Accessibility links

بين الاستعمار والتنوير


القذافي والنميري وعبدالناصر في صورة تعود للعام 1970 في الخرطوم

محمد المحمود/

كنت في مقال الأسبوع الماضي قد أشرت إلى دور الاستعمار في تدعيم الحراك التنويري الليبرالي، وخاصة في مصر ـ المؤثرة بمركزيتها السكانية والجغرافية والثقافية في سائر أقطار العالم العربي ـ، وعززّت هذا الرأي بالإشارة إلى تراجع النفس التنويري ـ على مستوى الأطروحات الفكرية؛ كما على مستوى التشكيلات الاجتماعية والسياسية ـ بمجرد رحيل الاستعمار وبداية حكم ما سمي بحركات الاستقلال. وقد أثار هذا الرأي (الذي ذكرته عرضا، وكنت أظن أني أقرّر به حقيقة يعرفها الجميع؛ وإن اختلفوا على تفاصيلها) غضبَ كثيرٍ من المحكومين بالرؤى الضديّة؛ إذ هم يزعمون أن الاستعمار كان شرا محضا، في كل مجال، وفي كل الأحوال.

لا شك أن الحركة الاستعمارية التي اجتاح بها الغربُ العالم حتى منتصف القرن العشرين، لم تكن عملا خيريا محضا لتنوير البلدان المستعمَرة وإخراجها من ظلمات التخلف والفقر والقهر إلى أنوار الحرية والعدل والرخاء، أي لتحقيق ما سُمي بـ"مهمة الرجل الأبيض"، وإنما هي نتيجة دوافع كثيرة، يقف التوسع الإمبراطوري/ الجشع الاقتصادي على رأسها. لكن ليس هذا (نيّات المستعمِرين) هو موضع الجدل هنا، وإنما موضع الجدل يتحدد في الموقف من "طبيعة النتائج" التي تحققت بالضرورة ونتجت عن هذا الاستعمار.

كان العالم العربي في حدود منتصف القرن العشرين يعيش فترة ازدهار الليبرالية الواعدة

فالنتائج كانت ـ وفق قناعاتي ـ نتائجَ إيجابية فيما يتعلق بمسار تعزيز قيم التنوير وتعميمها؛ على الرغم من بعض الآثار السلبية، تلك الآثار التي لم تكن حكومات ما بعد الاستعمار/ حكومات الاستقلال، بل ولا حكومات ما قبل الاستعمار، بريئة منها، بل ربما فاقتها سوءا وعنفا وغطرسة وفسادا في أكثر من مجال.

إن الأثر الإيجابي/ الانفتاحي للاستعمار يمكن ملاحظته بمجرد قراءة عابرة للتاريخ الاجتماعي والسياسي والاقتصادي للأقطار العربية التي حكمتها دول الاستعمار لفترة ما. هذا الأثر الإيجابي لم يكن خاصا بمصر وحدها، فقد تغيّرت الأجواء الثقافية في معظم بلدان المشرق العربي التي فُرضت عليها الحماية بعد نهاية الحرب العالمية الأولى.

العراق وسوريا ولبنان وفلسطين توفرت لها أجواء من الحرية لم تكن متوفرة في الفترة السابقة على الحرب العالمية الأولى/ فترة الاستعمار التركي. ولقد ازداد في هذه الفترة بالذات حجم التواصل الثقافي بين مصر وهذه الدول، سواء على مستوى التثاقف التعليمي (ذهاب بعض المعلمين، أو ذهاب بعض المتعلمين في هذا الاتجاه أو ذاك)، أو على مستوى التثاقف الفكري العام، حيث كان المتعلّمون في هذه الدول يقرأون لكبار الأدباء والمفكرين المصريين الليبراليين، ويشاركونهم الجدل الثقافي/ الأدبي على صفحات الصحف المصرية التي فتحت صدر صفحاتها للجميع.

في المغرب العربي كان النموذج الاستعماري الفرنسي الذي طال أمده يحاول تغيير الهوية الثقافية للأقطار المحتلة على نحو استفزازي في كثير من الأحيان. وهذا ما جعل التطورات الإيجابية تنمويا، لا تحظى بتقدير القوى الوطنية الفاعلة ثقافيا؛ لأنها ـ بحكم ضرورة السياق التاريخي ـ جعلت نبذ الوجود الاستعماري والحفاظ على الهوية هدفها الأول؛ حتى ولو أدى ذلك إلى ضرب المنجز الإيجابي فيما يخص التنمية والانفتاح والثقافي.

إذن، كان العالم العربي في حدود منتصف القرن العشرين يعيش فترة ازدهار الليبرالية الواعدة. فما الذي حدث بعد ذلك؟ ما الذي جعل العالم العربي نهاية هذا القرن/ القرن العشرين نهبا للقوى الأصولية المتطرفة من جهة، وللاستبداد الشمولي العسكري من جهة أخرى؟

يمكن اعتبار عام 1948 تاريخ قيام إسرائيل، والحرب العربية الإسرائيلية التي خرج منها العرب بهزيمة جارحة للكرامة، ثم بداية عصر الانقلابات العسكرية، ونجاحها في السيطرة على الدولة المركزية في الإنتاج الثقافي/ الإعلامي آنذاك، بداية انتكاسة حادة للمد الليبرالي. هذه الانتكاسة ليس سببها الوحيد طبيعة الحكومات العسكرية، من حيث كونها ـ بالضرورة/ بطبيعة نمط الوعي العسكري ـ دكتاتورية قمعية، وإنما سببها الأول أن الخيارات الأيديولوجية لهذا الأنظمة العسكرية كانت تُشَكّل حالة مضادة لكل ما هو ليبرالي/ تنويري؛ من حيث هي معادية لكل ما هو غربي/ استعماري، بل يكاد يكون هذا هو السبب الأقوى، الأكثر فاعلية في المجال الثقافي.

فكل هذه الحكومات المُتَعَسْكرة كانت تتبنّى الخيارات الاشتراكية صراحة، تتبناها على مستويين: مستوى الإدارات المؤسساتية والخطط التنموية، ومستوى التَّوجّهات الثقافية المُوَجّهة من قِبَل وزارات الإرشاد القومي واللّجان الثقافية المرتبطة بالأحزاب الحاكمة، وكلها خاضت ـ بمستويات مختلفة ـ حربا ضروسا لتدمير الرأسمالية المتواضعة التي كانت هي القاعدة الاجتماعية للبورجوازية العربية الصاعدة المتماهية مع الخط العام للفكر الليبرالي.

يُضَاف إلى هذين السببين (هزيمة 1948 بدعم غربي صريح، والانقلابات العسكرية التالية)، حروب التحرير/ مكافحة الاستعمار، كسبب ثالث لا يقل عنهما أثرا في تهميش الخيار الليبرالي؛ إن لم يكن هو أقوى الأسباب التي امتد أثرها إلى اليوم.

فحروب التحرير لم تكن لتنجح ـ في نظر أصحابها ـ إلا بِتَبنّي أيديولوجية رافضة/ مناهضة لأيديولوجية الغرب الإمبريالي، الذي هو الغرب الليبرالي في الوقت نفسه. ومن هنا نفهم كيف أن كل حركات التحرر العربية تبَنّت ـ إبان التحرير، وبعد نجاحها وتسلّمها مَهام الحكم في أقطارها ـ خليطا متنافرا من التراث التقليدي/ الديني المحلي المُعْتمد من قِبَلها كشرط لأصالة الهوية، والفكر اليساري الذي يمتاح من منظومة الفكر الاشتراكي المناهض/ المعادي للغرب الرأسمالي/ الليبرالي.

لا شك أن الوضع الاقتصادي المُتَردّي للدول العربية آنذاك أسهم في تبَنّي هذا الخيار الاشتراكي. لكن، لا شك أيضا في أن الموقف الضِّدّي المناهض للغرب كان حاضرا، وبقوة، بل وفي اعتقادي أنه هو العامل الحاسم وراء هذا الخيار الساذج، خاصة وأن القَوْمَوية الناصرية (التي امتلكت أهم قنوات التأثير الإعلامي/ الدعائي في ذلك الوقت)، وصلت به إلى الغاية؛ عندما جعلته أصل مشروعيتها في العالم العربي.

الأنظمة العسكرية التي تقف الناصرية على قمتها ـ كنموذج أعلى لكل ما هو أسوأ ـ قامت بتجريف الوعي التنويري الذي كان في طور التَّأسّيس/ النمو خلال النصف الأول من القرن العشرين.

استطاعت الخطابات الرسمية الغوغائية ذات النفس الدوغمائي أن تكتسح وعي الجماهير الذي تركّزت كل طموحاته ـ بفضل هذا الإعلام الجماهيري الغوغائي ـ في تحقيق: الاستقلال والوحدة وتحرير فلسطين. هذه القضايا الثلاث شغلت الإنسان العربي إلى درجة الهوس، وألهته عن مبادئ أساسية تتعلق بوجوده الحقيقي/ المُتَعيّن، أي المبادئ المرتبطة به ككائن مستقل، من حريات، وحقوق فردية/ إنسانية سابقة لكل الأطر الجمعية التي يجري الترويج لها.

ولهذا، عندما تهاوى المشروع القوموي العروبوي بعد الهزيمة الساحقة عام 1967 كان الوعي قد تصحّر من كل بقايا "الربيع الليبرالي" السابق، فلم تجد الجماهير التائهة المجروحة بعار الهزيمة النكراء إلا هذا الخطاب الأصولي التقليدي لترتمي في أحضانه، وتمنحه ذاتها كما كانت تفعل من قبل مع الخطاب القوموي المهزوم. وقد ساعدها على هذا الانتقال الطبيعة الواحدة لكلا الخطابين، أي كون البُنَى الذهنية في كلا الخطابين: القوموي والإسلاموي مُتشابهة، بل وتكاد تكون متطابقة، فكلاهما ـ رغم مظاهر التنافر، بل والتناحر ـ شمولي كُلْياني في العمق، بل وعنصري إلى حد ما، وضِدّي بأعلى درجات الضِّدّية التي قد تصل ـ بل لقد وصلت في بعض الأحيان! ـ حدّ الجنون.

الأنظمة العسكرية قامت بتجريف الوعي التنويري الذي كان في طور التَّأسّيس

منذ هزيمة 1967 وإلى منتصف التسعينيات، خضع الوعي العربي، وبصورة مكثفة، لخِطَابين جماهيريين مُضَادين/ مناهضين لأهم مبادئ الليبرالية الغربية: خطاب القوموية المنتكسة الذي تبنته أنظمة البعث التي كانت تبحث عن أية مشروعية لها في كُلٍّ من سوريا والعراق، وخطاب التدين التقليدي في شِقّيه: السلفي التقليدي والأصولي والحركي. وهذان الخطابان ـ بكل أطيافهما ـ امتهنا، وبكل ابتذال، هِجَاء الغرب الليبرالي ثقافيا وإعلاميا، مُشَنِّعين على سلوكياته في الخارج، ومُشَكّكين بجدوى خياراته ذات الطابع الليبرالي في الداخل، فهو ـ وفق ماكينة الدعاية لكلا الخطابين ـ غرب واحد، غرب إمبريالي عدواني لا هدف له إلا استنزاف العرب ونهب خيراتهم، بل وتَعَمّد إهانتهم في سياساته الخارجية. أما في سياساته الداخلية، فهو ـ كما يزعمون ـ غرب ليبرالي انحلالي فوضوي مادي مفلس أخلاقيا، تقوده فضويته وانحلاله وماديته الصارخة إلى التفتت الاجتماعي، ومن ثم إلى الانهيار المحتوم.

رغم كل ذلك، وبقوة قانون الحياة الأزلي المتضمن في منطق العلم، استمر الغرب الليبرالي في صعوده المُطّرد، بل المُبْهِر، ولم تظهر عليه لا بوادر ولا مؤشرات تدل على الانهيار المزعوم، ذلك الانهيار الذي طالما بَشّر به أعلام/ رموز الخطابات الضدية، القوموية والإسلاموية، وجعلوا منه تعبيرا عن انتصارهم الوشيك!

ما حدث هو عكس ذلك تماما، فالرياح لم تَجْرِ بما يشتهي القوميون الغوغائيون والأصوليون المتزمتون، إذ تهاوت بداية التسعينيات من القرن الميلادي المنصرم أهم وأكبر الأنظمة الاشتراكية التي كانت تَتَبنّى الأيديولوجية المضادة للتوجهات الليبرالية، معلنة ـ بحكم الأمر الواقع الذي سيتعولم ـ انتصار النموذج الغربي ذي الطابع الليبرالي.

اقرأ للكاتب أيضا: نيوزيلندا والإرهاب.. سيكولوجية التلقي

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG