Accessibility links

"حادث سير" شديد الانفجار


سيدة مصرية تبكي في مكان الانفجار

مالك العثامنة/

قبل أكثر من أسبوعين بقليل، قررت الخطوط البريطانية وقف رحلاتها إلى مصر، وقامت الدنيا ولم تقعد في الإعلام المصري على قرار الشركة البريطانية، والذي تسرب من خلفه أن هناك احتمالية وجود مشاريع حوادث إرهابية محتملة في مصر، وهي تهديدات جدية قامت لندن بتوصيل معلوماتها إلى القاهرة، لكن جمهورية الضباط وإعلامها المسحور (لا الساحر)، ضج بالهجوم على القرار، والسخرية من فكرة أن يمس أحد مفهوم الأمن والأمان في مصر.

وقعت الواقعة المؤسفة والمؤلمة والموجعة، وانفجرت سيارة مفخخة بالكامل أمام معهد الأورام في القاهرة نفسها، وكان الضحايا هم أولئك المسحوقين و"الغلابة" والمهمشين الذين يشكلون وللمفارقة غالبية المصريين.

المؤسف والمؤلم والموجع أكثر، أنه بينما كان المصريون بعد الانفجار المريع والرهيب الذي شهده الجميع ينتظرون تفسيرا ـ أي تفسير ـ منطقي لكل ما حدث، كان الإعلام المصري (الرسمي والأهلي داخل مصر) ملتزما الصمت بانتظار الأوامر. تلك الأوامر التي تأتيه عبر تطبيق "واتساب"، وقد تجمع مدراء التحرير في مجموعات كالقطعان، ينتظرون إشارة الراعي الرسمي الأمني للتحرك.

ستبقى حادثة معهد الأورام، وهي جريمة إرهابية، مفتوحة على كل التفسيرات والتكهنات

كانت وزارة الداخلية أيضا ملتزمة الصمت، لقد استغرقها الأمر 15 ساعة لتصدر أول تفسيراتها التي بقيت نفسها بلا تفسير، بيان هزيل يعكس حجم المأساة في جمهورية الضباط، وكان البيان الأول للداخلية المصرية بالنص: "أثناء سير إحدى السيارات الملاكي المسرعة عكس الاتجاه بطريق الخطأ بشارع كورنيش النيل أمام معهد الأورام بدائرة قسم شرطة السيدة زينب اصطدمت بالمواجهة بعدد 3 سيارات الأمر الذي أدى إلى حدوث انفجار نتيجة الاصطدام".

طبعا، لا يوجد من يمكن له أن يتفوق على المصريين في السخرية، فامتلأت وسائل التواصل الاجتماعي المصرية بالنكات "الموجعة" على قصة حادث السير تلك!

كان الإعلام المصري بمدراءه وجهابذته ونجومه "الهوائيين" على أهبة الاستعداد، لا للتغطية المهنية أو تقديم التفسيرات حسب المتيسر أو الذهاب إلى روايات شهود العيان (وهم بالمئات)، بل على كامل الأهبة والانتباه بانتظار تلك الرنة المميزة على الهاتف النقال منبهة إلى وصول رسالة الضابط الأمني المسؤول عن كل الإعلام المصري في جمهورية العسكر؛ هناك رئيس تحرير واحد لكل الإعلام المصري، وهو شبح عسكري يعطي توجيهاته عبر تطبيق "واتساب".

♦♦♦

لم تكن حرية الصحافة بكامل ألقها قبل عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي بعهود مختلفة، لكن الصحافة المصرية كانت دوما قادرة على اجتراح المعجزات بخرق القمع ومقاومته بمليون حيلة وحيلة. كان هناك دوما هامش حرية يتنفس فيه الإعلام قليلا.

لكن، وبعد توليه ولايته الأولى بقليل، وفي صيف عام 2014، كان الرئيس السيسي واضحا في إشارته أمام جمع على هامش احتفالية إعلان تدشين محور تنمية قناة السويس ليقول إن الزعيم الراحل جمال عبد الناصر كان محظوظا ".. لأنه كان بيتكلم والإعلام كان معاه".

كان هذا حجر الأساس الأول لدولة السيسي، "الإعلام معي". وفعلا حدث ذلك كله في جمهورية الرعب، فهو الإعلام الذي أطاح بالرئيس المخلوع "الإخواني" محمد مرسي، وهو الذي حمل السيسي بطلا خرافيا لا مثيل له في التاريخ من وزارة الدفاع إلى سدة الحكم، وهذا كله شاهده الرجل وأدرك فيه ومنه خطورة الإعلام وأدواته، وحين تموضع على الكرسي، قرر أن يكون هذا الإعلام كله له.. تأميم مطلق شامل وكامل لحساب الرئيس، والرئيس وحده لا شريك له.

♦♦♦

من هنا، فإن حادثة معهد الأورام، وهي جريمة إرهابية مكتملة الأركان، ستبقى وتظل مفتوحة على كل التفسيرات والتكهنات، لأن الإعلام المصري أفلت اللحظة من بين يديه المكبلتين بهاتف ذكي ينتظر أوامر وتوجيهات.

هناك رئيس تحرير واحد لكل الإعلام المصري، وهو شبح عسكري يعطي توجيهاته عبر تطبيق "واتساب"

من يضمن بعد اليوم أن لا اتهامات ستطال غير الذين اتهمتهم الحكومة المصرية من مليشيات إخوانية (وشخص مجرم بامتياز مثل وجدي غنيم الذي ترتبط به حركة حسم قد يكون مشتبها نموذجيا)، لكن من يضمن أن الحادث كله لم يكن إلا تدبيرا خبيثا لإعادة التجييش ضد الإخوان أو لأسباب أخرى.

من يضمن وصول الحقائق إلى المصريين، في سياق عجز مهني واضح حد الشلل في اتخاذ القرارات حول النشر؟

من يستطيع وقف "الإشاعات" من أن تتحول إلى حقائق في عالم الفضاء الإلكتروني، والذي استطاعت هواتف المصريين العاديين جدا حول مكان الانفجار أن تبث من خلاله ما عجزت ماكينة الإعلام المصري المشلولة أن تبث لو جزءا منه في الساعات الأولى للعملية الإرهابية؟

رحم الله الأبرياء من المصريين، وحمى الله مصر وأهلها من إرهاب الدولة وإرهاب المتطرفين والكارهين.

اقرأ للكاتب أيضا: تونس: يموت الرئيس ويبقى الوعي حيا

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG