Accessibility links

تغيير الثابت وثبات التغيير


لقد كانت المشاريع الفكرية العربية منذ أواخر القرن التاسع عشر، وإلى اليوم، تتغيّا التغيير الذي هو شرط التقدم

محمد المحمود/

لم تتقدم الإنسانية عبر تاريخها الطويل إلا بكسر جمود الثبات العقلي لصالح التغيير المتجاوِز، حتى التغيير الذي يبدو وكأنه نكوص ـ في حركة الوعي ـ إلى الوراء، هو حيوية داخلية تمنح التقدم طاقة أخرى؛ بقدر ما تحفظ له توازنه كي لا يتحول إلى توهان في عالم الفوضى.

ولا تنفي هذه المُراوحة ثباتَ القصد/ الغائية (قصد التاريخ، روحه بالمفهوم الهيغلي)، ففي النهاية، سواء ثبتت هذه الغاية أم لم تثبت، وسواء فسّرنا الاستثناءات المضادة بـ"النقض" أو بـ"التكميل"، وسواء ظهرت العلاقة الجدلية بين هذا النقض/ التكميل أو خفيت كعناصر كامنة؛ ففي كل الأحوال (وفي حدود المتاح علميا حتى الآن)؛ ثمة تحوّل دائم، ثمة تطوّر متصاعد في الخط العام للتاريخ البشري.

هذا يعني أن لا تطور إلا بتغيير؛ بصرف النظر عن طبيعة/ هوية/ درجة هذا التغيير. قد يكون للثابت دور محوري في التغيير؛ لا من حيث كونه ضابطا لتوازن الحراك فحسب، وإنما ـ أيضا ـ لكونه موضوع التغيير في الأساس، وبالتالي موضوع التقدم.

وبلا شك، فطبيعة هذا الثابت تدخل في علاقة جدلية/ تفاعلية لتحديد طبيعة التغيير الذي يشتغل عليه. وهذا يشترط ـ بالضرورة ـ ضبط إيقاعِ التغيير ليكون نموا متجاوزا لأصل الثابت، متصلا به حتى في حال نقضه وتقويضه، وإلا فسيكون "التقدم/ التغيير" مشروعا ثقافيا/ فكريا في فضاء عقلي بلا موضوع، أي سيكون دالّا بلا مدلول، وبالتالي بلا معنى.

الأفكار الجديدة كل الجِدّة لا تُحْدث ثورة منْتظمة في العقل الكلي؛ بقدرما تُحْدث ارتباكا

لقد كانت المشاريع الفكرية العربية منذ أواخر القرن التاسع عشر، وإلى اليوم، تتغيّا التغيير الذي هو شرط التقدم. في معظمها كانت منحازة إلى أقصى يمين العلاقة أو أقصى يسارها، أقصد: العلاقة بالثابت. بعضهم أراد البداية من الصفر ـ نفيا كليا للثابت ـ؛ وكأنه يريد التحليق في فراغ عدمي، فراغ مجرّد من الطبائع الثقافية الموروثة، ومن الطبائع البشرية الراسخة، ومن شروط الجغرافيا القاهرة، ومن كل ما هو من نِتَاج التفاعل بين هذه المحددات الثلاثة. بينما بعضهم الآخر اشتغل على الثابت تأكيدا وتأبيدا؛ بالبحث فيه/ في صورته الأولى عن عناصر تدعم مقولات التقدم الآتي من وراء البحار؛ ليمُر كل تحول من خلال هذا الثابت حصرا، أو ليكون أي تحول عنصرا في تدعيم الثبات/ البقاء على الأصول بهوياتها الأولى.

الأفكار الغريبة/ الجديدة كل الجِدّة (المُغايرة من ألِفِها إلى يائِها) لا تُحْدث ثورة منْتظمة في العقل الكلي؛ بقدرما تُحْدث ارتباكا، وتؤسس لفوضى متعددة الأبعاد، فوضى قد تقود ـ على هيئة هُبوط مُحبط في الدورة الدموية للحراك ـ إلى المربع الأول/ محور الثبات الذي يُصْبح ـ في لَحْظةِ يأس وشتات وحيرة ـ مربعَ الأمان.

الباحث الفرنسي/ غوستاف لوبون كان ذا عناية فائقة بالتحولات التي تجري على الآراء والمعتقدات من حيث هي ـ بشرط تشكّلها ـ ظاهرة جماهيرية. وكان من المُلفت ـ في مَعْرض تناوله لثبات العقائد والآراء الموروثة ـ أن يتناول أزياء النساء وتحولاتها (وفق قانون "الموضة")، مؤكدا ضرورة أن يكون تغيّر الزي تغييرا مثيرا للانتباه، مشترطا ـ في الوقت نفسه ـ أن لا يكون التغيير كاملا/ جذريا.

يقول لوبون: "الزي لا يروق النفس إلا إذا استوقف النظر، ولكن لا يتم نجاحه إلا إذا لم يبتعد من الزي الذي تقدمه، وهذا ما يوضح لنا السبب في كون الزي المبتكر من كل وجه لا يدوم طويلا، ولا يستقيم أمر الزي إلا بالتدريج" (الآراء المعتقدات، ص173).

ما يريد لوبون أن يقوله ـ ضمنيا ـ هو أن الأفكار الجديدة في فضاء التداول العقلي أشبه بـ"الموضة" في عالم الأزياء. لا بد من التّدرج في محاولة تغيير الأفكار الراسخة التي تتسم بثبات عال. وكما أن الأزياء الجديدة بالكلية قد تلقى رواجا ظرفيا/ آنيا، إلا أنها ـ ولكونها تفتقد شرط التأسيس على ثابت ـ سرعان ما تتلاشى وتندثر؛ فكذلك الأفكار/ الآراء المُغايرة تماما، تلك التي تُحَلِّق في فراغ تواصلي، هي الأخرى لا تلبث أن تنقشع سُحُبها الصيفية المتمردة على ظروفها، وتندرس معالمها؛ فلا يبقى منها أثر في مسار الوعي العام.

وإذا كان التغيير الراديكالي لمنظومة الأفكار السائدة/ المهيمنة، يُمَثِّل إغراء كبيرا في أواخر القرن التاسع عشر/ في عصر لوبون ـ وانتصار الحضارة الغربية آنذاك لم يكتمل بعد ـ، فإن هذا التغيير الراديكالي يصبح اليوم أشد إغراء بما لا يقاس؛ بعد أن انتصرت هذه الحضارة الاستثنائية (بوصفها: "نهاية التاريخ")، وأصبحت هي "الحضارة" بالتعريف، من حيث هي حضارة التقدم للعالم أجمع.

قد تستطيع حرق المراحل على مستوى متغيرات الواقع، ولكنك لا تستطيع حرقها على مستوى متغيرات الفكر

إضافة إلى كون قنوات التواصل الإعلامي والثقافي والتعليمي والتقني ـ في كثافتها وكفاءتها العالية ـ زادت من حجم الإغراء؛ حيث معاينة النموذج الأكمل/ الأمثل (تجلّيات/ تمظهرات الحضارة الغربية في كل مسارات/ مجالات التقدم؛ حتى امتداداتها في الجغرافيا غير الغربية) متاح على مدار اللحظة، بأقل تكلفة وأيسر جهد، وبإبهار عال يختزل عناصرها المُكوِّنة/ الكامنة؛ مما يغري بإمكانية التقليد ونجاعته في كل الأحوال.

ليس التغيير الذي يشتغل على القناعات الكلية/ على الوعي العام/ على العقل الجمعي سهلا؛ كما يبدو للوهلة الأولى. المسألة ليست معرفة/ ليست ترسانة معلومات تُقَدَّم/ تُطْرح على مدى الأسماع والأبصار؛ فتعترف ملايين العقول بجهالاتها السابقة، وتُقَرِّر ـ في حالة استبصار خاطف ـ الاعتقاد بالصواب الجديد، والعمل ـ عِلْما وفِعْلا/ تفاعلا ـ بمقتضى قوانينه التي قد تخالف كثيرا من العادات التي ترسخت حتى أصبحت طبائع لازمة، فضلا عن مخالفتها لكثير من قوانين فضاء التموضع/ المجال.

إذن، قد تستطيع حرق المراحل على مستوى متغيرات الواقع، ولكنك لا تستطيع حرقها على مستوى متغيرات الفكر/ الوعي. ورغم التداخل/ التلازم النسبي بين متغيرات الواقع ومتغيرات الوعي؛ إلا أن الاشتغال على عالم الأذهان، وعلى "التغيير الأثبت/ التغيير الأدوم" في مسار رهان التغيير النوعي، يستلزم الاشتغال على مستوى من الاستمرارية التي يُوَفّرها التدرّج في تحويل مجتمعات التقليد/ المجتمعات النمطية عن قناعاتها الفكرية الراسخة المتجذّرة بعمق تاريخ القرون المتطاولة تخلفا وانحطاطا.

تجديد/ تغيير الوعي يستلزم شيئا من مراوغة ومخاتلة في تعطيب عناصر السلب في الموروث المُؤَسّس لعناصر الثبات. هذه ممارسة إجرائية تقتضيها حقيقة/ طبيعة الوعي البشري الذي ليس كله مخزونا من "المعقولات"، المتمايزة تماما عن الخرافي والوهمي والمتخيل، هذا الوعي البشري المتقلب الذي لا يشتغل ـ إيجابا ـ على "المعقول" في كل الأحوال.

اقرأ للكاتب أيضا: الذهنية العربية: صراع أم بناء!

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG