Accessibility links

تظاهرات العراق: حسابات الربح والخسارة


ربحت التظاهرات ـ بتضحيات شبابها ـ مكسبا تمثَّل بتعديل قانون الانتخابات، وتغيير المفوضية العليا للانتخابات، واستقالة الحكومة، والوعود بانتخابات مبكّرة

إياد العنبر/

منذ نهاية الصيف حتى مطلع الربيع، يرابط المتظاهرون في بغداد والمحافظات الوسطى والجنوبية وهم يتحدَّون حملات القتل والاعتقال والخطف والتهديد من عناوين عدّة: قوات أمنية، طرف ثالث، ميليشيات! وكانت النتيجة مئات من الشهداء والآلاف من الجرحى والعشرات من المختطفين.

رغم ذلك قدّم الشباب المرابط في ساحات التظاهر صورا رائعة من الصمود بمواجهة البطش والعنف، وإصرارا على التمسك بالمطالب الداعية إلى تحقيق إصلاح نظام سياسي الذي كان يتداعى أمام صفقات الفساد وهيمنة طبقة سياسية لم تقدم للعراق سوى الفشل والفساد والموت المجاني وهدر الثروات.

قد أكون متحيزا للتظاهرات في العراق، واعتبرها قد تجاوزت كثيرا تظاهرات ما وصف بالربيع العربي. لكني أعتقد أن هناك مجموعة من المبررات يمكن أن تسند ادعائي، أولها: في مجتمع تقسمه الطائفية السياسية، كانت جغرافية التظاهرات تضمّ الأغلبية الشيعية، لتؤشر احتجاجا على سياسات نظام حكم تهيمن عليه أغلبية سياسية شيعية، وبذلك كان شعار المتظاهرين "نريد وطنا" ليكون صرخة تمرد على العناوين السياسية التي حكمت باسم الطائفة، ولكن لم تبنِ دولة ولا وطن.

عبّرت التظاهرات عن إعادة الروح للهوية الوطنية التي استلبتها الأحزاب الطائفية والقوميّة

أما الادعاء الثاني، أن جماهير تظاهرات الربيع العربي خرجت ضد أنظمة شمولية ودكتاتورية ورفعت شعار إسقاط النظام، ومن ثم خضعت بعض الأنظمة لإرادة الشعب وجوبهت بالبطش والعنف في أنظمة أخرى، وفي العراق يفترض أن النظام السياسي عنوانه ديمقراطي، لكن الحكومة والقوى السياسية الداعمة لها نكلت بالمتظاهرين قتلا وخطفا وترهيبا وتخوينا.

والمفارقة هنا، أن من يحكم باسم الديمقراطية كان أول من ارتد عن الالتزام بالتعامل الديمقراطي مع التظاهرات، في قبال متظاهرين يطالبون بتصحيح مسار النظام الديمقراطي من خلال تعديل قانون الانتخابات بما يضمن عدالة التنافس والمشاركة، وإدارة مستقلة ونزيهة للعملية الانتخابية، واستقالة حكومة استباحت دماء المتظاهرين، والذهاب إلى انتخابات مبكرة.

وبجردة حساب لما حققته التظاهرات، نجد الكثيرَ مِن التغيرات في علاقة التعاطي بين السلطة والمجتمع، إذ لطالما كان الرهان على أن تصحيح مسار التحوّل الديمقراطي في العراق مرتهن إلى الأجيال الشبابية بعد تقادم الممارسة بالعملية الديمقراطية، حتى وإن كانت هذه الممارسة تنتقد لأنها شكليات فقط. ولذلك نجد أن التظاهرات أشَّرت نقطة مهمة تسلّطت الأضواء عليها، ألا وهي ضرورة التحوّل بالثقافة السياسية من الانفعالية إلى التفاعلية. ولعلَّ هذا التحوّل يُعد المكسب الرئيس في تظاهرات أكتوبر 2019.

فالطبقة السياسية ارتكنت إلى الانتخابات كمدخل لشرعية النظام، ولم تعتبر تدنّي مستوى المشاركة الشعبية فيها مؤشرا على ضعف ثقة الجمهور بالعملية الانتخابية، ومن ثمَّ ضعف ثقة الشعب بالمنظومة السياسية الحاكمة والمتنفذة في السياسات العامّة. لكنَّ الجمهور وجد في التحشيد للتظاهرات وسيلة احتجاجية ضدّ طبقة سياسية أتت إلى السلطة عن طريق نظام انتخابي صُمم خصيصا لضمان بقائها في الحكم، وهيمنتها على مؤسسات الدولة.

ورغم أن انتخابات مايو 2018 قد غيّرت في خريطة القوى السياسية وخسارة قوائم الشخصيات التي هيمنت على الحكم منذ 2003، لكن القوى الصاعدة لم تكن تملك رؤية وإرادة لكسر دائرة التوافقات والصفقات بين الإقطاعيات السياسية.

ومن ثم، ضيّعت ما اعتبرته الفرصة الأخيرة لتصحيح مسار العملية السياسية بتشكيل حكومة عادل عبد المهدي وإصرارها على بقائها رغم الفشل وسوء التعامل مع التظاهرات.

الدور المتميز في ديمومة التظاهرات كان للمشاركة الطلابية، إذ أنها أعادت للذاكرة الحضور الطلابي في تاريخ حركات الاحتجاج في منتصف القرن الماضي
الدور المتميز في ديمومة التظاهرات كان للمشاركة الطلابية، إذ أنها أعادت للذاكرة الحضور الطلابي في تاريخ حركات الاحتجاج في منتصف القرن الماضي

ورغم المماطلة والتسويف في الاستجابة لمطالب المتظاهرين، إلا أن في جميع الجولات كانت ساحات التظاهر هي الرابحة. حتى أصبحت العلاقة بين المتظاهرين من جهة، وحكومة عبد المهدي والقوى الداعمة لها من جهة أخرى، قائمة على أساس صراع الإرادات. فالسلطة والطبقة السياسية لم تتعاطَ مع التظاهرات بمنطق الدولة، ولذلك جرّبت جميع الأساليب القمعية وتشويه صورة التظاهرات والمتظاهرين التي تعتقد أنها قد تؤدي إلى إضعافها أو نهايتها، لكنها لم تفكر بطرق الاستجابة لمطالبِ المتظاهرين.

وبالنتيجة ربحت التظاهرات ـ بتضحيات شبابها ـ مكسبا تمثَّل بتعديل قانون الانتخابات، وتغيير المفوضية العليا للانتخابات، واستقالة الحكومة، والوعود بانتخابات مبكّرة. وجميعها تعبّر عن كسر إرادة الطبقة السياسية التي تجاهلت مطالب الشارع في تصحيح مدخلات العملية السياسية لسنوات مضت، وكانت تعمل على أن تشريع وتنفيذ القانون بما يخدم بقائها بالحُكم وليس خدمة للمصلحة العامة.

تظاهرات العراق عبرت عن حيوية المجتمع في قبال جمود تفكير الطبقة السياسية وعجز النظام السياسي. وهنا تكمن مشكلة غياب واضح وصريح لنماذج القيادة السياسية القادرة على التعاطي مع الأزمات والتحديات التي تواجه الدولة، فجميع القيادات السياسية وجدت في نظرية المؤامرة مهربا من تحملها مسؤولية تراكم الفشل وسوء الإدارة، وبدلا عن رسم الخطط والاستراتيجيات القادرة على امتصاص النقمة الشعبية وترميم هياكل الثقة بين المجتمع والسلطة، لجأت إلى الخطابة السياسية والتسقيط السياسي.

الدور المتميز في ديمومة التظاهرات كان للمشاركة الطلابية

ولذلك، عبّرت تظاهرات العراق عن إعادة الروح للهوية الوطنية التي استلبتها الأحزاب الطائفية والقوميّة بعنوان المكوّناتية؛ ومن هنا تميّزت التظاهرات بإعادة حضور عَلَمَ العراق كرمز وطني، وعلوّ الشعارات والهتافات باسمِ الوطن، وتقزيم لكل العناوين والرمزيات للانتماءات الثانوية، وعبّرت عن قدرة الجماهير على التحرك والمطالبة بالحقوق، بمبادرة ذاتية وليس استجابة لرمزية زعامة دينية أو سياسية. ولعل الربح الأكبر في تظاهرات العراق، ونقطة تميّزها عن التظاهرات السابقة، المشاركة الواسعة لمؤسسات المجتمع المدني، بعد أن غُيّبت طويلا عن ممارسة دورها الفاعل في المجال العام، ولعل نقابة المحامين ونقابة المعلمين كانت في صدارة المؤسسات الفاعلة في بدايات الاحتجاجات وإدامة زخمها.

لكن الدور المتميز في ديمومة التظاهرات كان للمشاركة الطلابية، إذ أنها أعادت للذاكرة الحضور الطلابي في تاريخ حركات الاحتجاج في منتصف القرن الماضي. فهذه الشريحة باتت هي الرهان على دعم التظاهرات بالحشود، بعد كل موجة من العنف والبطش على يد الحكومة أو القوى الميليشياوية. ولعلَّ حضورها الفاعل والمؤثر كان واضحا بعد انسحاب أتباع السيد مقتدى الصدر، ومن ثم أسهم في تغيير موازين القوى لصالح التظاهرات.

وبهذا لا عزاء لخسارة الطبقة السياسية والزعامات التي كانت تسعى إلى توظيف التظاهرات لزيادة رصيدها الشعبي، لأنها ضيّعت فرصة حقيقة لكي تترك العمل بمنطق المافيات السياسية بالركون إِلى مطالب جمهورها وكسب ثقته بالوقوف إلى جانب مطالبته باستعادة وطنه، وتحقق الانتقال إلى العمل السياسي المنظَّم في إطار الدولة التي تحمي وتحقق مصلحة الجميع.

اقرأ للكاتب أيضا: العراق وخيارات الطبقة السياسية: اللادولة أو اللادولة

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG