Accessibility links

تعدد الإنسان الواحد


لقطة من فيديو أشواق وهي تواجه مغتصبها الداعشي القيادي السابق بالتنظيم أبو همام الشرعي

مالك العثامنة/

كان موجعا مشاهدة فيديو أشواق حجي، وهي الأيزيدية الفاضلة تواجه مغتصبها المجرم الداعشي بعد أن انقلبت الآية وتم أسره.

كان موجعا، لكنه كان إلى حد ما مرضيا أن نواجه الضحية بجلادها الذي تجرد من إنسانيته.

فيديو أشواق، واحد من فيديوهات عديدة "ومحدودة أيضا" لضحايا أيزيديات تعرضن للسبي والاضطهاد والاستعباد والاغتصاب، وتلك الفيديوهات حالة توثيق ضرورية لواحدة من أبشع حملات الإبادة في العصر الحديث لأقلية "قومية ـ دينية" عاشت زمنا طويلا في معتزلها الجغرافي، وعانت كثيرا من حملات إبادة مشابهة على أسس دينية.

حين قرأت عن الأيزيدية، ولم نكن نعرف عنهم شيئا قبل مجازر التوحش الداعشي، قرأت أن فحوص الجينات الوراثية تعيدهم إلى أصولهم السريانية، وهذا وحده كاف لدحض كل نظريات النسبة الأخرى التي ظهرت في كتب المؤرخين الأوائل والمتأخرين، وهذا أيضا يشير إلى عراقة تاريخية موغلة في القدم على تلك الجغرافيا التي استقروا بها.

من المهم أن تتوقف حملات عرض الأيزيديات كضحايا والبدء بتقديمهن كحالات شجاعة

هذه العزلة التاريخية والجغرافية الطويلة جدا، والتي تقوقع فيها الأيزيديون بجيوب جغرافية معزولة ووعرة وصعبة الوصول، انعكست أيضا على عاداتهم وتقاليدهم وثقافتهم التي لم تتطور كثيرا تحت وطأة القلق المستمر والرعب الدائم من الخطار الخارجية، وهي موجودة حتى اليوم.

المفارقة الواقعية تكمن في أن سلاح العزلة الذي انتهجه الأيزيديون كوسيلة دفاع عن حق وجودهم (ومثلهم مثل أقليات أخرى مضطهدة في هذا الشرق البائس) لن يحقق لهم الاستمرار، وربما الانفتاح على العالم هو الذي سيحقق لتلك الشعوب حقها في الوجود بل وتقرير مصيرها بنفسها.

المشكلة لا تنتهي عند تحرير الأيزيديات، وعودة تلك الشعوب العريقة إلى عزلتها من جديد، فهناك عالم أصبح قرية صغيرة، وتلك الشعوب لها الحق "أخيرا" في أن تكون جزءا من الإنسانية في قريتها العالمية.

♦♦♦

فيديو آخر كانت قناة الحرة قد أعدته ضمن كبسولات إخبارية مصورة، عن أيزيدية فاضلة اسمها إيمان عباس، كان في حديثها نقطتين لافتتين: أنها أشارت إلى سيدات ضحايا عرب كشريكات في المأساة يجب الوقوف عندهن ومعهن، والنقطة الأخرى كانت في طموحها بأن تدرس القانون لتدافع عن حق الأيزيديات في المجتمع الدولي.

الإشارة الأولى لافتة، ولا تحمل مفهوما متسامحا خاليا من الكراهية وحسب، بل مبادرة واضحة للخروج من العزلة والانفتاح على الآخر.

الإشارة الثانية، هي الأكثر أهمية، فحق الأيزيديات لا يتوقف عند جرائم "داعش"، وما بعد ذلك من تأهيل، بل يتمدد أكثر من ذلك بحكم الطبيعة نحو حقوق الأيزيديات، وكل نساء المشرق البائس في الحرية من الانغلاق، من العادات المغلقة، من اضطهاد المجتمعات الذكورية.

مأساة الأيزيديات، مثل كل مآسي النساء اللواتي تعرضن للأسر والاغتصاب من قبل مجرمي "داعش"، لها تداعياتها المتفرعة والتي كشفت جرائم "داعش" عنها، مثل حقوق الأطفال المولودين من سنوات الأسر، وحقوق الأمهات وقد صاروا ضحايا مرتين، مرة في سنوات التوحش المتطرف، ومرة ثانية بحرمانهن من حق الأمومة مع أطفالهن، وهذا واضح لا التباس فيه من خلال تصريحات مراجع دينية أيزيدية بعدم قبول أطفال هؤلاء المغتصبات.

المسؤولية لا تقع على عاتق تلك المجتمعات وحسب، بل على العالم كله

تلك جريمة لا تقل توحشا، وهي بحد ذاتها تحمل في ثناياها مشاريع أزمات لاحقة قد تنفجر في وجه تلك المجتمعات مع الزمن.

المسؤولية لا تقع على عاتق تلك المجتمعات وحسب، بل على العالم كله، هذا العالم الذي يدعي توهما أنه أنهى الأزمة فقط بضرب جيوب مليشيات التطرف المسلحة، لكنه لم يقترب ولو إلى حدود التماس نحو جيوب الفكر المتطرف والعقلية المجتمعية المتحجرة، وهي قد تلبس لبوس أي دين أو مذهب في شرق متلاطم الأديان.

ومن المهم أن تتوقف حملات عرض الأيزيديات كضحايا والبدء بتقديمهن كنساء شجاعات وقد انبرين للحديث عن أبشع ما يمكن أن يتعرض له إنسان، والبدء بتقديم المساعدة لهن للخروج من كل هذا البؤس الجغرافي وقد أثبتن حقهن في الوجود وبشجاعة.

♦♦♦

منذ هاجرت، وأنا تربطني علاقات متجددة يوميا، وتتجذر بقوة مع أناس من مختلف العرقيات والأديان والمذاهب والطوائف.

وتترسخ قناعتي كل يوم وأنا بتلك النعمة من العلاقات، أن الإنسان متعدد، وهذا ما يجعل الإنسانية مشتركا وحيدا واقعيا وحقيقيا لا التباسات وهمية فيه.

اقرأ للكاتب أيضا: صحافة في عالم "الصح آفة"

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG