Accessibility links

توطين اللاجئين السوريين: المتورط الحقيقي


نازحة سورية في شمالي سوريا عند الحدود مع تركيا

فارس خشّان/

ثمة اجماع في لبنان على أن "وطن الأرز" لم يعد قادرا على استضافة اللاجئين السوريين الذين يفوق عددهم، بحسب السلطات اللبنانية، مليون ونصف مليون شخص.

ولكن هذا الإجماع أنتج خلافات سياسية، وصلت إلى حدود الشعبوية المنتجة للكراهية، بفعل اعتلاء المنابر بشعارات "تقوقعية" مثيرة للغرائز.

الأطراف المؤيدة للنظام السوري، يتقدمها رئيس الجمهورية ميشال عون مدعوما من "حزب الله"، تعتبر أن مفتاح الحل يكون باسترضاء بشار الأسد، رئيس هذا النظام؛ في حين أن الأطراف الأخرى يتقدمها رئيس الحكومة سعد الحريري ترى أن الحل الوحيد يكمن في مسار دولي حده البراغماتي سبق وأعلنت عنه روسيا الاتحادية وهو يفرض على الأسد أن يتخذ خطوات محددة تتيح حل مشكلة اللاجئين التي ترزح تحت وطأتها دول الجوار، ومنها بالإضافة إلى لبنان تركيا والأردن.

بشار الاسد، وبخلفية ديموغرافية واستراتيجية، لا يريد عودة اللاجئين

وإذا كان النقاش العلني في لبنان يتخذ طابع التحدي بين الطرفين المختلفين على الحل المنشود، وصولا إلى اتهام يوجهه "الأسديون" للمختلفين معهم بالتآمر لتوطين هؤلاء اللاجئين، إلا أنه في الكواليس يلتقي الجميع على أن الأسد لا يريد عودة مجموع من غادروا هربا من المعارك والعنف والقتل والاضطهاد.

المدافعون عن الأسد ينسبون موقفه هذا إلى عدم قدرة نظامه على توفير حاجيات أكثر من 6 ملايين شخص لجأوا إلى خارج سوريا، إذ أن هذا النظام يقف عاجزا عن توفير الحد الأدنى من مقوّمات الحياة لمن بقوا في سوريا، خصوصا بعدما حوّلوا أنينهم إلى صراخ.

ويرى المدافعون عن برودة الأسد في التعامل مع عودة اللاجئين نوعا من أنواع الدفاع عن النظام نفسه، لأن انضمام اللاجئين العائدين إلى المقيمين الجائعين قد يعيد إحياء الثورة، من بوابة الوجع والجوع.

أما خصوم الأسد فيتهمونه وإيران بالعمل على إنجاز مخطط يهدف إلى تغيير الديموغرافيا السورية، من خلال ضرب التفوق العددي للمسلمين السنة في البلاد لمصلحة المكونات الطائفية الأخرى الموالية للنظام، ولذلك هو يرفض كل الحلول المعروضة عليه من أجل تسهيل عودة اللاجئين إلى بلادهم، ومن بينها مقترحات روسية يتقدمها إصدار قانون عفو عام وتجميد التجنيد الإجباري لسنيتن، حتى يتشجع الهاربون ويطمئنوا إلى أن عودتهم ستكون آمنة.

وخلافا للتطلعات الدولية الأخرى التي يتفق عليها الأميركيون والأوروبيون، فإن روسيا لا تطلب من الأسد ولوج باب الحل السياسي الكبير، بل تسعى إلى خطوات تكتيكية تعينها على طلب المساعدة من الدول المانحة.

ومسار بشار الأسد ومؤيديه في التعاطي مع ملف اللاجئين مثير للغضب، لأنه بالمحصلة مسار يندرج تحت خانة جرائم ضد الإنسانية، إذ أنه يستعمل حرمان اللاجئين من العودة الآمنة إلى بلادهم، في ما يعتبر أكبر عملية ترانسفير في القرن الحادي والعشرين، (يستعمله)سلاحا ضد الدول المضيفة وضد المجتمع الدولي.

ذلك أن الأنظمة السوية هي التي تسعى وراء أبنائها لإعادتهم بعد المغادرة، في حين أن نظام الأسد يمتنع عن إتاحة المجال أمام هذه العودة، ويطلب، حتى يفكر في تعديل موقفه، أثمانا سياسية ومالية لقاء ذلك.

والأطراف المؤيدة للأسد تدعم هذا "الدلع الإجرامي"، بحيث تريد من الأطراف المناوئة، تحت طائلة تخوينها وطنيا، أن تدفع الثمن السياسي المطلوب، وأن تذهب إلى المجتمع الدولي لتترافع لمصلحة الأسد ونظامه وأفعاله وارتكاباته.

مسار بشار الأسد ومؤيديه في التعاطي مع ملف اللاجئين مثير للغضب

ثمة قناعة بدأت تترسخ لدى جميع الساعين إلى حل إيجابي لمسألة اللاجئين بأن بشار الأسد هو المشكلة، وطالما بقي صاحب الكلمة الفصل في هذا الملف، فإن هذه المشكلة ستتفاقم وتداعياتها ستتضخم.

ولأن بشار الأسد، وبخلفية ديموغرافية واستراتيجية، لا يريد عودة اللاجئين، سواء بموجب تطلعات الدول المانحة أم بموجب المتطلبات المتواضعة المدرجة في المبادرة الروسية، فإن الحل الوحيد يكمن في سحب هذا الملف من يده ووضعه بعهدة دولية.

من يدقق بتفاصيل ملف اللاجئين ويتعمّق بالدور السلبي لبشار الأسد يكتشف أن من يريد توطين هؤلاء الضحايا في البلدان التي هربوا إليها، ليسوا خصوم الأسد بل كل من يؤيده، لأن من يعتبرهم بيئة حاضنة للإرهاب ويفرض عليهم شروطا عسكرية وأمنية ويصر على حرمانهم من حقوق المواطنية والتملك، وتاليا يرفض عودتهم، كل مرة بحجة، هو من يريدهم أن لا يعودوا سوريين...

اقرأ للكاتب أيضا: الاستقرار وفق القاموس الأميركي

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG