Accessibility links

"ثوار 17 تشرين" لـ"ثوار 14 آذار": أخبرونا لماذا فشلتم؟


المتظاهرون في طرابلس شمالي لبنان ليل 24 أكتوبر

فارس خشّان/

ماذا يفعل "ثوّار الأرز" الذين افترشوا الساحات لتحرير لبنان من الاحتلال السوري وأتباعه وتبعياته، بعد اغتيال رئيس الحكومة رفيق الحريري في 14 فبراير 2005، في ميدان "ثوّار الوطن" الذين يفترشون الساحات منذ 17 أكتوبر (تشرين الأول) 2019 مطالبين بإسقاط كل التركيبة السلطوية والتسلطية، نظرا لفسادها وعجزها وارتهاناتها؟

ويجد هذا السؤال خلفيته المعلنة في وجود فئة تعيب على "الثوار القدامى" الالتحام بـ"الثوار الجدد"، على اعتبار أن "القدامى" أيّدوا أو والوا أو خدموا شخصيات سياسية يعمل "الجدد" على اقتلاعها حاليا.

في ظاهر الحال، هذا سؤال يلامس إشكالية حقيقية، ولكنه في حقيقة الأمر، ينطلق من خلفية "أنتي ثوروية"، فالقائلون به، إما يهدفون إلى تخفيف زخم الشارع من خلال إبعاد فئات وازنة عنه، وإما يريدون فصل السياسي عن السيادي، والمحلي عن الإقليمي، والمالي ـ الاقتصادي المأزوم عن التأثيرات الكارثية للتورط في "الأجندة الإيرانية".

وكان واضحا من الساعات الأولى لانطلاق هذه الثورة أن "حزب الله" سعى جاهدا من أجل إيجاد "إطار" لها، بحيث لا تتأثر سطوته المعروفة على مفاصل القرار السياسي والدبلوماسي والعسكري والأمني والاقتصادي والمالي، في البلاد.

زعامات ذاك الزمن سارعوا إلى أخذ "ثورة الأرز" قبل أن تكتمل إلى تسوية

والمتحركون في الكواليس يدركون أن الحزب يمسك بناصية القرار في ما خص الحكومة، ولم يتوان أمينه العام حسن نصرالله عن تهديد كل فريق يخرج منها، الأمر الذي يعتبره البعض سببا في رفض الرئيس سعد الحريري الاستقالة، وفي تراجع رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط عن اتفاقه مع حزب "القوات اللبنانية" على الخروج معا من الحكومة.

ولكن "ثوّار الوطن" بدءا بأهم المناطق الشيعية وصولا إلى حلبا في عكار، مرورا بساحات بيروت وصيدا وجبل لبنان وسائر الشمال ولا سيما عاصمته طرابلس، "تمردوا" على نصرالله وخطوطه الحمراء، فثابروا على رفع "لاءاتهم" بوجه كل التركيبة الحاكمة التي يشكل "حزب الله" عمودها الفقري.

وخلال تنقلي بين الساحات كان واضحا، من النقاشات والأحاديث، أن "ثوّار الأرز" موجودون، بقوة، في الساحات. بعضهم كان قد نزل إلى ساحاتها في العام 2005، برفقة أهله، وبعضهم الآخر كان قد صرخ فيها مع زملائه في المدرسة "ما بدنا جيش بلبنان إلا الجيش اللبناني".

وقد قلب هؤلاء الأدوار هذه المرة ـ وهم اكتسبوا 14 سنة إضافية على أعمارهم ـ فمنهم من اصطحب أهله إلى الساحات، ومنهم من اصطحب تلامذته، ومنهم من رافق زملاءه في الجامعة.

لسان حال هؤلاء لا لبس فيه، وهم يحدثون جيلنا الذي هرم: "ماذا نفعل حتى لا نقع في ما سبق لكم ووقعتم فيه؟ كيف لا نخسر كما خسرتم؟ كيف لا يدفع أبناؤنا ما دفعناه نحن؟".

بوضوح، هم يطلبون أن نخبرهم عن أخطائنا حتى لا يقعوا فيها. هم لا يطلبون نصيحة، بل يريدون أن يعرفوا كل التفاصيل التي خضناها، حتى يتجنبوا أن يشربوا من كأس سبق وشربنا منه حتى الثمالة.

وربما حاجة "الثوار الجدد" إلى سماع "اعتراضاتنا"، هي التي تقف وراء محاولات إبعاد جميع "الثوار القدامى" عن الساحات الحالية في لبنان. ثمة من يريد من الجيل الجديد، حتى لا يخسر مكتسباته أن يقع في الأخطاء نفسها التي وقع فيها الجيل السابق.

ماذا في اعترافات "الثوار القدامى"؟

هي تتضمن الكثير. بعضها نتاج خطأ وبعضها الآخر نتاج الظروف.

تعدادها جميعها يحتاج إلى كتاب موثق، لذلك لا بد من الاكتفاء بما يمكن أن يكون الأبرز، وفق ما سوف يأتي.

"ثورة الأرز" فجرتها جريمة اغتيال نسبت لأسباب موضوعية إلى النظام السوري وأدواته في لبنان.

لم ينتبه أحد إلى الأسباب العميقة التي دفعت رفيق الحريري إلى سلوك درب الشهادة، وهي اعتقاده العميق بأن الاحتلال السوري وأتباعه يأخذون لبنان إلى كارثة اقتصادية ومالية من خلال عرقلتهم عن سابق تصور وتصميم للإصلاحات التي تعهدت بها "بلاد الأرز" للمجتمع الدولي في مؤتمر باريس ـ 2، فقرر أن ينضم إلى صفوف المعارضين الذين يرفعون شعار إخراج الجيش السوري من لبنان. كان الحريري مقتنعا بأن لا عبور إلى الإنقاذ المالي والاقتصادي إلا من بوابة استعادة لبنان لسيادته بعدما رهنها النظام السوري مافيويا لأجندة خارجية.

ما حصل أن من أخذ القيادة لاحقا، اعتبر نفسه قد حقق أهدافه، فارتضى رويدا رويدا، أن يرهن لبنان لأجندة إقليمية أوسع، أي الأجندة الإيرانية.

هذه "الأجندة" جرّت على لبنان الويلات المالية والاقتصادية، ولا سيما عندما انخرط "حزب الله" في حروب "الحرس الثوري الإيراني" بدءا من سوريا وصولا إلى اليمن، فجرّ على لبنان عقوبات تلو العقوبات، وحصارا تلو حصار، وهروبا للاستثمارات، وعوائق في التحويل المالي، وارتفاعا في مخاطر المديونية، وخلافه الكثير الكثير مما يخشى المتخصصون في المجالين المالي والاقتصادي، من تعداده وشرحه.

وبناء عليه، من يريد أن يتعلم من تجربة "ثوار الأرز" عليه، بادئ ذي بدء، أن لا يستخف أبدا بالبعد السيادي للمسألة الاقتصادية، فلا اقتصاد معافى في دولة مرهون قرارها للخارج.

وقد تكون هذه النقطة هي "أم المصائب"، فمن يركب موجة الثوار للوصول إلى المراكز القيادية، بلا شعارات الثورة، يصبح سهلا عليه ارتكاب كل الموبقات أو التساهل مع مرتكبيها، وعقد الصفقات مع "الشيطان".

كما أن "ثورة الأرز"، وباسم الواقعية السياسية، تخلت، رويدا رويدا، عن الأقلية الشيعية التي كانت في صلبها، الأمر الذي جعلها، مع الزمن، معادية لشريحة وازنة في البلاد جرى تسليم أمرها بالكامل للثنائي الشيعي الذي يحمل الطرف الأقوى فيه "الأجندة الإيرانية".

وهذا ما يجب أن يتحاشى تكراره "الثوار الجدد" فالنبطية وصور وكفرمان وغيرها، يجب أن تكون بأهمية بيروت وصيدا وجبل لبنان وطرابلس وحلبا وكل لبنان.

لا اقتصاد معافى في دولة مرهون قرارها للخارج

وسرعان ما حاولت قيادات "ثورة الأرز" إعادة توزيع اللبنانيين على طوائفهم، الأمر الذي أعاد الأدبيات الطائفية بقوة إلى البلاد بعدما ألغتها الساحات، ودخلت قوى 14 آذار (الاسم الذي حملته القوى السياسية المنبثقة من "ثورة الأرز") في صراع أحجام. وهذا بالتحديد ما أدى في المحصلة إلى انفجار وحدتها وتفتتها أجزاء ضعيفة ومتباينة.

وإذا لم يستطع "الثوار الجدد" المحافظة على وحدتهم وصلابتهم ولا طائفيتهم، فهم محكومون بخسارة مماثلة لخسارة "الثوار القدامى".

طبعا هناك الكثير ليضاف لكن "أحكام المقالات" تفرض التوقف عند هذا الحد، إلا أنه لا بد من الإشارة إلى أن ضمان المستقبل يفترض أخذ تجربة "ثورة الأرز" في الاعتبار، فتلك أنتجت تحريرا من المحتل، وهذه لا بد من أن تنتج "تحررا" من "التسلبط".

زعامات ذاك الزمن سارعوا إلى أخذ "ثورة الأرز" قبل أن تكتمل إلى تسوية. المهم الآن أن يحول "شباب هذا الزمن" دون أخذ "ثورة الوطن" إلى تسوية، قبل أن يحققوا أهدافهم المعلنة والمضمرة، وذلك حتى لا يأتي يوم فتسألهم ثورة جديدة الأسئلة التي يطرحونها اليوم هم علينا...

اقرأ للكاتب أيضا: انتفاضة لبنان 2019: القصة

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG