Accessibility links

ثلاثية 'الإسلام' الأسدي


نساء وأطفال هاربون من داعش

رستم محمود/

لا يطال أي نظام سياسي القدرات الهائلة للنظام السوري على فعل الأشياء ونقيضها في الآن عينه، والقابلية الرهيبة لتغطية وتجاوز أية تناقضات قد يظهر عن ذلك. كانت تلك "الميزة" مصدرا أوليا ودائما لمرونة النظام السوري، الذي استطاع بتلك المرونة تجاوز كل أزماته الداخلية والإقليمية، لأكثر من نصف قرن.

كان النظام السوري يفعل ذلك في استراتيجياته الاقتصادية وعلاقاته الدولية ونزعاته الأيديولوجية وتوجهاته الإقليمية. فقد كان النظام السوري متيقنا من ضعفه السياسي ورخاوته الأيديولوجية وقلق موقعه الجيوسياسي؛ لذلك كان يعتقد بأن اللعب على تلك الأوتار والمساحات المتناقضة، وتغطية ذلك بخطاب فوقي تقريعي، إنما ستمنحه طاقة وقابلة للاستقرار والاستمرار.

كان "الإسلام"، بكونه طاقة اجتماعية وسياسية وأيديولوجية بالغة الحيوية، أكثر المساحات التي عملت عليها الأسدية طوال سنوات حكمها الخمسين الماضية، واستطاعت أن تستخدمه في مختلف المستويات، سواء في الداخل السوري أو ضمن أدوات واستطالات النظام السوري في المحيط الإقليمي، وحتى في علاقاته الدولية.

كان النظام السوري يطور ويستخدم التطبيق الفعلي لنظرية "تحالف الأقليات"

كان النظام السوري يستند في تعامله مع الدور العام للـ"الإسلام" عبر ثلاثة مستويات استخداماتية، التي تظهر من الوهلة الأولى، وبشكل مجرد ومعزول عن بعضها، تظهر وكأنها متناقضة! لكنها في محصلتها، وفي شكل علاقتها فيما بينها، تخدم الهدف نفسه، وهو المساهمة في قدرات النظام السوري للتحكم بالمجتمع السوري من طرف، وخلق لوحة من تدخلات واشتباكات للنظام السوري مع القوى والكيانات الإقليمية، لضبط علاقته مع القوى الدولية، وقبول هذه الأخيرة له وتثبيت أركانه.

إذ شيّد ومأسس النظام السوري من طرف ما يمكن تسميته بـ"الإسلام الشامي"، وهي شبكة المؤسسات ورجال الدين والخطابات والتوجهات التي يمكن تسميتها بـ"الإسلام الرسمي" أو "الإسلام الاجتماعي"، الذي لا يتدخل في أي من الشؤون السياسية والعامة في البلاد، والملتزم بتوجهات وزارة الأوقاف والأجهزة الأمنية في مختلف المناطق، والمتبني لقيّم وخيارات الاسلام الاجتماعي المديني الوسطي.

كان ذلك النمط من الإسلام الشامي السوري موجودا بالأساس في البنى المجتمعية المدينية السورية، الذي كان يسميه المفكر صادق جلال العظم بـ"إسلام السوق"، الذي يستند إلى حكر الإسلام بالروحانيات الإيمانية والعبادات وحُسن المعاملة، مع الكثير من قيم التعايش مع أبناء المكونات الأخرى، دون طاقة أيديولوجية وعنف سياسي وجماعاتي.

الشيء الذي فعله النظام السوري أنه مأسس تلك الخصائص، ربطها فيما بينها وأدخلها في منظومة ضبطه الرهيبة للحقل العام. فوزارة الأوقاف ومؤسسات البوطي وكفتارو والقبيسيات والطريقة الصوفية الخزنوية ومعاهد الأسد لتحفيظ القرآن، ومثلها المئات من المؤسسات/الأجهزة التي كانت في خطاباتها وظاهرها مؤسسات دينية، لكنها بوظيفتها ونواتها الصلبة كانت أقرب ما كانت لأجهزة الأمن ومؤسسات الشبيبة والطلائع.

كانت أداة لشرعنة النظام والترويج له، وخلق فضاء من السلام الاجتماعي السوري، غير المُفكر بالمسألة السياسية الداخلية بتاتا، بالذات المسألة الطائفية السُنية/العلوية.

على النقيض من ذلك تماما، فإن النظام السوري كان يستخدم ترسانة سجونه وأجهزته الأمنية وعلاقاته وتداخلاته الإقليمية لترتيب وتشييد ورعاية نوع من الإسلام السياسي الميليشيوي الإرهابي.

فبكل بساطة، كان لأي عارف بالعوالم الداخلية للمؤسسات الأمنية السورية أن يجد بها طيفا من أعضاء التنظيمات الإسلامية الجهادية، من سوريين وفلسطينيين وأردنيين وخليجيين وعراقيين وأفارقة وآسيويين، ومن مختلف الجنسيات والمناطق. كان يُخضعهم بخبرته الوفيرة لعمليات تأسيس وإعادة استخدام.

كان النظام السوري يستطيع أن يُرسلهم إلى واحدة أو أخرى من مناطق تداخلاته السياسية، خصوصا في محيطه الجيوسياسي، في لبنان والعراق وفلسطين. لكنه أيضا كان مستعدا لأن يتعاون ويقدم معلومات عنهم للأجهزة الأمنية الأوروبية والأميركية، ليثبت حسن تعاونه مع هذه الدول المساهمة في تثبيت أركان شرعيته.

إلى جانب ذلك، فإن النظام السوري كان يستضيف شبكة من التنظيمات السياسية الإسلامية على أراضيه، من حركة حماس والجهاد الإسلامي الفلسطينيتان، وحتى "جبهة تحرير فطاني" التايلندية، مرورا بالجماعات السنية العراقية والأردنية اللبنانية والخليجية. في وقتٍ كان يمحق فيها كل تنظيم سياسي سوري، بالذات إسلامي.

إذ لم يكن للإسلام الميليشيوي العصاباتي، الذي كان النظام السوري يرعاه في سجونه وأجهزته الأمنية، أن يكون ذو أثر وفاعلية دون أن يرفده النظام السوري بطيف من التنظيمات الإسلامية السياسية، فالأول بحاجة إلى مظلة سياسية لتفعيله، والأخير لا يمكن له أن يكون فاعلا دون طاقة الإسلام الميليشيوي العصاباتي.

أخيرا، فإن النظام السوري كان يطور ويستخدم التطبيق الفعلي لنظرية "تحالف الأقليات". فقد كان يعتبر نفسه نظاما أقلويا يحكم أغلبية سنية، في دولة تشكل مركز ثقل في محيطها الجيوسياسي، في لبنان والأردن وفلسطين، وبدرجة ما في كل من تركيا والعراق. كان النظام السوري يدفع باتجاه تعاضد سياسي داخلي بين الجماعات غير السنية فيما بينها بشكل غير معلن، وأن تكون الخشية من هيمنة الإسلام السياسي السني في هذه الدول هو البنية الصلبة في باطن تفكير هذه الجماعات والتنظيمات السياسية الأقلوية.

كانت سنة 2011 كاشفا رهيبا للعبة النظام السوري المُحكمة تلك

لعب واستخدم النظام السوري ذلك منذ لحظاته التأسيسية. فالنظام السوري أنتج ذلك داخليا منذ لحظة تأسيسه الأولى في تشرين الثاني/نوفمبر عام 1970، ووسع من استخدامه لذلك إقليميا منذ دخوله للبنان في يونيو عام 1976، حيث تنقل إحدى المرويات الشفهية السورية "ربما المختلقة" أن الرئيس السوري السابق حافظ الأسد قد سأل أحد رجال الدين السنة عما إذا كان السوريون السنة سيقبلون دخول الجيش السوري إلى لبنان وقتئذ لصالح الموارنة وضد المسلمين! فأجاب رجل الدين: طالما قبلوا بك علويا، فأنهم حتما سيقبلون بك مارونيا.

كانت سنة 2011 كاشفا رهيبا للعبة النظام السوري المُحكمة تلك. فحتى بداية ذلك العام، كان النظام السوري يعرض نفسه كـ"نظام سني" متطرف، يساند حركات المعارضة العراقية الإرهابية في العراق، في وجه المشروع الشيعي/الكردي هناك.

لكن ما إن اندلعت الثورة السورية، حتى صار يطبق نظرية تحالف الأقليات في الداخل السوري، يمحق السنة ويمنح غض نظر لباقي التكوينات السورية. بدأ ذلك العام بأكبر موجة لإطلاق سراح القيادات الجهادية في سجونه، ثم عرض نفسه للعالم على أنه الجهة الوحيدة التي تحارب التنظيمات التكفيرية. بدأ العام بعلاقات شديدة الدفء مع المملكة العربية السعودية، ما لبث أن انقلب وصار يحرض أئمة الجوامع لنشر خطاب الإسلام الشامي في مواجهة الوهابية السعودية!

اقرأ للكاتب أيضا: القيح السوري المؤلف من الآلام المصرية واللبنانية والعراقية

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG