Accessibility links

تبا لك أنا من لبنان


ما بقي من قطارات لبنان.. محطة رياق في البقاع

فارس خشّان/

ينتمي لبنان إلى تلك المجموعة من الدول التي لا يكاد يغيب فيها الحديث عن وجوب مكافحة الفساد.

وحتى تاريخه، لم ينتج الحديث المكرّر المعاد عن مكافحة الفساد سوى واقعة واحدة لا غير، وهو ثبوت وجود الفساد في لبنان.

ولكن اللافت للانتباه أنه في حمأة ثبوت هذه الحقيقة المرّة، لم يضع أي من مطلقي شعارات التنظيف والتطهير يده على فاسد حقيقي واحد.

وفي حال انفضح أمر فاسد، بالصدفة، تكتشف بذهول أن الفعل يبدأ به وينتهي عنده.

وعلى سبيل المثال لا الحصر، انفضح أمر ضابط متقاعد يتقاضى مبالغ مالية من مواطنين لقاء إدخال أبنائهم إلى المدرسة الحربية، إلا أنه قبل إلقاء القبض عليه فرّ إلى الخارج، فأقفل الملف هنا.

لبنان، في حال قرر تجاوز الأزمتين المالية والاقتصادية عليه أن يجد حلا لموضوع سلاح "حزب الله"

وبالتدقيق يتبيّن أن هذا الضابط السابق لا علاقة له لا بالمدرسة الحربية ولا بقيادة الجيش، وتاليا فإن قدرته على إنجاح مقاصد من ينقده بالمال يستحيل أن يتحقق إلا إذا كان يعتمد على شبكة لها الكلمة الفصل في مركز القرار.

ولكنّ مكافحي الفساد لم يجدوا حكمة في التعمّق.

وهذا نموذج ثان...

من النادر أن تشهد دول أعراسا بضخامة تلك التي يعرفها لبنان.

ولكن أضخم هذه الأعراس تبقى تلك التي يقيمها كبار الموظفين الحاليين والسابقين لبناتهم وأبنائهم.

قضاة وضباط حاليون وسابقون ومسؤولون ماليون فعلوا ذلك.

الأعراس التي أقاموها، في بلد يئن جوعا وحرمانا، كلفت ثروات حقيقية.

تكفي مراجعة ما يتقاضاه هؤلاء من رواتب وما ينفقوه على حاجاتهم المعيشية، حتى يجد السؤال الذي ضجّ في رؤوس الجميع، مبرراته: "من أين لهؤلاء كل هذا المال؟".

لنأخذ مثلا ثالثا عن وجه آخر من وجوه الفساد.

قبل أقل من شهر، نشرت صحيفة لبنانية محاضر لقاءات جمعت مسؤولين لبنانيين مع نظراء أميركيين لهم في واشنطن.

وتبيّن أن المحاضر المنشورة هي صحيحة وأعدّتها السفارة اللبنانية في واشنطن وأرسلتها إلى وزارة الخارجية.

وثارت ثائرة المعنيين بهذه المحاضر، ولكن سرعان ما تمّ إخماد هذه القضية، من دون أن يعرف اللبنانيون من سرّب ولماذا سرّب ومن وقف وراء ذلك وماذا دفع أو وعد؟

ولنأخذ نموذجا أخيرا عن وجه رابع من الفساد في لبنان.

رئيس الحزب الاشتراكي وليد جنبلاط أعاد، في الآونة الأخيرة، إلى النقاش السياسي موضوع مزارع شبعا التي تحتلها إسرائيل.

أضخم الأعراس في لبنان يقيمها كبار الموظفين الحاليين والسابقين لبناتهم وأبنائهم

بالنسبة لوليد جنبلاط هذه المزارع غير لبنانية، بل هي سورية، وتاليا فإن "حزب الله" حاليا يتخذها حجة لاستمرار تسلحه وادعاء أنه مقاومة لتحرير ما تبقى محتلا من الأراضي اللبنانية.

قبل وليد جنبلاط، وعند انسحاب إسرائيل من لبنان في العام 2000، أطل العماد ميشال عون الذي هو رئيس الجمهورية حاليا، في مقابلات تلفزيونية عدة، وجزم بأن هذه المزارع ليست لبنانية ولكن سوريا تتوسلها ذريعة لتبقي احتلالها للبنان و"حزب الله" ليبقي على سلاحه.

وعندما كان رئيسا للحكومة، أطل الرئيس فؤاد السنيورة في لقاء علني وقال إنه اقترح على الأمم المتحدة أن تضع مزارع شبعا تحت عهدتها، إلى أن يبت كل من لبنان وسوريا النزاع حول ملكيتها، ولكن وزير الخارجية الإيراني زاره ورفض ذلك، فهو يريدها أن تبقى تحت الاحتلال الإسرائيلي.

اللافت أنه مع إعادة جنبلاط طرح هذا الموضوع، انبرى فريق العماد ميشال عون، لا غير، للقول بلبنانية مزارع شبعا، فيما صمتت السلطة على هذا الموضوع في وقت تولّى "حزب الله" وكل من هو مرتبط به حملة تخوينية عنيفة، حملت إشارات التهديد بالتصفية الجسدية، ضد جنبلاط.

ومعلوم أنّ لبنان، في حال قرر تجاوز الأزمتين المالية والاقتصادية اللتين تضربانه بقوة، عليه أن يجد حلا لموضوع سلاح "حزب الله"، بالنظر إلى كلفته المرتفعة على العافية اللبنانية، إذ يبقي البلاد عرضة لتهديدات بالحرب ويقحمه في خلافات مع الدول الصديقة، بسبب ارتمائه في أحضان الحرس الثوري الإيراني، ويعرضه لعقوبات قاسية من دول فائقة القوة كالولايات المتحدة الأميركية.

في النماذج الأربعة التي سبق عرضها ثمة قاسم مشترك، هو الربحية.

والربحية تبدأ بالمال وتمر بالمنصب الإداري وتصل إلى الهناء السلطوي.

أمام هذه الوقائع، من تراه قادرا على مكافحة الفساد المحكى عنه، ليلا نهارا، سرا وجهار؟

ثمة حل متبع في العالم، وهو غير معتمد في لبنان.

إنّه المساءلة.

ولكن من يسائل من؟

القضاة كما المديرون العامون كما الضباط لهم مرجعياتهم السياسية التي تحميهم طالما هم يؤدون الخدمات التي تحتاجها.

في العام 2000، جزم عون بأن مزارع شبعا ليست لبنانية ولكن سوريا تتوسلها ذريعة لتبقي احتلالها للبنان و"حزب الله" ليبقي على سلاحه

وفي هذا السياق، فإن التشكيلات القضائية الأخيرة بقيت عالقة بسبب إصرار مرجعية سياسية على تعيين قاض اختارته هي في منصب تحقيقي.

وقد مرّ هذا الأمر، مرور الكرام، على الرغم من أن التلفزيونات كادت تنقل هذا الخلاف مباشرة على الهواء.

القاضي الذي تُناط به، من حيث المبدأ، عملية مكافحة الفساد يعتري تعيينه الفساد!

أما وسائل الإعلام اللبنانية فلها مرجعياتها المالية والإدارية والسياسية، وتاليا هي غير قادرة على تعبئة الرأي العام ضد الشخصيات السياسية التي " تدوزن" مواقفها من مواضيع جوهرية، مثل مزارع شبعا، على إيقاع مصالحها السلطوية.

وصناديق الاقتراع ليست المرجعية الصالحة لخلق طبقة إصلاحية، لأنّ القوانين التي ترعى العمليات الانتخابية مصابة بفساد طائفي وإنفاقي وسلطوي ومالي ودعائي.

قبل أشهر قليلة، وفي إحدى العواصم الأوروبية اقتحم لص منزل شخصية لبنانية وسرق الخزنة التي فيها. حضرت الشرطة للتحقيق، فأصيب المسؤول فيها بالذهول. كان يقارن بين المنزل الضخم وبين صاحبه ويكاد لا يصدّق ما يرى.

سأل الشرطي المسروقة خزنته:

- هل هذا منزلك؟

أجابه جازما:

- نعم.

علّق الشرطي.

- ولكن من أين لك هذا وأنت لا تزال في ريعان العمر؟

ارتبك اللبناني، وأجاب بعد تردد:

- أنا نسيب لصيق بالمسؤول اللبناني...

القاضي الذي تُناط به، من حيث المبدأ، عملية مكافحة الفساد يعتري تعيينه الفساد!

ضحك الشرطي، وعلّق:

- هذا ليس جوابا يا سيّدي، فهل يُعقل مثلا أن نطرح سؤالا مماثلا على شخص من بلادي فيجيبني أنه نسيب لصيق برئيس جمهوريتنا...

لا تقول الرواية ماذا أجاب المسروقة خرنته الشرطي الأوروبي، لكن أفترض أنه قال له في سرّه:

- تبّا لك أنا من لبنان. أنت لا. أنا من بلد إذا كتب أحدهم عن ملف فساد أو نطق بشأنه، أحيل على محكمة المطبوعات، حيث يُدان لأنه نطق، ولو كان في جعبته ألف وثيقة ودليل... تبّا لك أنا من لبنان. أنت لا. أنا من بلد إذا تجرأ شرطي على طرح الأسئلة التي تطرحها عليّ، لطرد طردا أو أصبح يراقب السير في أبعد زاوية مهملة في بلادي.

اقرأ للكاتب أيضا: قاطعو الرؤوس!

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG