Accessibility links

بوتين في الرياض الكرة بملعب الكرملين


الملك سلمان مستقبلا بوتين

مصطفى فحص/

تندفع موسكو عميقا في مخطط استقطابها الإقليمي وفي توسيع فضائها الإسلامي. وفي لحظة انكفاء أميركي غير واضحة المعالم، تفتح موسكو مجالها الحيوي باتجاه الرياض، العاصمة المركزية للأغلبيتين العربية والإسلامية. تنظر إلى موسكو بحذر جرّاء ذاكرة حية مثقلة بجراح كبيرة، أساسها سوريا التي لا تزال مفتاح الحل والعقد مع الرياض.

في الرياض، نجح بوتين اقتصاديا واستراتيجيا، لكن خطواته السياسية لم تزل مرهونة بعقد لا يستطيع التفلت منها، لأنها تمثل أسس الجغرافيا السياسية لموسكو حاليا ـ وبطرسبورغ سابقا منذ القياصرة مرورا بالسوفيات إلى زمن فلاديمر بوتين. والأخير مُطالب الآن اتباع سياسة توازن تراعي هواجس عربية وإسلامية ترى نفسها مستهدفة من مشاريع إقليمية عديدة تهدد الأمن الجماعي العربي.

يسعى بوتين لتقديم نفسه وسيطا قادرا على التواصل مع كافة أطراف النزاع

وهذه المشاريع، في أغلبها، متحالفة أو متعاونة مع موسكو، بل تستمد أحيانا قوتها وحركتها من جرّاء التغطية التي تحصل عليها منها، حيث ترسم موسكو خرائط نفوذها في فضائها الإسلامي الجديد من خلال حلفاء نجحوا في فرض شروطهم عليها وإلى المساومة مع موسكو على قيام منظومة مصالح مشتركة في الشرق الأوسط والمنطقة العربية.

وكان الرئيس الروسي قد تطرق بحذر إلى الدور الإيراني في المنطقة خلال مقابلة أجراها مع قناة العربية عشية وصوله إلى الرياض حيث قال "هذه القوة الكبيرة إيران، موجودة على الأرض منذ آلاف السنين، فالإيرانيون والفرس عاشوا هنا منذ قرون لا يمكن ألا تكون لديهم مصالحهم الخاصة، ويجب أن يعاملوا باحترام".

عمليا اختار السعوديون والروس الدخول من بوابة الاقتصاد والطاقة لتمتين الثقة بينهما، ومن أجل أن تكون مرحلة الاختبار السعودية لروسيا أطول وتؤجل ملفات سياسية معقدة. وتحتاج موسكون أن تبرهن فعليا عن نواياها، لا أن تبقى في خانة الوعود المؤجلة، حيث من الممكن أن يقدم الكرملين خطوات في عدد من الملفات في مقدمتها سوريا وإيران وأمن الطاقة في الخليج العربي.

وفي هذا الصدد، ينقل الخبير في الشؤون الروسية الدكتور بسام المقداد عن الخبير الروسي في الشؤون العربية غرعوري كوساتش في صحيفة (NG) الروسية "لا ينبغي بناء أية أوهام حول الزيارة الراهنة للرئيس الروسي وتمكنها من حل التناقضات بين الطرفين بشأن قضايا الشرق الأوسط. ويقول كوساتش إن المملكة السعودية سبق وأكدت بوضوح لروسيا خلال زيارة الملك سلمان العام 2017، أن المملكة عازمة على تطوير العلاقات الاقتصادية فقط مع موسكو، وعلى تحييد التناقضات السياسية بين الطرفين. ويشير الخبير إلى أن "الرياض بقيت حتى الآن وفية لهذا الخط بعدم الخلط بين السياسة والاقتصاد، وهو ما يؤكد عليه النمو السريع للتبادل التجاري بين البلدين، حيث ارتفع حجمه من حوالي 500 مليون دولار العام 2016 إلى مليار دولار العام 2018".

في المقابل، فإن طموحات قيصر الكرملين تتجاوز الاتفاقيات الاقتصادية التي بلغت 30 اتفاقا في مجالات التكنولوجيا والطاقة والبنية التحتية، تجاوزت قيمتها بنحو 2 مليار دولار، فهو يحاول من الرياض الولوج داخل المساحات التقليدية للولايات المتحدة ويستثمر في سياسة التردد والتراجع التي تمارسها في هذه المنطقة منذ عهد باراك أوباما فدونالد ترامب الذي أضرت قرارته ومواقفه بمصالح كافة الشركاء التقليديين للولايات المتحدة في المنطقة.

يسعى بوتين لتقديم نفسه وسيطا قادرا على التواصل مع كافة أطراف النزاع وكجزء من الحل، ولكن وفقا لما يراه مناسبا لمصالح بلاده التي سيراعي فيها مصالح شركائه وفي مقدمتهم أنقرة وطهران إضافة إلى نظام الأسد وهذا ما سيضعف موقفه خصوصا أنه فشل حتى الآن في إقناع الرياض في القبول ببقاء الأسد في السلطة أو في تفهم مصالح الأمن القومي التركي والإيراني في المنطقة.

طموحات قيصر الكرملين تتجاوز الاتفاقيات الاقتصادية

تكتسب الزيارة أهميتها من كونها تتويجا للحضور الروسي في المنطقة وخطوة سعودية من أجل توسيع مروحة علاقاتها الاستراتيجية، لكن تبقى العلاقات بينهما خاضعة إلى ما سوف يقوم به الكرملين في المرحلة المقبلة، حيث يصعب عليه البقاء على الحياد في قضايا تخص الأغلبية العربية والإسلامية التي تتهم موسكو بالانحياز التاريخي ضد مصالحها.

عاد بوتين إلى الكرملين والكُرة الآن في ملعبه، هل يستطيع أن يتوازن ويقدم نفسه كوسيط عادل أم أنه سيبقى أسير الجغرافيا والعقائد والتاريخ؟

اقرأ للكاتب أيضا: روسيا في سوريا... 4 سنوات عجاف

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG