Accessibility links

تلفزيون لا يشبهنا


سليمة، إحدى العاملات في مشروع "مروكيات"، وهو منصة تعرض لقضايا النساء والتحرش في الأماكن العامة والاغتصاب وحقوق المثليين

سناء العاجي/

ينتشر على موقع يوتيوب في المغرب عشرات القنوات، بمحتويات مختلفة ومتنوعة تنوع واختلاف مكونات المجتمع. بعض هذه القنوات يقترح مضامين مهمة ومفيدة وممتعة في تبسيط العلوم، في مناقشة قضايا المجتمع، في التعبير عن مواقف جريئة وذكية، في مناقشة القضايا الراهنة، إلخ...

لكننا، على الضفة الأخرى، على التلفزيون، نواجه ما نستطيع أن نعتبره بدون خجل... تخلفا إعلاميا عظيما.

في بداية التسعينيات، كان المغرب أول دولة في المنطقة يفتتح قناة تلفزيونية مملوكة للقطاع الخاص. وكانت محتويات تلك القناة متنوعة غنية جريئة ومهنية على عدة مستويات.

المؤسف أن هذه القنوات الإلكترونية على الإنترنيت، لا تصل إلى كل المغاربة

ثلاثون سنة بعد ذلك... أصبح المغرب أكثر دول المنطقة تخلفا وفقرا على مستوى الإعلام التلفزيوني، بقنوات جلها حكومية لا ترقى لتطلعات معظم المغاربة. إعلام يفتقر للإبداع وللجرأة والاستباق في معظم المحتويات التي يقدمها: برامج معظمها باهت (باستثناء بعض الإشراقات النادرة)، فقر كبير على المستويات التقنية... إضافة إلى اقتراح محتوى يبتعد بسنوات ضوئية عن واقع تحولات وتطلعات المجتمع المغربي.

الإنتاج الدرامي بدوره، وباستثناء بعض الإشراقات الجميلة بين الفينة والأخرى، يساهم في تكريس صور نمطية عن الكثير من القضايا، وفي إهانة عدد من مكونات المجتمع (الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة، النساء، سود البشرة، المهاجرون، إلخ). كما أنه يتم، في الغالب، بمقاييس غير مهنية يكتسيها الاستعجال والاستخفاف من طرف منفذي الإنتاج بأهم مكونات العمل الدرامي، ألا وهو التأليف والكاستينغ (نتحدث هنا عن منفذي الإنتاج، باعتبار المنتج الفعلي هو التلفزيون الحكومي نفسه؛ بما أن رجال ونساء الأعمال لا يفكرون في الاستثمار في الإعلام والفن والثقافة). لتصلنا في النهاية خلطة رديئة لا تعكس واقع المجتمع ولا تساهم في تطوير الذوق العام.

يحدث هذا طبعا في وقت لم يعد فيه بإمكان الدولة التعتيم على ما يحدث خارجها.

والنتيجة؟ المتفرج المغربي يتابع النقاشات الأساسية التي تهمه ويشاهد الإنتاجات الدرامية التي تستجيب لتطلعاته وذائقته الفنية... على القنوات الأجنبية! سواء منها تلك القادمة من بلدان الشرق أو القنوات الفرنسية في وسط المغرب والإسبانية في شماله وجنوبه.

الشباب، من جهته، يطالع المحتويات التي تهمه على الإنترنيت.

المؤسف وسط كل هذا، أن الكفاءات موجودة... والدليل على ذلك كل تلك القنوات الجادة والمفيدة والغنية والممتعة على الويب (باستثناء عدد لا بأس به من القنوات التي تهدف إلى خلق "البوز" (الجدل) بمحتوى رديء أو فضائحي). كفاءات شابة تحتاج لتأطير وتمويل أحيانا... وتحتاج أكثر، لأن تصل لأعداد أكبر من المتابعين.

مؤسف جدا ألا يجد معظم المغاربة ذواتهم في تلفزيونهم. النقاشات الجريئة التي تدور في بعض الصحافة الورقية والإلكترونية وفي الكثير من الندوات وفضاءات المعرفة حول القضايا السياسية والفكرية والمجتمعية والدينية والاقتصادية، والتي تصلنا عبر الإنترنيت... تترجم بشكل مهم التحولات المجتمعية وتناقشها بجرأة كبيرة في معظم الحالات... جرأة لا يجدها المغربي في تلفزيونه.

مؤسف جدا ألا يجد معظم المغاربة ذواتهم في تلفزيونهم

المؤسف أيضا أن هذه النقاشات الرصينة والجريئة وهذه القنوات الإلكترونية (الفردية في معظمها) على الإنترنيت، لا تصل إلى كل المغاربة، بل إلى أعداد محدودة من المتابعين؛ وبالتالي فهي لا تؤثر فعليا في تأطير وتكوين أو إمتاع أغلبية المغاربة ممن يتابعون التلفزيون أكثر من غيره... هؤلاء، يصلهم صوت فقيه المسجد والمقدم (ممثل السلطة في كل المناطق المغربية) والتلفزيون الرسمي.

كل هذا يساهم في تكريس تقسيم المجتمع إلى فئات متعلمة يتوفر لديها الحد المعرفي والمادي الأدنى للاطلاع على محتوى راقي وجميل ومفيد وممتع... وفئات أخرى كثيرة يتكرس جهلها وتخلفها بالمحتوى الإعلامي الذي يقدمها لها التلفزيون الرسمي.

ولست أدري حقيقة، أية نية حقيقية تؤسس لمثل هذه القرارات في بلادنا، وما الذي يحرك الشخص أو الأشخاص الذين يصرون على استمرار هذا التعتيم الإعلامي!

اقرأ للكاتبة أيضا: متطوعات وبيكيني وكبت

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG