Accessibility links

بين السيسي وماكرون


السيسي وزوجته يستقبلان ماكرون وزوجته

نيرڤانا محمود/

"تعرّضت مصر وفرنسا للإرهاب الإسلامي. وذكّرت الرئيس عبد الفتاح السيسي بأن السعي الدؤوب إلى تحقيق الأمن هو جزء لا يتجزأ من مسألة احترام حقوق الإنسان. فالمجتمع المتماسك هو الحصن الواقي من الإرهاب الإسلامي".

كانت هذه تغريدة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بعد دقائق من مؤتمر صحافي جمعه بنظيره المصري أثناء زيارته للقاهرة. انتقد الرئيس الفرنسي تعامل السلطات المصرية مع المدونين والمعارضين، وقال إن وضع حقوق الإنسان الآن في مصر أكثر سوءا مما كان عليه في عهد الرئيس السابق حسني مبارك.

منذ عام 2013، اختار المواطن المصري العادي الصبر خيارا استراتيجيا، لأنه يعلم أن خياراته محدودة

هناك ثلاثة عوامل تتحكم في مصير المجتمع المصري: النظام، الدولة، والشعب. شهدت مصر وصفات عده للعلاقة بين هذه العوامل الثلاث.

اعتمد الرئيس السابق مبارك على وصفة، اعتقد أنها سحرية للحكم وهي: نظام قوي ودوله ضعيفة وهامش حريات بسيط. ترك مبارك العنان للفساد ينخر في نخاع الدولة وغضّ النظر عن التدهور الشديد في قطاعات مثل الصحة والتعليم والثقافة، كما سمح بانتشار الإسلاموية السياسية، بين صفوف الشعب وفي أجهزة الدولة.

اقرأ للكاتبة أيضا: سوريا والعودة العربية

وفي الوقت نفسه، أعطى مساحة من الحرية لنقد الفساد والتخلف، ولكن بخطوط حمراء تمنع انتقاد النظام. النتيجة كانت معادلة صفرية أدت إلى انهيار بطيء لمصر وإلى الانفجار الاجتماعي في كانون الثاني/يناير 2011.

نجحت الثورة في إسقاط النظام. رحل مبارك ورحل معه نظامه الفضفاض الذي غطى وهن الدولة المصرية بعباءة فضفاضة ومضللة.

معادلة السيسي في الحكم مختلفة؛ هو يري أن النظام القوي لا يكفي، بل يجب أن يبني هذا النظام دولة قوية، وعلى الشعب أن يتحمل فاتورة بناء الدولة وهو ما يعني عيش سنين عجاف.

على الرغم من السخرية من أداء السلطة في مصر، والشكوك الدولية والمحلية، فالمؤشرات تؤكد نجاح جهود النظام الحالي في الإصلاح الاقتصادي: ارتفع معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي، كما ارتفع التصنيف الائتماني للاقتصاد المصري.

أي زائر لمصر سيشعر بطفره في الطرق والموصلات العامة وكثير من الخدمات وخصوصا قطاعي الكهرباء والغاز.

كما جفف النظام الحالي منابع الإسلاموية السياسية، وتخلص من معظم الجماعات التي تعمل خارج نطاق الدولة، كجماعة الإخوان المسلمين وغيرها.

أما عن حرية التعبير والنقد، فقال الرئيس المصري معلقا على نقد الرئيس الفرنسي: "مصر مش حتقوم بالمدونيين".

لا يرى الرئيس المصري المقالات والمدونات إلا "كلاما فاضيا" لا يبني دولا ويعده تشكيكا وتنمرا وخصوصا من أعداء مصر، والإسلاميين، أو من العديد من الصحافيين الغربيين الذين يعادون النظام منذ يومه الأول.

في الوقت نفسه، ومنذ عام 2013، اختار المواطن المصري العادي الصبر خيارا استراتيجيا، لأنه يعلم علم اليقين أن خياراته محدودة، فهو لا يريد أن يسقط النظام ويستبدله بالخراب وانهيار الدولة، ولا يريد عودة الإخوان إلى لحكم، كما أنه لا يثق في معظم السياسيين المصريين، وخصوصا من ترك البلاد منهم.

ولكن... للصبر حدود!

في يوم ما، عاجلا أو أجلا قد يكفر المواطن بمبدأ الصبر!

من الحكمة أن ينصت الرئيس المصري لكلام نظيره الفرنسي

على عكس ما تكتبه بعض التقارير الغربية، يقدر معظم المصريون التطور الاقتصادي الذي يحدث في بلادهم الآن ويحلمون بدولة قوية ومستقرة. لكنهم في الوقت نفسه، يئنون من غلاء الأسعار وارتفاع تكلفة المعيشة، وشبه انعدام الحياة السياسية.

ربما يكون الرئيس الفرنسي هو الأنجح دوليا في التواصل مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي. لم يلغ ماكرون زيارته إلى مصر كما طلب منه البعض، بل تعهد بالكثير من الاستثمارات فيها، وهو ما يحتاجه الاقتصاد المصري. ولكن الأهم، أن الرئيس الفرنسي خاطب نظيره المصري باللغة التي يفهمها واستعمل مفردات كالإرهاب والاستقرار، وهي مفردات يفهمها السيسي جيدا. المزيد من هذا التعامل قد يؤدي إلى انفراج في الوضع السياسي في مصر.

اقرأ للكاتبة أيضا: شيخ الأزهر بين السنة النبوية ومذبحة الروضة

ولهذا فمن الحكمة أن ينصت الرئيس المصري لكلام نظيره الفرنسي. فحتى لو كانت ظروف مصر مختلفة عن ظروف المجتمعات الغربية ولكن طبيعة البشر واحدة سواء في الشرق أو الغرب.

طالب الرئيس المصري أن يرى الغرب المجتمع المصري بعيون مصرية وليس بعيون غربية.

ولكن الاختلاف بين النظرة المصرية والغربية ليس كبيرا كما يعتقد. فكما قال الرئيس الفرنسي إن فرنسا سمحت لذوي السترات الصفراء بالتظاهر ولكن اعتقلت المخربين منهم. نفس المعادلة يمكن أن تطبق في مصر، بتوسيع الحق في التعبير وإنعاش الحياه السياسية ولكن بدون تخريب أو هدم. أو كما يقول المثل المصري: "ما تفتحهاش عالبحري وما تقفلهاش بالضبة والمفتاح" (لا تفتحها في المطلق ولا تغلقها بالقفل والمفتاح". فهل هذا طلب كبير؟

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
XS
SM
MD
LG