Accessibility links

ثمن الهواء


في مركز تجاري بالعاصمة الكويت

كوليت بهنا/

مؤسفٌ ومحزنٌ التصريح الذي أدلت به النائبة الكويتية صفاء الهاشم منتصف شهر سبتمبر الجاري، وأبسط رد يمكن أن يعبر عن تصريحها هذا بأنه " عنصري" .

النائبة الكويتية التي لم تكتف بنجاحها السابق في إقناع حكومتها بتطبيق اقتراح بفرض رسوم على الوافدين الذين يستخدمون الطرقات والتحويلات، بل طالبت بفرض رسوم على خدمات أخرى يستفيدون منها بما في ذلك "الهواء الذي يتنشقونه"، ولو خرج صوت كهذا من بلد عربي أو أجنبي آخر يعاني من أزمات اقتصادية خانقة وشح في الموارد وضغط من يمينه المتطرف اتجاه الأجانب، ربما لتفهم المرء أسباب تصريحات كهذه ودوافعها حتى وإن كانت مرفوضة بالعموم، لكن أن يخرج هذا الصوت من رحاب الكويت تحديداً، لاشك أن الأمر يثير العتب ويستحق التوقف عنده.

الكويت ليست دولة نفطية خليجية شأنها شأن باقي شقيقاتها من دول الخليج الثرية، فلهذه الدولة خصوصية ومكانة كبيرة في قلوب العرب جميعاً، وهي التي فتحت أبوابها منذ ستينيات القرن العشرين الماضي ليس للوافدين العرب والأجانب فقط، بل لبعض الحركات الوطنية والسياسية العربية، وأشاعت لأكثر من ثلاثة عقود مناخاً متميزاً وحميداً من الديمقراطية انعكس على سياستها الداخلية والخارجية المعتدلة، والانفتاح على الآخر، وسياسة "النأي بالنفس" التي انتهجتها لعقود، جنباً إلى جنب مع سياسة المبادرة لحل المشاكل والأزمات العربية، وكان لها أيادٍ بيضاء كثيرة في رأب الصدع العربي ولعب دور الوسيط النزيه واقتراح الحلول المناسبة التي ترضي الأطراف المتصارعة في أكثر من حرب أو نزاع شهدتهما المنطقة، من بينها الحرب الأهلية في لبنان، والاكتفاء بلعب الدور الانساني والاغاثي الهامين فيما تشهده سوريا منذ مايقارب السنوات العشر، وأخيراً لعب دور الوسيط (الأخوي) وغير المنحاز في الأزمة القطرية-السعودية الاماراتية التي مضى عليها قرابة العامين تقريباً.

لم تكتف الكويت بالدور الدبلوماسي أو السياسي المعتدل فقط، بل عرف عنها منذ الستينيات شغف أبنائها بالعلوم والثقافة، وتعتبر واحدة من أهم معرّبي الثقافة العالمية وناقليها، ومصدري الثقافة العربية وداعميها، كما تتفرد عن قريناتها في منطقة الخليج العربي، بنشر صورة مشرقة عن الفنون التشكيلية والموسيقى والغناء والمسرح والدراما التلفزيونية والأدب المحلي واهتمامها بدعمهم، واشتهرت بأسماء لامعة من كبار النجوم في عوالم الابداع هذه جميعاً، ويشهد أرشيف تلفزيونها الوطني على عشقها للفنون ويحفل بروائع نادرة لنجوم ومطربين عرب تشاركوا مع نجومها المحليين بأعمال إبداعية خالدة ونادرة شأنها شأن وثائق ومخطوطات كثيرة تحتفظ بها الكويت في مجالات إبداعية أخرى.

من زار الكويت في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي أو أقام فيها لسنوات من أجل العمل، يحتفظ بذاكرته بكثير من الحنين لهذا البلد الصغير الذي كان ناشئاً في حينه، لكنه نجح في صناعة سمعة طيبة فاقت حجمه بكثير، واستطاع عبر سياسته المنفتحة استقطاب أهم الخبرات العربية، في حقل التعليم بشكل خاص، مما أفرز أجيالا متعلمة ودورَ علمٍ خرجت منها رموز كويتية وعربية تعتبر من أبرز علامات العلم والثقافة العربية.

في الثمانيات تغيرت الأجواء الكويتية وبدء المرء يشعر برائحة المدّ الديني المتشدد تنتشر في هوائها، إلا أن الغزو العراقي لهذه الامارة، كان أكبر مفصل ومفترق في تاريخها، وتسبب لها وللمنطقة وللعالم بأكبر الآثار والخسائر الاقتصادية والسياسية، والأهم هو انكسار الانفتاح الكويتي والروح الايجابية التي كانت سائدة قبل الغزو، بسبب انكشاف المشهد العربي اتجاهها وتأييد بعض البلدان العربية للغزو، الأمر الذي أنتج غضباً عاماً تسببه الخذلان وخيبة الآمال، وانعكس لاحقاً في بعض التغيير الايجابي في السلوك المعنوي العام لبعض أبنائها من الناشطين الشبان الذين أحسوا بفداحة الخسارة وأن بناء البلاد يقع على عاتقهم من جديد وليس على الغرباء، وقرروا النزول إلى الشارع واستلام العديد من المهام التي كانت محصورة باليد العاملة الوافدة، إلا أن عددهم كان أصغر بكثير من المرغوب به، وحجم الدمار أكبر بكثير، وعادت الكويت وفتحت الباب لعدد من الوافدين، لكنه كان باباً موارباً وانتقائياً مع فرز الوافدين بحسب الولاء السياسي، والتضييق المستمر على شروط معيشتهم.

لاينسى ولن ينسى الكويتيون المرارة التي رافقت تشردهم بين ليلة وضحاها إثر الغزو العراقي، وحتى لو اختلفت أسباب الخروج، تبقى هذه المرارة متشابهة لدى جميع أبناء البشرية الذين تضطرهم ظروفهم وظروف بلادهم القاسية لتركها والسعي للهجرة أو للعمل في بلاد الله الواسعة، وهي المرارة التي تستوجب هذا العتب حين تقسو على وافد مسكين وتطالبه بدفع ثمن الهواء الذي يتنشقه معك، مع تفهم الظروف الاقتصادية العامة والصعبة التي تعاني منها معظم البلدان العربية ودول العالم في السنوات الأخيرة، ومع الثقة بأن العثور على حلول تناسب الطرفين ممكنة دون التعرض لإنسانيتهم أو النظر إليهم بغطرسة كعبيد، إذ أن جلّ أحلام هؤلاء الوافدين(المعترين) هو العودة لديارهم مع حفنة صغيرة من المال يبنون فيها سكناً لائقاً لأبنائهم، وقبراً لهم يرتاحون في طيات ترابه بعد عمرٍ شقي قضوه بإعمار بلاد أخرى.

خلال إعداد هذه المادة، تصادف أن قرأت خبراً عن إصدار لجنة حقوق الانسان التابعة لمدينة نيويورك تعليمات جديدة مؤخراً تتضمن تغريم أصحاب العقارات والأعمال الذين يميزون ضد المهاجرين أو يستخدمون ضدهم عبارات بطريقة مهينة، رغم أن الهواء في نيويورك –بحسب تصنيف المدن – أكثر نضارة ونقاء وغلاء، لكن لم يتحدث أحد عن وجوب دفع ثمن لمن يتشارك في تنشقه.

--------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

تعليقات فيسبوك

XS
SM
MD
LG