Accessibility links

بين الثابت والمتحول: الدين الحيّ تواصل جدلي


التاريخ الإسلامي حافل بمساعي إعادة الصياغة الهادفة إلى إيجاد مخرج للتباعد الحاصل بين مقتضى الإيمان كما ترسمه النصوص، والواقع المعرفي في الفترات الزمنية المتتالية

حسن منيمنة/

ربما أن الخطأ المنهجي الذي يقع به من يسعى إلى إقامة الدولة الدينية، وهو خطأ يتكرر كذلك مع معظم من يجهد لاعتراض إقامتها، هو الافتراض بأن الدين نظام ثابت قطعي واجب للتطبيق، ليصبح معه الخلاف بين الفريقين حول طبيعة المضمون، أي حول مدى شدّته مقابل سماحته. ومن شأن المؤمنين تحديدا أن يرفضوا خلاف هذا الافتراض على أنه طعن بالدين أو بمصدره الإلهي، وتصوير القول بأن الدين متحول في أصوله كما فروعه على أنه كفر بواح.

ولا شك أن بعض اللادينيين واللاإلهيين يعمد إلى التدليس، المبدئي المتعمد الساعي إلى التدرج في تفكيك المقولات الدينية لدى الجمهور الذي اعتادها والذي قد ينفر من إسقاطها الفوري، أو الوقائي الهادف إلى تجنيب صاحب الطرح الأذى المعنوي أو حتى الجسدي. غير أن وجود هذا التدليس لا يعني أن مقولة أن "الدين متحول" تتعارض حكما مع الإيمان، بل الواقع أن بقاء الدين في المرحلة الحالية والتالية من تطور الكسب المعرفي قد يقتضي اعتماد هذه المقولة لتقديم ما يتجاوز الصيغة الترويعية الحالية والتي تضع المؤمن أمام خيار التنازل إما عن عقله أو عن إيمانه.

المسعى السلفي، كما الإصلاحي وما سبقهما، قائم ابتداء على زعم أنه لا يأتي بالجديد، بل يعيد استنهاض الصيغة الأصلية للدين

يمكن بالتالي افتراض أن الحالة القائمة اليوم من تضافر ما يتحدى الصيغة المعتمدة على النقل ليست دليل بطلان الدين بل هي من الابتلاء المناسب للعصر، والذي يتطلب الخروج بمقولات تنفي التعارض مجددا بين الموروث والمعقول.

"مجددا"، لأن التاريخ الإسلامي حافل بمساعي إعادة الصياغة الهادفة إلى إيجاد مخرج للتباعد الحاصل بين مقتضى الإيمان كما ترسمه النصوص، والواقع المعرفي في الفترات الزمنية المتتالية، بما يشير إليه من اعتبارات علمية وفكرية واجتماعية يبدو معها ظاهر النصوص خارج السياق المعتمد. أولى هذه المحاولات، وربما أكثرها ثراء، جاءت في أعقاب تفاعل الفكر الإسلامي في قرونه الأولى مع الرصيد اليوناني (الهلنستي) الضخم، والذي كانت المسيحية البيزنطية قد اجتهدت لتهميشه.

اقرأ للكاتب أيضا: إلهان عمر بين معارضة السياسة الإسرائيلية والعداء لليهود

وفي إطار هذه الجهود يمكن إدراج مسعى كل من أبي حامد الغزالي، والذي قدّم صيغة وسطى "مؤسساتية" تمنع انفراط وحدة الإسلام كدين جامع أمام تضافر التوجهات الطرقية، كما مقابله المباشر أي مسعى الحركة الإسماعيلية الثوري إلى حد القطعية المعرفية مع الموروث. على أن المسعى الأكثر أثرا على واقع اليوم هو المنهج السلفي والذي باشر به ابن تيمية واستكمله آخرون، بمن فيهم محمد بن عبد الوهاب والأئمة النجديين، والذي تمكن من ارتياد المسعى التالي، أي الإصلاحي الذي شهده القرن التاسع عشر مع جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، ليبقى اليوم، رغم فقدانه موضوعيا قدرته على التوفيق، المصدر الأكثر استدعاء في محاولات التصدي لحالات التحدي الفكري والمعرفي التي تطال الدين.

ومع غياب قدرة الإقناع لدى هذه الصيغة، والتي نشأت لمعالجة الإشكالية المتحققة في سياق فكري انقضى منذ قرون، أصبح السلاح الأول لديها لا الحجة والبرهان، بل الترويع والتهويل بسوء مصير من يخالفها، في الآخرة كما في الدنيا، وبناء عليه ارتفعت حدة التضييق على أي قول لا ينسجم مع تصويرها للأصول الدينية، وصولا إلى اعتبار معظم المسلمين من الكفار، وتفسيق أكثر من تبقى أو وسمهم بالعصاة. والمسافة بين هذه الأقوال وأفعال التنظيمات الإرهابية قصيرة جدا.

والمسعى السلفي، كما الإصلاحي وما سبقهما، قائم ابتداء على زعم أنه لا يأتي بالجديد، بل يعيد استنهاض الصيغة الأصلية للدين، والتي تراكمت عليها البدع والإضافات. غير أن الواقع هو أن كل من هذه الصيغ، بما فيها السلفية، قائمة على جديد واضح، من خلال موازينها في تحديد موقع النص وفي قراءاتها له، وفي اختياراتها لما تضفي عليه صفة الأصالة. وقد يكون أبرز ما استحدثه ابن تيمية وصحبه في إعادة الصياغة السلفية للإسلام تأصيلهم القول بتوحيد الربوبية وتوحيد الألوهية.

حتى أن من يتبع اليوم ابن تيمية أو يقلده، لا يقتصر على توحيدين، الأول لرب الكون وخالقه، والثاني لإله الشرع وفارضه، بل يتحدث كذلك عن إرادتين قد تختلفان وتتعارضان، الأولى إرادة الله الكونية والتي خلقت الإنسان وكرّمته وجعلت منه قبائل وشعوبا وشاءت له الهدى أو الضلال، والأخرى إرادة الله الشرعية والتي ألزمت الإنسان بالطاعة والإيمان، بما هو رهن إرادة الله الكونية، وحكمت عليه بعذاب الدنيا والآخرة عند غيابهما. ليس تجنيا على السلفية المعاصرة والتي تقول بالتوحيدين والإرادتين أن توصف بأنها تقترب، عن غير عمد بالطبع، من الثنائية المانوية أو الزرداشتية.

ليس هذا طعنا بالسلفية، بل إشارة إلى الطبيعة المتحولة لمساعي التوفيق، والتي لا خلاف على الإجماع في وصفها من قبل الجميع، من المؤمنين إلى اللاإلهيين واللافقهيين، بأنها جهود بشرية، وإشارة كذلك إلى أنها غير قادرة على الوفاء بالمطلوب منها في الإطار المعرفي القائم اليوم.

والواقع أن سلفية ابن تيمية، والهادفة إلى الانتهاء من التشتيت الفكري في زمانها، كانت قد اعترضت على القراءات المجازية للنصوص، لما تتيحه هذه القراءات من إمكانيات تأويل تتعارض مع الحاجة إلى حشد الأمة في مواجهة مخاطر التفتيت. ففي إطار سعيها إلى حسم الجدل المؤسس لما تعتبره من الشطح، أقرّت هذه السلفية، على سبيل المثال، مقولة حقيقة العلو في وصف الإله، واستدعت النصوص التي تنفي عنها المجازية، واعتمدت حججا بدت في يومها قطعية. كان هذا طبعا قبل استقرار العلم بكروية الأرض الجازم بأن العلو من موقع البعض ليس علوا بالنسبة لمن هم في الموقع المقابل من الكرة الأرضية. وسلفية اليوم لا تسائل سلفية الأمس في حججها بل تعتمدها بلا كيف، وإلا كان عليها الإقرار بالطبيعة المتحولة للعلم الديني.

الدين وفق هذا التصوير الاستقرائي جامع للفقهاء والملتزمين ولمن قد ارتضوا لأنفسهم، بالقناعة أو الممارسة، ما هو أقل من مطلب الفقيه

هي إشكاليات على الدينيين أنفسهم إيجاد المخارج لها، على أن ما هو متحقق دون أن يكفي نفيهم له مهما ارتفع الصوت، ومهما تضاعف حجم مجلدات الجهود الاعتذارية التي تزعم بشق الأنفس التوفيق دون أساس علمي، هو أن التعارض قائم اليوم لا بين الصيغة المعتمدة من الدين والعلم وحسب، بل بين حاجات المجتمعات الإسلامية الفكرية والعملية وما تقدمه المؤسسات الدينية من مواقف وإلزامات، وأن الإصرار على طي هذه الحاجات، نظريا أو عمليا، بما يبقيها وإن شكليا تحت إطار الطاعة للمنظومة الدينية، غير قابل للدوام، بل هو تأجيل وحسب لانكسار وقطيعة.

الدين، من خارج التصور الضيق الذي يختزل الدين بمجموعة الأوامر والنواهي، هو ما يعيشه أهله من قناعات وعادات وعبادات، بما في ذلك ما ينادي به فقهاؤهم من وجوب طاعة، وبما في ذلك ما يمارسه جلّهم من قبول معلن لهذه النداءات وتمنع أقل إعلانا لها.

اقرأ للكاتب أيضا: حول 'مراقبة إيران' من العراق: الحاجة إلى إعادة المحاولة

الدين وفق هذا التصوير الاستقرائي جامع للفقهاء والملتزمين ولمن قد ارتضوا لأنفسهم، بالقناعة أو الممارسة، ما هو أقل من مطلب الفقيه. من شأن الفقهاء والإسلاميين أن يصرّوا على أن الدين ليس كل هذا، بل البعض الذي هم عليه. ولكن إصرارهم هذا ليس موجبا للتسليم به على أنه الحقيقة، ثم أنهم هم أنفسهم ليسوا مجمعين البتة على قراءة واحدة. وإذ لا ضير من تعدد القراءات في أوساطهم، فإن الأوْلى هو الإقرار أن الإسلام هو دين المسلمين، كل المسلمين، لا دين الفقهاء والإسلاميين وحسب، بما هو عليه من ثراء وتعدد واختلاف.

وإلى أن يصل الدينيين، ولا سيما منهم السلفيين، إلى إعادة ترجيح التوصيف "الكوني" للإسلام على حساب التوصيف "الشرعي"، بشكله المقتضب إلى حد الإجحاف، فإنه لا مبرر لمن يرى في محاولة إقامة الدولة الدينية مسعى مأزوم ومرفوض أن يقبل بما يخالف المعطى التاريخي بأن الدين في ممارسته وطروحاته جسم حي يتبدّل جدليا وفق حاجات من ينشأ عليه ويعتنقه ويدفعه بالاتجاهات التي يرتئيها.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)
XS
SM
MD
LG