي

مشرق عباس/

على دول المنطقة المتصارعة، بالإضافة إلى الولايات المتحدة ودول متداخلة في المواجهة المتنامية في الشرق الأوسط، اختيار بغداد كأرض لفتح الحوار إذا كانت ثمة نية صادقة بنزع فتيل الأزمة.. وهذا ليس عرضا عاطفيا، بل إنه قد يكون الإطار المنطقي الوحيد المتاح لإيجاد تسوية شاملة تضمن السلم والأمن الدوليين.

وأن تكون بغداد اليوم أبعد ما يكون عن مفهوم "صنع السياسات" وأن تكون العاصمة الأكثر ضعفا واضطرابا وضبابية في مواقفها، أو أن تكون في الأساس ساحة اختارها المتصارعون للتنفيس عن أزماتهم وفائض قوتهم ومخاوفهم للعقدين الماضيين، كلها أسباب لا تمنح القيادات السياسية العراقية ميزة "الوساطة" ولا تتيح لها "إنتاج الحلول" كما لا تسمح لها باتخاذ "مواقف حاسمة في قيادة الحوار" ولا حتى اتخاذ موقف الحياد من الصراع.

لكن من زاوية أكثر واقعية، فإن كل تلك الأسباب هي من ترجح بغداد من دون غيرها، لتكون خيار الحل في المنطقة، وبما يتيح للمتخاصمين هامشا لحل أزماتهم برعاية رمزية المكان الذي يجتمعون فيه.

وابتداء.. فإن احتلال العراق عام 2003 هو النقطة المركزية التي تشكلت على أساسها كل اضطرابات الشرق الأوسط اللاحقة، وذلك لا يعني أن هذه المنطقة كانت بلا اضطرابات، بل إن غياب بغداد سمح بظهور معادلات وزن جديدة لعواصم المنطقة، وسياسات ملء الفراغ الإقليمية سمحت لعواصم دول الجوار العراقي بالاحتكاك فيما بينها، إلى حد التصادم.

ولأن الوجود الأميركي الطويل في العراق، لم يرتبط بسياسة فك الاحتكاك الإقليمي، بل في الغالب كان قد تأسس عليه، فإن واشنطن اليوم معنية أكثر من سواها بتأطير المساحة العراقية ما بين الخنادق الإقليمية، فيما دول المنطقة، التي توصلت بعد تردد، وفي ظل انفجار "داعش" الهائل في قلب الشرق الأوسط، إلى أن "ضعف العراق أكثر خطورة من قوته"، فإن عليها اليوم إدراك معيار جديد مفاده "أن استمرار الغياب العراقي عن التوازنات الإقليمية يمثل تهديدا وجوديا للمنطقة بأسرها".

إن الحل الإقليمي الدائم عليه أن يرتكز إلى مفهوم استراتيجي واضح، لا يشمل فقط تغيير سياسة التدخل الإيرانية في دول جوارها، بل أن تمتنع كل دول المنطقة عن التدخل في شؤون بعضها، وأن يتم تعريف "التدخل" بالإشارة إلى أي دعم عسكري أو سياسي أو اقتصادي أو إعلامي لفئة أو جماعة أو تيار أو حركة سياسية أو عسكرية داخل دولة ذات سيادة على حساب غيرها بهدف إحداث تغيير سياسي في تلك الدولة.

وبالطبع لا يمكن السيطرة على مثل هذه التدخلات بشكل كامل في نطاق ما بات مستقرا اليوم من مفاهيم "السيادة المرنة"، لكن مجرد توصل دول المنطقة إلى قناعات راسخة حول تبني هذا المفهوم، يمكن أن يكون مدخلا مربحا للجميع.

غياب بغداد عن الفعل الإقليمي، وتحولها إلى متلق سلبي لتأثيرات صراعات المنطقة، ليس بإمكانه المساهمة في إنتاج سلام دائم، لكن إدراك دول الجوار لضرورة استعادة الدور العراقي هي المساهمة الفعلية في إنتاج السلام.

ولهذا تحديدا سيدعم تحويل بغداد في هذه المرحلة إلى ارض للحوار الإقليمي والدولي، استقلالية سلطة القرار في العراق عن التغول السياسي الخارجي، ويتيح لها على المدى البعيد البدء بإجراءات إنتاج الدولة التي يجب أن نعترف بأنها غائبة عن الوعي حاليا.

وكثيرا ما وقعت دول المنطقة، وربما دول عبر العالم، في شرك شخصنة الموقف من العراق استنادا إلى ميول أحزاب وجماعات وشخصيات فيه، وضعفهم، وعدم انتماء بعضهم لمفهوم الدولة، ناهيك عن عدم إيمان آخرين بالدولة في الأساس، ونعرّف ذلك بأنه "شرك مفاهيمي" لأن التوجه الإقليمي والدولي يجب أن يكون دعم الدولة لا أشخاص أو أحزاب فيها، وعلى الدولة بدورها أن تنتج لاحقا أشخاصها وأحزابها ومواقفها المتنزنة.

وعلى كل ذلك.. نعم، بغداد هي العاصمة التي فجر غيابها الشرق الأوسط برمته، وهي العاصمة التي يجب أن تحتضن أي حوار إقليمي أو دولي مزمع حول أزمات الشرق الأوسط، وهي العاصمة التي ستكون استعادتها من الغياب بمثابة مفتاح لحل تلك الأزمات.

اقرأ للكاتب أيضا: ماذا سنفعل مع العقوبات؟

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG