Accessibility links

جريمة 'اللا شرف'


اعتصام في الأراضي الفلسطينية ضد ما يسمى بـ"جرائم الشرف"

بقلم عبد الحفيظ شرف/

تتكرر جرائم "اللا شرف" (تسمى جرائم الشرف) في عالمنا العربي في الآونة الأخيرة، وآخرها ما حصل في مدينة جرابلس السورية عندما قتل الشاب بشار أخته رشا، التي تبلغ من العمر ستة عشر عاما بشكل وحشي بسلاحه الرشاش بعد أن طلب منها أن تستعد للموت.

لم تمتلك هذه الفتاة اليافعة، التي انتابها الشعور بالذنب بحكم عادات وتقاليد المجتمع الرجعي، إلا أن ترضخ لأخيها المجرم دون مقاومة تذكر وهي ترتجف خوفا بجانب الحائط وانتظرت طلقات رشاشه التي أودت بحياتها.

قتل بشار أخته ليغسل عاره! على الأقل هو يعتقد بذلك. الأكثر إيلاما هو أن مصور الجريمة كان يطلب من الأخ إطلاق المزيد من الرصاص ليغسل عاره. هو لا يعلم أن هذا الفعل ومرتكب هذه الجريمة هو العار الحقيقي على الإنسانية، وليس هذه الفتاة المسكينة التي كانت ضحية الشاب الذي اغتصبها وضحية أخيها المجرم الذي قتلها وتفاخر بهذا الفعل وصور فعلته القذرة لينشرها متفاخرا ومبتهجا بها. فعل فعلته بدم بارد وأنهى حياة شابة يافعة بكل برود، وثقة أن ما فعله هو الصواب.

رحمك الله يا رشا؛ أنت ضحية هذا المجتمع الذكوري الفاسد، الذي يريد أن يحاسب النساء على علاقتهن بأجسادهن

إحصائيا، تحصل نحو سبعة آلاف "جريمة شرف" في الشرق الأوسط والهند وباكستان سنويا. وهذا رقم كبير للغاية يشهد زيادة سنوية في الفترة الأخيرة. تنتهي حياة سبعة آلاف إنسانة سنويا. يقتلهن الذكور في عائلاتهن، وهم يعطون أنفسهم الحق لإنهاء حياة شابات ونساء بحجة غسل العار بالدم. في كثير من الأحيان لا يتم التأكد من حصول ما يفترضه هؤلاء أنه خطأ، وينصب الذكر نفسه قاضيا ومنفذا للحكم الذي يصدره.

ومن المفارقة أن مجتمعاتنا العربية تعتبر شرف الأسرة أو العائلة أو القبيلة متعلقا بالنساء وأفعالهن، فإن "أخطأت" فهي تستحق القتل؛ بينما قد يرتكب الرجال في هذه العائلة أخطاء كثيرة، لكن في مفهومنا المجتمعي أغلب أخطاء الذكر تغتفر وتنسى ولدينا المثل العربي الشهير والمعروف في سورية وهو "الشاب ما بيعيبه شي" (لا شيء يعيب الشاب).

اقرأ للكاتب أيضا: نوبل والعم سام

تتشدق مجتمعاتنا العربية بالتدين وأننا شعوب مسلمة ومتدينة، لكننا، مع الأسف الشديد، ننتقي من الإسلام ومن الفكر ما يتماشى مع أهوائنا فقط. يوحّد الإسلام عقوبة الزنا على الرجل والمرأة. ولا يجوز تطبيق العقوبة إلا بعد التثبت من وجود أربعة شهود شاهدوا حصول الإيلاج بأعينهم، وهذا ما لم يحصل على مر التاريخ. لا أريد مناقشة حكم الزنا شرعا، وهو الجلد، لكنني أرغب في الإشارة إلى "جرائم الشرف" فعل اجتماعي ـ ثقافي وليس ديني.

المرأة، إنسانة وأخت وأم وبنت وزوجة، هي مصدر عز وفخر

مع الأسف الشديد، هناك كثير من القوانين اللابشرية في عدد من الدول العربية لحماية المجرمين في هذا النوع من الجرائم، وكثير من القوانين تعتبر "جريمة الشرف" عذرا مخففا للعقوبة، أي أن القاضي يصدر عقوبة مخففة أو عفوا في بعض الأحيان على مرتكب الجريمة في عالمنا العربي بينما هي جريمة مكتملة الأركان وهي جريمة قتل عن عمد وعن سابق تصور وتصميم.

رحمك الله يا رشا؛ أنت ضحية هذا المجتمع الذكوري الفاسد، الذي يريد أن يحاسب النساء على علاقتهن بأجسادهن ويحملهن مسؤولية تعرضهن للاغتصاب أو أي نوع من أنواع الاعتداء الجنسي؛ بينما يسامح الرجل على الكثير من الأخطاء.

اقرأ للكاتب أيضا: سورية ما بين أردوغان وبوتين ونتنياهو

المرأة، إنسانة وأخت وأم وبنت وزوجة، هي مصدر عز وفخر. هي إنسانة لها طريقة تفكيرها الخاصة بها ولها اهتماماتها، وحريتها مكفولة باختيار شريك حياتها أو من تحب وهي حرة ومسؤولة عن اتخاذ قراراتها بشكل كامل مثلك تماما أيها الرجل.

لساني منعقد عن الكلام وقلمي جفت كلماته التي أستطيع من خلالها التعبير عن حزني الشديد لما حصل من جرائم اللا شرف التي انتشرت في الفترة الأخيرة، ومن ضياع حقوق النساء في عالمنا العربي؛ كنت أظن أننا قطعنا شوطا لجهة تطوير مفهوم حقوق النساء في مجتمعاتنا إلا أن انتشار مثل هذه الجرائم يعيدنا سنوات ضوئية للوراء.

ـــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG