Accessibility links

بين تمويل حزب الله ودعم الأسد.. هل تتحول سوريا بالفعل إلى "فيتنام خاصة بإيران"؟


لافتات عند مدخل خان شيخون في إدلب السورية - 24 أغسطس 2019

خلال الأسبوع الماضي، حذر وزير الدفاع الإسرائيلي نيفتالي بينيت إيران من التوسع وتشكيل ما وصفه بـ "حلقة من النار" تحيط بإسرائيل، مهددا طهران من أن إسرائيل يمكنها أن تحول سوريا إلى "فيتنام خاصة بإيران"، وتناقلت وسائل الإعلام في المنطقة هذا العنوان، لكن هل يمكن أن نشهد هذا السيناريو فعلا؟

إن وصف فيتنام، وفقا لصحيفة "جيروزاليم بوست"، يشمل خليطا عسكريا، تنخرط فيه قوة عسكرية عليا في عراك طويل الأمد تشنه فصائل دنيا لتتحول ساحة المعركة إلى مستنقع يمتص موارد الدولة التي تدخلت في النزاع ويترك أثرا كبيرا على سياساتها الداخلية وانتقادا حادا ضد قرارات السلطة في الأوساط الاجتماعية.

وهذا الوصف يعكس التجربة الأميركية والفرنسية في الحرب التي شهدتها جنوب فيتنام والدول المجاورة ما بين عامي 1960 و1976. وكان خبراء قد شبهوا جنوب لبنان بفيتنام لإسرائيل بين 1980 و2000، كما وصفت أفغانستان بفيتنام لروسيا في الثمانينيات. وتستحضر الحرب التي شنتها الولايات المتحدة في أفغانستان أشباح فيتنام أيضا.

وتعتبر فيتنام تجربة مروعة عاشت خلالها البلاد المنخرطة في حروب خارج حدودها صراعا داخليا، منها ما ساهم بتغيير السلطة أو بثورة اجتماعية، ومنها ما قد يؤدي إلى تغيير في النظام الحاكم بأكمله. وبهذا المعنى، فإن للدور الذي تلعبه طهران في سوريا تبعات حقيقية، وتشير الصحيفة إلى أنه ندر في التاريخ أن تدخل إيران في عمليات عسكرية خارجا بالطريقة التي انخرطت بها في سوريا ويحتمل أن طهران حددت لنفسها ساحة "فيتنامية" لأنها وزعت العديد من المصادر والموارد المالية كي تحاول أن تفرض نفوذا في سوريا والعراق واليمن ولبنان.

"أخطبوط" المنطقة

ويعد هذا من أهم المفارقات الخاصة بدور إيران في المنطقة، فمن جهة ترسم طهران صورة الدولة القوية التي تعمل على أنظمة معقدة للصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، مهددة بذلك سلامة الخليج العربي، كما أنها وتستخدم الأساليب الدبلوماسية لكي تتحدث مع طالبان وتضغط الولايات المتحدة للخروج من أفغانستان، إضافة إلى استفزاز إسرائيل بالعمل مع حركة "الجهاد الإسلامي" في قطاع غزة، وإرسال قوات من الحرس الثوري لإطلاق طائرات مسيرة في الجولان.

وفي كل يوم تصبح إيران أشبه بـ "أخطبوط" يمد أذرعه للتوسع في المنطقة، بالأخص مع استهداف الطائرات المسيرة الأميركية والناقلات النفط وإطلاق الميليشيات المدعومة من طهران صواريخ على قواعد عسكرية أميركية في العراق، أما في سوريا ترسل إيران دفاعاتها الجوية وتؤسس قواعد صاروخية وتحفر أنفاقا جديدة في قاعدة "الإمام علي" بالقرب من مدينة البوكمال قرب الحدود العراقية.

وهذه الصورة قد تسببت بوقوع مشاكل داخل إيران نفسها، إذ انتشرت الاحتجاجات للتنديد بأسعار الوقود والوضع الاقتصادي المتردي، في وقت تواصل فيه طهران إنفاق الكثير من الأموال للتدخل في شؤون الدول المجاورة وفرض نفوذها فيها.

وفيما يخص طبيعة التوغل الإيراني في سوريا، تعد طهران حليفة رئيسية لنظام بشار الأسد للحفاظ على دمشق، التي تعد نقطة أساسية لنقل الأسلحة إلى حزب الله، وسعت إيران إلى دعم النظام السوري في قتاله ضد الفصائل المعارضة وعناصر تنظيم داعش، كما حاولت فرض سيطرتها في جنوبي سوريا، وأسست قواعد عبر البلاد وربطتها مع قوات الحرس الثوري الإيراني.

وبحلول عام 2014، صرفت طهران مليارات الدولارات خصصت لدعم دمشق. ووفقا للخارجية الإسرائيلية فإن إيران فقدت حوالي 500 رجل ممن أرسلوا لدعم نظام بشار الأسد بحلول عام 2016، إضافة إلى مقتل عشرة ضباط رفيعي المستوى في القتال الدائر في سوريا، وفقا لما ذكره الجيش الإسرائيلي عبر موقعه الإلكتروني.

وتقول إسرائيل إن إيران كانت تملك أكثر من 2500 عنصر داخل الأراضي السورية، لكن هذا الرقم تضاءل لأقل من ألف رجل بسبب الانتقادات التي نالتها السلطات في إيران، لذا قامت طهران بالاستعانة بالميليشيات الموالية لها من العراق، إضافة إلى مرتزقة من مواليها في باكستان وأفغانستان.

وأشرف على الوحدة الأساسية لإيران في روسيا قاسم سليماني، قائد "فيلق القدس" التابع للحرس الثوري الإيراني، لكن في عام 2016، تم إرسال قوات عسكرية أصغر تابعة للجيش الإيراني، وتشير التقارير إلى أن رواتب القوات المقاتلة في سوريا بلغت حوالي 100 مليون دولار.

وذكر تقرير صادر عن مكتب المفتش العام في الولايات المتحدة أن إيران وظفت حوالي ثلاثة آلاف رجل من قوات الحرس الثوري في سوريا، إضافة إلى 10 آلاف آخرين من عناصر الميليشيات الموالية لطهران.

سوريا.. هل هي "فيتنام إيران"؟

أما عند المقارنة بين سيناريو الحرب الفيتنامية والتدخل الإيراني في سوريا، فإن إيران ركزت كما كبيرا من مصادرها المالية والميليشيات الموالية لها في سوريا، لكنها لم تقحم قواتها مباشرة في النزاع، مقارنة مع الولايات المتحدة التي أشركت حوالي 500 ألف جندي في خلال الحرب الفيتنامية التي سقط فيها حوالي 60 ألف أميركي ما بين 1960 و1973.

لكن إيران صرفت الكثير من الأموال في مشاركتها بالحرب السورية، وتقدر الأموال المصروفة ما بين 15 مليارا و30 مليار دولار، تتوزع هذه التكلفة بين مئات الدولارات شهريا لتمويل المرتزقة من باكستان وأفغانستان (المعروفون باسم "لواء فاطميون")، ويشير تقرير إلى أن أكثر من 400 مركبة مدرعة أرسلتها طهران إلى سوريا، إضافة إلى النفط والصواريخ، كما رفعت إيران سقف الدين رفعته ليبلغ ستة مليارات دولار، عدا عن مئات الملايين من الدولارات المصروفة على حزب الله بعضها تخص عمليات داخل سوريا.

وما تجمع عليه التقارير هو أن حجم الإنفاق الإيراني ساهم في انتقادات حادة ضد السلطات في البلاد، إذ عبر المواطنون في إيران عن استيائهم علنا منذ عام 2016 ضد قرارات السلطات، بالأخص في خضم الأزمة الاقتصادية الناجمة عن ضغط العقوبات التي فرضتها واشنطن ضد طهران بسبب نشاطاتها النووية.

والسؤال الأكبر هنا يكمن في احتمالية أن تصبح سوريا فعلا أرضا نشهد فيها "فيتنام إيرانية"، وتشير الصحيفة إلى أن هذا الأمر غير وارد بعد، بالأخص وأن طهران تحرص على عدم استخدام العديد من جنودها في ساحة القتال السورية، إضافة إلى عملها وراء الكواليس، لكن لا شك أن التأثير الأكبر العائد على الدولة الإيرانية يكمن في قراراتها المادية في سوريا، والتي يتوقع أن تملك أثرا داخل حدودها على المدى الطويل.

وحذرت الصحيفة من أن إيران تنجح في الخفاء بمد نفوذها والتشعب على مدى عقود، مشيرة إلى أن هذا الأمر لا يعكس ما حصل بفيتنام بدفع قوة عسكرية كبيرة لإحداث تأثير لحظي، وأشارت الصحيفة إلى أن الطريقة الوحيدة التي قد تتحول فيه سوريا إلى ساحة فيتنام لإيران، إن أثبت الشعب الإيراني رفضه القاطع لتوسع السلطات في الشرق الأوسط على حساب الأولويات الاقتصادية داخل البلاد.

المصدر: جيروزاليم بوست

تعليقات فيسبوك

XS
SM
MD
LG