Accessibility links

تعميمات ومغالطات في تناول الشأن الكردي السوري (2)


احتفالا في عيد النوروز في مدينة القامشلي

بقلم دارا عبدالله/

في الجزء الأول من هذا المقال، عرضت لأربعة من الآراء النمطية والمغالطات المنتشرة في كثير من المقالات والأبحاث والأوراق التي تتناول الشأن الكردي السوري، لقلة الكتب والأبحاث التي تتناول البنية الاجتماعية والسياسية للشأن الكردي عموما، والشأن الكردي السوري خصوصا.

أكمل في هذا النص تفنيد بعض الادعاءات، وشرح بعض المسائل المتعلقة بالمسألة الكردية في الشمال السوري.

عرب الغمر

ثمة مسألة إشكالية، يتم ربطها دوما بالشأن الكردي، وتتحول إلى قضية نقاش كردية داخلية، في حين أنها مسألة وطنية سورية كبرى؛ وهي مسألة العرب الغمر. إذ تعتبر أكثر القضايا تشابكا وتعقيدا في الشمال السوري، ولم تأخذ حقها في التحليل والنقاش والمتابعة الجدية.

تُركت عفرين أمام "غصن الزيتون"، لأن تركيا حليف أقوى، وقادرة على تقديم خدمات أكثر للمجتمع الدولي

العرب الغمر، هم فلاحون عرب من ريف مدينة الرقة، غمرت أراضيهم بمياه سد الفرات. أقرت السلطة السورية، وقتها، نقلهم إلى طول الشريط الحدودي من زاوية الحدود السورية ـ العراقية في الشرق، إلى مدينة رأس العين ـ سري كانيي في الغرب في سبعينيات القرن الماضي.

وكان عددهم آنذاك حوالي 3000 أسرة عربية، (وهو رقم تقديري إذ لا توجد أرقام دقيقة). الأراضي التي سكن فيها العرب الغمر، كانت في غالبيتها، أراضي فلاحين أكراد، أخذتها منهم السلطة السورية ضمن قانون الإصلاح الزراعي، والذي كان يهدف، نظريا، إلى "محاربة الإقطاع" و"تحقيق الاشتراكية".

اقرأ للكاتب أيضا: تعميمات ومغالطات في تناول الشأن الكردي السوري (1)

باعتقادي، لم يكن مشروع السلطة السورية إنسانيا بحتا، أو اشتراكيا ثوريا، بل كان له أهداف وأبعاد سياسية؛ منها، كسر الكتلة الكردية السورية، ومحاولة منع تشكيل غالبية قومية كردية ثقيلة في المنطقة، وفصل أكراد تركيا عن أكراد سورية. كما كانت جزءا من الحرب السياسية والثقافية الشاملة التي كانت تشنها النخبة البعثية على الأكراد.

في الحقيقة، عرب الغمر، هم أكثر الأقليات أقلية في سورية، لا أقلية بعدها أقلية. نظرة احتقار وعدائية من قبل أكراد وجزء غير قليل من عرب المنطقة الأصليين (وهذا خطأ شائع أيضا في وضع عرب الغمر الوافدين وعرب الشمال الأصليين في نسق سياسي واحد). فهم "مستوطنون" و"محتلون". انطوت هذه الجماعة على نفسها، وصارت لا تتزاوج أو تتصاهر سوى من داخلها. وأصبح لهذه الجماعة، فعلا، عالم داخلي مهمش خاص بها داخل منطقة الجزيرة المهمشة أصلا، وكأنها طائفة دينيّة غامضة.

مُهمَشون يهمِّشون مُهمَشِين. يقَدر عدد سكان العرب الغمر الآن بمئات الآلاف. أجيال تربت وكبرت في تلك المناطق من عرب الغمر، واختلط عرقهم بملح تلك الأرض، وصارت لهم ذكريات وأفراح وأتراح وأعراس ومقابر.

ثمة خطاب عربي ينفي تماما البعد السياسي عن مشروع السلطة البعثية آنذاك، وهذا باعتقادي، خطأ. وثمة خطاب كردي "يشرر" هذه الجماعة بشكل مطلق، ويصفها بأنها "محتلة" و"مستوطنة"، وكأن الأشجار ليست أقدم من الأكراد والعرب في كل المنطقة.

أما الحديث عن ملكية الأرض التاريخية لجماعة ما، فصار موضوعا للسخرية والضحك فقط. الخطاب الكردي المضاد للغمر، يشبه تماما الخطاب اليميني المعادي للاجئين في الغرب. هؤلاء الناس المساكين لم يختاروا أن يعيشوا هنا، وهم يدفعون ثمن مشروع سياسي بعثي لعب بوساخة على تناقضات المنطقة. أن تكون فردا من عرب الغمر في القامشلي، كأن تكون لاجئا في الغرب؛ غُمِرت أراضيهم بمياه سد الفرات، وغمرت سورية بإجرام الأسد. عرب الغمر صاروا مستقبل السوريين.

أميركا حليفة الأكراد

هي من أشد المغالطات والتعميمات المنتشرة في الأوساط الثقافية والسياسية العربية والكردية أيضا. يدحض هذا الادعاء درسان قاسيان مريران من التاريخ القريب.

الأول، هو درس عفرين القاسي، لما غض المجتمع الدولي، ومن بينه أميركا، النظر عن التدخل التركي في عفرين، من أجل "القضاء على حزب العمال الكردستاني"، كما ادعت حكومة حزب العدالة والتنمية، في حين أن مشكلة الدولة التركية العميقة هي مع الوعي القومي الذاتي الكردي بكل أشكاله، وليست فقط في صراع عسكري مع حزب العمال الكردستاني فقط.

على العرب أيضا أن يعرفوا بأن رجب طيب أردوغان لا يقيم وزنا بقشة لكل الثورة السورية

والثاني، هو درس كردستان العراق، لما صوت الشعب الكردي في الإقليم بنسبة غالبية ساحقة مع الاستفتاء، لكن العمق الإيراني السياسي والعسكري والميليشاوي في العراق، أحبط هذه المحاولة بقوة السلاح.

على الأكراد أن يتعلموا من درس عفرين القاسي، بأن الولايات المتحدة الأميركية ليست حليفا سياسيا مطلقا، وهي ترى الجماعات الكردية المسلحة بكل أشكالها، فقط ميليشيات في أيديولوجيتها لـ"محاربة الإرهاب"، والمشروع الكردي التحرري الطويل الأمد، ليس على رأس أولويات الإدارة الأميركية.

اقرأ للكاتب أيضا: تركيا.. من الإدارة إلى الشخص

تُركت عفرين أمام "غصن الزيتون"، لأن تركيا حليف أقوى، وقادرة على تقديم خدمات أكثر للمجتمع الدولي.

وعلى العرب أن يعرفوا أيضا بأن رجب طيب أردوغان لا يقيم وزنا بقشة لكل الثورة السورية. ساوم الأتراك النظام السوري والروس في مسألة الغوطة على حساب عفرين. تنازلوا عن قسم من إدلب قبلها للنظام السوري في صفقة تهم أولا الأمن القومي التركي الذي ليس له أي علاقة لا بمصالح السوريين ولا أهدافهم ولا دماء أكثر من نصف مليون إنسان. صور نزوح المدنيين من عفرين والغوطة، هي درس قاس يجب أن يكون مشتركا. لا بديل للأكراد والعرب سوى العيش المشترك والتفاهم على صيغة وطنية سورية. غير ذلك هو كلام مضيعة للوقت، وإزهاق لدماء المدنيين.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG