Accessibility links

جناية النقل على العقل


أصبح المزاج الفكري/ الثقافي السائد مزاجا نقليا

محمد المحمود/

يمكن تصور التاريخ العقلي للمسلمين على امتداد أربعة عشر قرنا؛ بوصفه ـ من حيث الإجمال ـ تاريخَ سيادة الوعي النقلي/ الأثري على الوعي العقلي. الاستثناءات العابرة المستفزة لهذا الوعي السائد لا تلغي هذا الحكم العام. والتاريخ/ تاريخنا الذي كانت مساراته تتحدد بقوة الانعطافات الجماهيرية التي تضطر السياسات النخبوية لمجاراتها، يشهد بأن "المنقول/ المحكي عن سلف ما"، هو الذي كان يشكل وعي هذه الجماهير، ومن ثم يرسم معالم حركة التاريخ لأمة الإسلام على اختلاف وتباين الظرف التاريخي وتنوع المعطى الجغرافي.

على امتداد تاريخنا الطويل، كان "النقل" ينتصر على "العقل" في كل معاركه التي يراهن فيها على التحولات الحاسمة في وعي الجماهير. صحيح أن المدرسة الاعتزالية/ العقلية شهدت نوعا من الازدهار في مرحلة الانفتاح الثقافي النسبي في العصر العباسي الأول، وصحيح أيضا أنها بدأت تأخذ طريقها إلى الوعي الجماهيري المثقف آنذاك، لكنها سرعان ما انحسرت، وبدا انحسارها واضحا/ مفصليا في محطتين: الأولى كانت الانقلاب المتوكلي الذي بدأ سنة232هـ على يد الخليفة العباسي المتوكل، والثانية كانت 433هـ بصدور "الاعتقاد القادري" الذي قرّر به الخليفة حيثيات العقيدة الرسمية التي تجرّم الاعتزال.

على امتداد تاريخنا الطويل، كان "النقل" ينتصر على "العقل"

ما بين هذين التاريخين (232هـ ـ 433هـ) كانت ثمة معارك على مستوى المشهد الثقافي/ الفكري بين التيار العقلي والتيار النقلي. استمرت المعارك طويلا، ولكنّ الحرب في الأخير حُسمت لصالح التيار النقلي التقليدي بفعل عوامل كثيرة؛ لم يكن العامل السياسي هو الوحيد فيها، وربما لم يكن هو الحاسم دائما، بل الأقرب أن انتصار النقل على العقل كانت نتيجة غير مباشرة للمواضعات الفكرية التي بدأت تتحكم في معادلات الواقع؛ بدليل أن التشيّع كان مجرما مع الاعتزال في كل من الانقلابين: الانقلاب المتوكلي والاعتقاد القادري، ومع هذا ازدهر ولم ينحسر، بل تأسست له دولة كبرى أوائل القرن السادس عشر الميلادي؛ ربما لأنه كان ينتمي إلى ذات المزاج النقلي السائد في العالم الإسلامي، المزاج الذي أصبح هو منطق التدين العام.

لقد أثبتت القرون الثمانية أو التسعة التي أعقبت الهزيمة السياسية لتيار الاعتزال أن هذا التيار (وهو الممثل الفكري/ الديني للعقل في تاريخنا القديم) غير قادر على الاستجابة لتطلعات/ حاجات الجماهير وفق ظروفها التاريخية، وبالتالي تخلت عنه الجماهير (التي لم يأخذها في حسابه بشكل جديّ منذ البداية)؛ والنخب من ورائها، على حد سواء. ويرى محمد أبوهلال أن مكمن الضعف الذي وسم المدرسة الاعتزالية وحكم عليها بالانحسار، ثم الانقراض، يرجع لثلاث ثغرات:

  1. الثغرة الأولى: عجزها عن تطوير نظرية سياسية موحدة ومتجانسة، إذ كانت رؤاهم السياسية مختلفة في كثير من مفاصل الإشكال السياسي آنذاك، كالتفضيل بين الخلفاء الأوائل، وفي الأحق بالخلافة (أي بصرف النظر عن التفضيل) وفي شرط القرشية للإمامة العظمى/ الخلافة. وأيضا، فسلوكها السياسي متضارب بين المعارضة والتأييد، ومال بعض شيوخها للتشيع.
  2. إعراضها عن بلورة فقه خاص، مع أنها تعلم أهمية الفقه في المجتمع الإسلامي، ولهذا رضي المعتزلة بالفقه السني. وسبب هذا الإعراض وقوف بعض شيوخها الأوائل موقفا سلبيا من الحديث والإجماع.
  3. نزعتها النخبوية المترفعة عن العامة والجمهور، وهي نزعة حالت دون الانتشار الأفقي (إسلام المتكلمين، محمد أبو هلال، ص178/179/180).

وبالنظر إلى هذه الثغرات الثلاث التي ذكرها أبو هلال نجد أنها ثغرات متعاضدة/ متفاعلة، فالقضايا الساخنة في بداية تشكل التراث الإسلامي، تلك القضايا التي يشتبك فيها المقدس الديني مع الحراك السياسي (وهو الحراك الذي ترتبط به المصالح الفئوية ارتباطا حاسما) لم تكن محسومة في الإطار النظري العام لفكر الاعتزال.

يصعب على الكتل الجماهيرية التي كانت مأخوذة بالحراك السياسي الديني المبهر للإسلام (وهو الحراك الذي صنع إمبراطورية كبرى من أمة بدائية) أن تصطف مع تيّار لم يُبَلور رؤية حاسمة فيما تراه هي قضايا حاسمة، كمسألة الأحق بالخلافة بعد النبي، وهي المسألة التي لا تحدد مشروعية الماضي بقدر ما يحدد مشروعية الحاضر، وكشرط القرشية، وهو الشرط الذي كان سيضع هوية الإمبراطورية الإسلامية على المحك، وسيفتح الباب لحركات انفصالية ذات بعد قومي ومذهبي. ولا شك أن الموقف الحائر بين التأييد والمعارضة يُعبّر ـ على الأقل في تمظهره العملي المدرك جماهيريا ـ عن انتهازية سياسية، أكثر مما يعبر عن توظيف الممكن في سياق المتاح على أرض الواقع.

إذا كان العقل الإسلامي على امتداد تاريخه ـ كما يؤكد بعض الباحثين ـ عقلا فقهيا فإن إعراض المعتزلة عن تكوين فقه خاص، فقه يتلاءم مع مجمل الرؤية الاعتزالية، يعني ـ في بعده النهائي ـ أنهم لم يسهموا بشكل فعّال في صناعة العقل الإسلامي السائد/ الفاعل في الواقع؛ فضلا عن كون الفقه من حيث كونه قانون النظام الاجتماعي هو القادر على بلورة هذا الواقع بما يخدم الرؤية الاعتزالية المنحازة للعقل. لهذا كانت علاقة المعتزلة بالمجتمع الإسلامي الأوسع علاقة شبه انفصالية، فبقدر ما كانوا معنيين به حدّ التفاعل الجدلي مع قضاياه الرئيسة؛ إلا أنهم كانوا يخاطبونه من وراء أسوار قلعته، تلك القلعة الفقهية التي كانت ـ وربما لا تزال ـ تحكمه من الألف إلى الياء.

وإذا كان الخطاب الفقهي، والقصصي، والحكائي السِّيَري، قادرا على إشعال وإشغال الذاكرة الجمعية للملايين التي تحدد توجُّهاتُها حركةَ الواقع، فقد كان الخطاب العقلي/ العلمي النخبوي يعجز عن مجرد الإسهام في تشكيل معالم هذه الذاكرة، وبالتالي، بقي عاجزا عن الحفاظ على استقلالية حضوره؛ لأنه ـ في النهاية ـ لا يستقيم له وجود دونما علاقة عضوية بهذا المجتمع، أو على الأقل بأحد مكوناته الفاعلة.

وإذ تراجع عنه الدعم السياسي مبكرا، وتعرضت طبقة النبلاء الأرستقراطية التي كان يتموضع في سياقاتها لخسائر تجارية فادحة نتيجة تحول طرق التجارة في العصر الإسلامي الوسيط، فقد كانت من الطبيعي أن يتراجع، بل ويختفي تماما؛ في الوقت الذي كان فيه قادة النضال العسكري ضد الحملات الصليبية والمغولية يحتاجون إلى من يثير حماس الجماهير، ويشعل فيهم روح التضحية والفداء بالمرويات النقلية التي يفهمونها ويتفاعلون معها، وليس إلى يجترح لهم مسارات التفكير العقلاني الذي يحتاج لمراحل متطاولة من الإعداد ومراكمة الجهود؛ حتى يأتي بالنتائج المرجوة على أرض الواقع.

إن من ينظر إلى تاريخ الإسلام، بما فيه التاريخ السياسي والفكري، يجد أن تلك الفترات التي كان الإمبراطورية الإسلامية تشعر فيها بالخطر من تلك الغزوات/ الحملات التي تجتاحها من الشرق/ المغول ومن الغرب/ الصليبيين، كانت هي بذاتها الفترات التي شهدت انقطاع التواصل المعرفي مع الآخر، وخفوت بل وموت حركة الترجمة، وفي الوقت نفسه هي الفترات التي شهدت ظهور المدونات النقلية الكبرى التي تؤسس لمشروعية النقل على حساب مشروعية العقل؛ حتى وصل الأمر بالعقل الفقهي/ العقل الإسلامي إلى إغلاق باب الاجتهاد اكتفاء بما أنتجه الأوائل؛ ليصبح الفقه/ العقل الإسلامي مجرد استعادة آلية لمقولات الأسلاف.

كبار شيوخ النقل يقودون حركة الوعي الاجتماعي، ومن ورائها يتحكمون بحركة التاريخ

بإمكانك أن تتأمل حال حركة الفكر عموما، العلمي وغير العلمي، بما فيها الفكر الديني، وتحديدا منذ نهاية القرن الخامس الهجري وإلى مشارف العصر الحديث، وستجد أن الإبداع شبه معدوم، إن لم يكن معدوما تماما، وسترى أن كل الجهود الفكرية ليست إلا جمعا وتنضيدا وتعضيدا وتفسيرا وتبريرا تقليديا للجهود السابقة؛ وفقا للانحيازات الفكرية والمذهبية والسياسية. وسترى كيف تكرّس العقل النقلي في هذه القرون إلى درجة أصبح فيها التفكير مجرد استرجاع معلومة، والعلم مجرد حفظ مقولات الأسلاف؛ حتى أصبح الجديد بدعة، والإبداع خطيئة، والخارج على هذه المواضعات النقلية التقليدية يستحق النفي والإقصاء.

إذن، أصبح المزاج الفكري/ الثقافي السائد مزاجا نقليا، وتدريجيا استطاعت التيارات الغالبة جماهيريا أن تجبر النخب العلمية ـ بشكل غير مباشر ـ على التنازل التدريجي عن بقايا تراث العقل المتسرب في المصنفات التي تعتمدها كمرجعية ثقافية/ علمية. ومن هنا وجدنا كبار شيوخ النقل يقودون حركة الوعي الاجتماعي، ومن ورائها يتحكمون بحركة التاريخ.

اقرأ للكاتب أيضا: صحيح البخاري والتراث النقلي

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG