Accessibility links

جدلية القانون والعدالة


قصة "نيبال" لم تكشف فقط عن حجم بشاعة لا إنساني في داخل مرتكب الجريمة وقد تجرد من إنسانيته، لكنها تكشف أيضا في تداعياتها عن بشاعة كبيرة إجرامية وشريرة يحملها كثيرون بوعي أو بدون وعي

مالك العثامنة/

كأب لديه ابنة وحيدة، كنت مؤرقا لأيام على إيقاع أخبار اختفاء ثم "مقتل" طفلة بشكل بشع والعثور على جثتها ذات الثلاث سنوات في مستودع خردة بجانب منزل ذويها.

مئات الحالات تشبه تلك الحالة البشعة على هذا الكوكب تحصل دائما، لكن تلك الحالة كانت قريبة لوجداني وبكل وجعها ربما لأني من ذات المدينة الأردنية، ولأن فيسبوك "الذكي باختياراته الإخبارية" كان يقذف في وجهي كل يوم أخبار تلك الجريمة بتصاعدها الدرامي البشع.

رحم الله الطفلة نيبال، وكل طفل أو طفلة في هذا العالم قضى ضحية المجتمعات الممسوخة

بعد اكتشاف جثة الطفلة البريئة من خلال الكلاب البوليسية، واكتشاف المجرم ـ حسب الأمن الأردني ـ كان الأرق المصحوب بكل وجع الدنيا على الطفلة وتخيلي المستمر للحظاتها الأخيرة كاف لضخ كل الأدرنالين في دمي ليفور ويشتعل غضبا لا ينطفئ، واستمر ذلك لأيام ولا يزال في داخلي كمد على تلك الطفلة واسمها "نيبال" رحمها الله؛ أما الغضب.. فذلك مسار آخر!

لعل في تلك المقدمة توضيحا كافيا لكمية المشاعر الإنسانية في داخلي وداخل كثيرين من البشر أمام تلك الجريمة البشعة، لندخل بوعي إنساني إلى "المسار الآخر" من الحكاية.

♦♦♦

قصة "نيبال" لم تكشف فقط عن حجم بشاعة لا إنساني في داخل مرتكب الجريمة وقد تجرد من إنسانيته، لكنها تكشف أيضا في تداعياتها عن بشاعة كبيرة إجرامية وشريرة يحملها كثيرون بوعي أو بدون وعي، وهي مشاريع مخصبة كامنة في داخل كثيرين لتتحول ربما إلى مجرم ما بذات البشاعة التي حملها قاتل "نيبال".

كنت مثل "الكثيرين" هؤلاء، في قمة غضبي وأمر على تعليقات مطالبة بالإعدام للقاتل المقبوض عليه "وهو حدث لم يبلغ الثامنة عشرة" بل وأمر على تعليقات تطالب حرقه حيا، وقطع رأسه في ساحة عامة دون أن أتوقف عند تلك التعليقات، لكن رأيا مخالفا وبقوة لفت انتباهي خصوصا أن صاحبته من نشطاء القانون المعروفين فبادرت بالاتصال بها أسألها معاتبا على رأيها بأن يتم معاملة الجاني المجرم "كحدث"، فما كان من الناشطة الحقوقية المحامية هالة عاهد، إلا أن أكدت لي رأيها "القانوني" فدخلت معها في حوار حول جدلية "إعدام" الحدث القاتل والذي ستكون عقوبته وفقا لقانون الأحداث الحبس لسنوات، وهو كذلك صاحب أسبقيات كثيرة.

وقمت بالرد وبغضب على المحامية وهي التي تقود حملة "ضعيفة في مواجهة رأي عام غاضب" مؤكدا أني مع إعدام المجرم حتى لو كان حدثا.. وتوقفت عن التعليق أكثر، لأني وجدت نفسي سأنزلق بغضبي إلى قول ما قضيت عمري أحاربه وأكافحه من ترويج للعنف الدموي.

ردت عليّ الأستاذة هالة عاهد في حوار هادئ وعقلاني بعد يومين، لأكتشف وجهة نظر أشمل وأكثر عمقا تتعلق بالعنف المجتمعي الشامل حول الجريمة نفسها، عنف تولد بغضب مجتمعي كشف مكنونات تميل للقتل والدم وتتلذذ بفنون التعذيب. وهو أيضا عنف قاس سابق للجريمة، تواطأ فيه بالاشتراك، كل من المجتمع والدولة بمؤسساتها ومنظومة القانون غير المفعل حين غفلت عن رعاية من يحتاج الرعاية منذ طفولته لينتهي مجرما سفاحا أنبته المجتمع نفسه ورعاه رافدا الشر ليكبر فيه حتى وصل منتهاه.

الأسئلة المشروعة تتضمن، من بين ما تتضمن، سؤالا "جنائيا" مفترضا يتعلق بالجاني الحدث في هذه الجريمة أو غيرها من جرائم قد تحدث؛ هل من المحتمل أن نطرح فرضية أن يكون الجاني شخص آخر غير الحدث وتم تقديم هذا الحدث كبش فداء للاستفادة من عقوبات الأحداث فينجو الجاني ونضع الحدث في خانة السفاحين ضمن منظومة إصلاحيات هي بحد ذاتها تحتاج إلى إصلاح لتكون ضمن مستوى التأهيل للأحداث؟

ألم يكن هذا الحدث المتهم بالقتل نفسه صاحب قيود جرمية ولم يتم إصلاحه وقيل إن عدد القيود في تاريخه الجنائي تجاوز القيود الخمسة؟ ألم تكن بين تلك القيود التي تسربت إلى الصحافة عنه ما يتعلق بالتسول والنبش في القمامة؟ ألم يكن المجتمع والدولة كلاهما على علم أن ذويه أصحاب قيود جرمية مثل إجباره على التسول وقيود سرقة وهو ما يشي بعدم أهليتهم لحضانته وتربيته؟ أين كان المجتمع "الملائكي" حينها وأين كانت الدولة ومنظومة قوانينها التي تحمي المجتمع؟

أكتب ما أكتبه لا دفاعا عن المجرم (أيا كان) فصورة الطفلة نيبال لا تزال وجعا في القلب

هل لأصوله (والأردنيون يعرفون أصول هذا الحدث) سبب في إهماله خصوصا أنه من فئة مسحوقة تكاد تعتبر بلا هوية وأشبه ما تكون بجماعات "البدون"؟

أكتب ما أكتبه لا دفاعا عن المجرم (أيا كان) فصورة الطفلة نيبال لا تزال وجعا في القلب، لكن ما يحدث من تداعيات تفضحها وسائل التواصل الاجتماعي ما هي إلا عنف مجتمعي مضاد ومقابل وموازي، لا يقدم حلولا بل يفرض مشاريع أزمات مستقبلية والحال كذلك في العقل الجمعي كله.

بصراحة.. لا أعرف بعد كل هذا التفكير إن كنت أطالب بتطبيق القانون والقانون فقط على هذا الحدث إن ثبت جرمه فعلا، أم أنني لا أجد العدالة تامة ومنجزة في القانون وحده؟! لكن ما أنا متأكد منه هو ضرورة الثورة في الوعي المجتمعي وهي طريق طويلة شاقة في وجدان مجتمعي ممسوخ بالعادات ومشوه بالمقدسات الكثيرة جدا وتم تزوير الوعي فيه ليختفي الإنسان كحالة كرامة وحقوق منه.

ورحم الله الطفلة نيبال، وكل طفل أو طفلة في هذا العالم قضى ضحية المجتمعات الممسوخة.

اقرأ للكاتب أيضا: وكم ذا بمصر..

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG