Accessibility links

بغض اليهود بذرائعه المتضاربة.. غربيا عربيا معا


تكريما لضحايا الاعتداء على الكنيس في بيترسبرغ پنسلڤانيا

بقلم حسن منيمنة/

يعيد الاعتداء الذي أدى إلى مقتل 11 شخصا، جلّهم من المسنين، في الكنيس اليهودي في ولاية پنسلڤانيا طرح موضوع البغض لليهود، والمتأصل وإن بخفاء في أكثر من مجتمع، في الإطار الغربي، كما في المحيط العربي.

تختلف ذرائع هذا البغض، ولكن، في هذا العالم المتواصل معرفيا أصبح بالإمكان الجمع بينها، وإن تضاربت، لتبرير العدوان القاتل، أو على الأقل للتقليل من شأنه. ولا بد إزاء ذلك من الوضوح في الاعتراض على هذا البغض ومن الرفض لمحاولات تطبيعه فكريا واجتماعيا وسياسيا.

هي "معاداة السامية" في الغرب؛ والتسمية عائدة إلى خلط بين اللغوي والعرقي والديني. "معاداة السامية" مدانة في الخطاب العام، ولكنها متواصلة في زواياه وهوامشه، بل هي مع عودة الكلام عن "القومية"، في تعمية على الغالب لقناعات الفوقية أو الأحقية للعرق "الأبيض"، تكتسب المزيد من الزخم.

الفكر العربي المعاصر قد اجتهد باستيراد "الأدبيات" المغالطة لمعاداة السامية من الغرب

سجل معاملة اليهود على مر العصور في السياق الغربي لم يكن ناصعا، بل يمكن اختزال مسار تشكل الهوية الغربية على أساس التمايز المسيحي مع المسلمين بصفتهم "الآخر" الخارجي، ومع اليهود على أنهم "الآخر" الداخلي. عندما انتقل الغرب من المسيحية كأساس لهويته إلى ما بعدها، وهو انتقال تدريجي لم يتم بالكامل، أعاد تصنيف اليهود (وكذلك المسلمين).

فلم يعد النفور من اليهود مبررا بكونهم قتلة الإله، بل أمست التهم أكثر دنيوية. فهم، وفق التهم، يختطفون الأطفال لفطيرة الدم، بل إنهم يمتصون دماء الشعوب من خلال الفوائد التي يجنونها من القروض. وما إن ابتدأت الحركات السرية والثورات، حتى انطلق تصيد دورهم في الإعداد لها، وصولا إلى الكشف عن "بروتوكولات حكماء صهيون"، هذا النص الكاذب الذي يجمع خيوط القلق والأوهام الغربية حول اليهود في صيغة مؤامرة محبوكة للسيطرة على العالم ككل (دون اعتبار على ما يبدو لإقامة حكمهم في فلسطين، حيث أن واضعي هذا النص لم يكونوا معنيين بهذا الهم).

اقرأ للكاتب أيضا: التداعيات المقلقة للتحولات في الكسب المعرفي (3): التسطيح في التاريخ، مادة ومنهجا

هي خزعبلات، ولكنها خطيرة، إذ تؤسس لأجواء الريبة والأحكام الجماعية. فهي ساهمت في تصوير اليهود على أنهم المعتدي على عظمة العرق الألماني، بما يتطلب إفناءهم في الحرب العالمية الثانية. وهي حضرت للقناعة التي امتشقها القاتل في ولاية پنسلڤانيا الأسبوع الماضي، بأن اليهود، هذا الكم الأحادي الغادر، يعملون على استقدام أصناف البشر لتذويب نقاء العرق "الأبيض" في الولايات المتحدة، وطنه الحصري، فكان عدوانه على المسنين في دار العبادة "اقتصاصا مشروعا" وحسب، وفق منطق الثأر الجماعي.

الفكر العربي المعاصر قد اجتهد باستيراد "الأدبيات" المغالطة لمعاداة السامية من الغرب. والمكتبة العربية تطفح بالمنشورات التي تزين أغلفتها الأفاعي اليهودية التي تحيط بالكرة الأرضية وتخنقها، أو الوجوه اليهودية ذات الملامح "السامية" والأنوف الكبيرة والأذان البارزة، وفق التشويه الغربي لصورة اليهودي، والذي يستدعي أوجه شبهه بالمتوسطيين عامة والعديد من العرب خاصة. هذا التفصيل يبدو غائبا عمّن تشوّق لتعريب نصوص هزيلة عن مؤامرات مفترضة لأزمنة بائدة تجتمع مادتها من أهواء الكاشفين المزعومين عنها لا من وقائع التاريخ.

كلها في كفة، والبروتوكولات في كفة مقابلة. لا بد للفكر العربي من إنكار ذاته للقبول بمؤامرة يهودية مزعومة منقطعة عن قضيته المركزية، ولكنه يفعل. فالبروتوكولات كما "التلمود"، هذا النص الذي يبدو أن الطاعنين فيه لا حاجة لهم لقراءته، وإلا لكانوا تنبهوا إلى مدى اقترابه من المفصّلات الفقهية الإسلامية، أصبحت من المسلمات التي تكفي الإشارة إليها دليلا على شر اليهود.

الاستيعاب لمعاداة السامية من أصولها الغربية ليس المادة الوحيدة المتوفرة في المحيط العربي للإمعان في بغض اليهود. بل يبدو أن العقائد الإسلامية نفسها قد شهدت إعادة رسم على مدى القرن الماضي لاستخلاص ما يفي هذا الغرض.

في المراحل الإسلامية الماضية، رغم أن المتكلمين كانوا قد فرقوا بين كفر الجحود المنسوب لليهود، وكفر الإشراك الملقى على المسيحيين، فإن الفقهاء صنفوهم جميعا، ومعهم الصابئة بالمفهوم المطاط القادر على استيعاب مختلف الديانات، على أنهم من أهل الكتاب، فاعتبروا أنهم معصومون في أوجه وفق شروط الذمة أو العهد، ملزمون بقيود وأصول، دون أن يجري التمييز في معاملتهم على أساس المضمون العقدي لأديانهم.

أما القرن الماضي، فقد شهد توالي منظومتين عقديتين إسلاميتين، الأولى تقدمية في توجهها العام، عملت على محاكاة الحداثة، بصيغها المنفتحة والقومية والاشتراكية، والثانية متشددة في مسعاها للتصدي للحداثة، وإن جاءت حداثية بدورها حكما وقسرا. والفضل، بل اللوم، يعود إلى الأولى لإرسائها الانتقائية الحصرية في استدعاء النصوص بما يتوافق مع غاياتها المبدئية، وهي المنهجية التي ارتضت بها وأبدعت في تطبيقها المنظومة العقدية المتشددة، ولا تزال.

سجل معاملة اليهود على مر العصور في السياق الغربي لم يكن ناصعا

فالمنظومة العقدية التقدمية ساهمت في تأصيل المواجهة المتحققة في فلسطين بين المشروعين القوميين العربي والصهيوني من خلال استدعاء الآية القرآنية "لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى"، حيث أنها لا ترسخ اليهود في موقع العدو وحسب، ولكنها كذلك تفتح المجال أمام تعزيز اللحمة القومية بين المسلمين والمسيحيين. ويمكن استشفاف اتساع نطاق هذه المقاربة، أي عزل اليهود لتمتين الوحدة بين المسلمين والمسيحيين في توجهات أنطون سعادة، صاحب الدعوة القومية السورية، مثلا، إذ تحدث عن "الإسلام برسالتيه المسيحية والمحمدية" فيما أكد أن العداء هو مع اليهود، كل اليهود، في فلسطين، ولبنان وسورية والعراق، وأرجاء العالم كافة.

فرغم بعض المحاولات النظرية إلى التمييز بين الصهيونية كحركة سياسية موسومة بالعنصرية وغيرها من الطعون، وبين الدين اليهودي (أو الموسوي، حيث أن كلمة يهودي كانت قد استقرت على المعنى السلبي) والذي يتوجب احترامه، فالواقع أن هذا التمييز كاد أن يغيب عن الاستعمالات الفعلية، والتي ساوت بين الصهيوني والإسرائيلي واليهودي، وكلهم شر مطلق.

لخالد الهبر، المغني اليساري البارز وربما الأكثر أثرا على ترسيخ القيم الأممية في الفن الملتزم، في إحدى أغنياته الثاقبة شطرا يكشف عن مدى هذا التداخل، حيث يقول: "كيف اليهودي مضطهد، ما هو سارق لي بلد". اليهودي، لا الإسرائيلي، لا الصهيوني.

فإذا كان التقدمي والقومي واليساري والأممي مثابر على المزج والتأحيد، فلا يمكن بالتأكيد التوقع من التوجهات القطعية أن تلجأ إلى التأني في المصطلح.

فمع صعود المنظومة العقدية المتشددة، شهد الخطاب الإسلامي في المحيط العربي عودة مقززة لعبارات تأحيدية تجريحية، فاليهود أمسوا قتلة الأنبياء وأحفاد القردة والخنازير. والأخطر أن هذه المنظومة، بناء على ما أسسته سابقتها التقدمية، توسعت في مراجعة التاريخ الديني بما ينسجم مع الحاجات الآنية، ليتحول اليهود، ككم أحادي، إلى العدو الوجودي للمسلمين، ابتداء من زمن السيرة النبوية.

لا بد عند الإشارة إلى مادة السيرة من التأكيد على الطبيعة الظنية لتفاصيلها، على أحسن حال، إذ هي غالبا ما ترد كأخبار آحاد دون إمكانية تصحيح الإسناد أو تحسينه. وتفيد هذه المادة أن وادي القرى كانت قد استوطنته قبائل يمنية متهودة، وحصون يثرب كانت لثلاث منها، هي النضير وقينقاع وقريظة. وتسرد السيرة غزوات المسلمين على وادي القرى، وفتح خيبر، أحد معاقلها، ونكبة أهله وترحيلهم (وأصداء هذا الخبر مستمرة إلى اليوم بصرخة "خيبر خيبر يا يهود، جيش محمد سوف يعود")، كما تذكر الاستفراد بقبائل يثرب اليهودية، وقهر النضير ثم قينقاع.

أما قريظة، فالرواية أنها بقيت في يثرب، غير أن وجهاءها طلبوا إعفاءهم من حلفهم مع المسلمين بعد أن حشدت قريش الأحزاب استعدادا لفتح المدينة. وبعد أن تلاشى خطر الأحزاب، رضخ رؤوس قريظة لمطلب التحكيم، بعد أن حاصر المسلمون حصنهم للاقتصاص من خروجهم على العهد. والرسول وفق الرواية ليس من أصدر الحُكم، بل جاء الأمر من حَكَم توافقوا عليه، وإن نقلت الرواية عن الرسول أن ما كان هو أمر إلهي. الخلاصة هي أن القصاص لطلب رؤوس قريظة الانسحاب من العهد هو أن جميع رجالهم وفتيانهم يقتلون، وتسبى نساؤهم وأطفالهم. ورواية السيرة تفيد أنه هكذا كان، فقتل منهم ذبحا ثمانمئة وتقاسم المسلمون السبايا والغنائم.

الواقع أن هذه الرواية تبدو خارج سياق السيرة، وثمة من أشار إلى أوجه فيها تشابه روايات سابقة لرسول الإسلام. فقد يكون إدراجها جاء في إطار المنحى التعبيري، والذي يندر الإقرار به في مراجعة النصوص الإسلامية، للتشديد على وجوب الطاعة للرسول وولاة الأمر.

"بروتوكولات حكماء صهيون"، نص كاذب يجمع خيوط القلق والأوهام الغربية حول اليهود في صيغة مؤامرة محبوكة للسيطرة على العالم ككل

إلا أن هذه الرواية الغريبة المنفّرة ليست البتة عرضة للنقد والمساءلة من علماء الدين المسلمين اليوم، بل السائد هو القبول بها والتأكيد على وجوب الحكم بحسنها شرعا وإن استقبحت عقلا وفطرة. بل يمكن استشفاف بعض الانتقال في قراءتها، فبعد أن كان الميل إلى تخصيصها للرسول، توالت الشروح التي تعمد إلى تخصيصها لليهود، أي القول بأن اليهود يستحقون ما حصل فيها بفعل يهوديتهم، أي الغدر الثابت في طبعهم. بل ثمة من قال بوجوب القياس عليها. المنظّر المتشدد لدى تنظيم "القاعدة"، محمد حسن قائد (أبو يحيى الليبي) أقر أن جرم اليهود فيها لم يكن عظيما، ولكن القصاص كان كذلك، فالدعوة هي أن يكون هذا التفاوت هو المعيار. كيفما جرى توضيب حديث بني قريظة هذا، فإنه في سياق تأطير اليهود والعلاقة بهم يشكل مادة خطيرة من شأنها أن تبرر فائق الأذى بحق اليهود وتحضر لفائق الريبة من جانبهم.

والأجواء التي تعممها المنظومة العقدية المتشددة، الطاعنة باليهود لا في أفعالهم وحسب بل في طبعهم وجبلتهم، قد أرست فارقا هاما في ردود الفعل على الجرائم. بعد أن ارتكب القاتل في پنسيلڤانيا جريمته، حظي ببعض التأييد في غياهب شبكات التواصل الاجتماعي، ولكن الموقف العام في الولايات المتحدة كان إدانته دون تحفظ، وإدراج فعله في سياق الإجرام المطلق بحق الأبرياء.

اقرأ للكاتب أيضا: من الحريري إلى خاشقجي: معنى البراءة حتى ثبوت التهمة

قبل أربعة أعوام، شهد أحد أحياء القدس الغربية في إسرائيل جريمة مشابهة، إذ اعتدى قاتلان على جمع للمصلين وقتلوا خمسة، معظمهم من المسنين. ردة الفعل في المحيط العربي لم تكن الإدانة والاستهجان، بل التبرير والتأكيد على بطولة القاتلين. فالمسن اليهودي ليس عجوزا يستحق المراعاة والرحمة والاحترام، بل تجسيدا وحسب لليهودي الغادر.

الحجة الحاضرة، والتي تستدعى على الفور لتفسير هذا التفاوت بما يتجاوز هذه القناعة حين لا يصرح بها، بل للتأكيد على وجوبه، هي أن الإنسان الفلسطيني مظلوم. وهو كذلك بكل تأكيد، الإنسان الفلسطيني في ظل الاحتلال يعاني من عدوان على حقوقه بالحرية والكرامة والملكية، بل على حقه بالحياة في أحيان عديدة إن تجرأ على التحدي. هذا حاله، وهو كذلك حال أقرانه في العديد من أصقاع المحيط العربي. بل إن مصاب الإنسان السوري، جاره القريب، يضاهي مصابه ويزيد، دون أن يحظى بالمتابعة لمأساته، والغضب لألمه، والاستهجان لمعاملته، بالقدر الذي يناله هو.

ليته يحصل، وإلى أن يحصل، لا بد من تقصي دوافع هذا التفاوت لا في أحوال المعتدى عليه بل في هوية المعتدي، والإقرار بأن ردة الفعل على الإسرائيلي مضاعفة بفعل تراكم البغض لليهود، سواء جاء من أصول غربية في الصور المستوردة للمعاداة للسامية، أو استجلب من مواد محلية. وطالما أنها كذلك، فإن صدقية الاعتراض مطعون بها، وخطر الانجراف إلى أذى فائق قائم، والوهن في النزاهة الأخلاقية متحقق.

ـــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG