Accessibility links

حتى لا تكون واشنطن في خدمة "حزب الله"


عناصر من مخابرات الجيش اللبناني تحاول تفريق تظاهرة في الطريق المؤدي إلى قصر رئاسة الجمهورية

فارس خشّان/

يتعاطى "حزب الله" مع الثورة التي اندلعت في لبنان، على اعتبارها "مؤامرة أميركية"، تماما كما يتعاطى "الحشد الشعبي" مع الثورة المتواصلة في العراق.

هذا النهج في التعاطي قررته طهران، وفرضت لغته وأدبياته ووسائل مواجهته، بمواقف صريحة عبّر عنها المسؤولون الإيرانيون بعدما أفتى بها المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية الإسلامية علي خامنئي.

ويفيد هذا النهج بأنّ إيران ومحلقاتها في كل من لبنان والعراق تُدرج الثورتين الشعبيتين اللتين تسببت بهما المآزق الاجتماعية والاقتصادية الكبرى، في سياق المواجهة المفتوحة مع الولايات المتحدة الأميركية التي، وباعتراف رئيس الجمهورية الإيرانية حسن روحاني، قد أدخلت بلاده في مشكلة مالية واقتصادية غير مسبوقة منذ قيام النظام الحالي.

إذا كانت واشنطن لا تفكر بالإقدام على أي فعل إيجابي، يصبح لزاما عليها أن تلتزم بالحياد التام

وقد نجحت طهران، بإدراجها الثورة اللبنانية في خانة "المؤامرة"، بتخويف الثائرين، الأمر الذي دعا كثيرين منهم إلى تقديم "أدلة البراءة" بتوجيه رسائل، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، إلى وزير الخارجية الأميركية مايك بومبيو، يطلبون فيها، تعليقا على المواقف المتعاطفة مع الثوار، إلى عدم التدخل في شؤونهم.

ويستشرف المراقبون من ذلك أن الثوار في لبنان يخشون على أنفسهم من أن يكونوا "أضرارا جانبية" في معركة لا ناقة لهم فيها ولا جمل. فطهران لا تتعاطى مع شعوب الدول التي تسيطر عليها عبر ميليشياتها المحلية الطائفية إلا على أساس أنها وقود في حروبها المفتوحة حيث ترتأي مصالحها، فيما واشنطن تملك ما يكفي من الوقت، لتنتظر، وما يفيض من مسافة، لتراقب، وما يطمئن من قدرات، لتقرر ما يناسبها من الخطوات.

متظاهرون عراقيون يحتفلون بفوز منتخب بلادهم على منتخب إيران في مباراة ضمن تصفيات كأس العالم 2022
متظاهرون عراقيون يحتفلون بفوز منتخب بلادهم على منتخب إيران في مباراة ضمن تصفيات كأس العالم 2022

وإذا كانت الثورتان اللبنانية والعراقية قد دمغتا الهيمنة الإيرانية بالفشل بتكبيدها الشعبين أثمانا باهظة لحروبها الباردة عسكريا والفاشلة اقتصاديا، فإنّها دمغت الولايات المتحدة الأميركية بتهمة الاستخفاف بمصير الشعوب.

وبهذا المعنى، فإنّ الإدارة الأميركية تحتاج إلى جهد استثنائي وفكر خلّاق حتى لا تخرج من هاتين الثورتين خاسرة في الوجدان حتى ولو ربحت بالنقاط في الميدان.

كيف ذلك؟

لنحصر نقاشنا بالمسألة اللبنانية.

إنّ "حزب الله" ينسب الثورة إلى مؤامرة أميركية، وهو ينشط لإفشالها وإحباط نتائجها، بحيث يتطلّع إلى إعادة الحال إلى ما كانت عليه، قبل اندلاعها، ولهذا هو يمارس كل ما يملك من وسائل "إقناع" من أجل إنتاج حكومة جديدة بموازين القوى نفسها التي كانت عليها الحكومة المستقيلة، أي أنه يريد حكومة خاضعة تماما لسيطرته، كما يضع كل ثقله للحيلولة دون أي مسّ بولاية الرئيس ميشال عون الذي كان خياره، ولا يزال، ناهيك عن أنه يرفض كل بحث في إجراء انتخابات نيابية مبكرة، وهو الذي يسيطر على الأغلبية في المجلس النيابي الحالي.

متظاهرة في الطريق المؤدي إلى قصر رئاسة الجمهورية اللبنانية في بعبدا
متظاهرة في الطريق المؤدي إلى قصر رئاسة الجمهورية اللبنانية في بعبدا

في المقابل، ماذا تفعل واشنطن؟

إنها تصدر بين الحين والآخر موقفا من هنا وهناك، وتعطي الناس انطباعا بأنّها تستغلهم في حرب تأكيد نفوذها خارجيا، وتسمح لمناوئي الثورة باستغلال هذا السلوك اللفظي الأميركي في معركة إحباط الثورة وتحطيمها، بتحويل الثوّار إلى مجموعات تآمرية.

الإدارة الأميركية تحتاج إلى جهد استثنائي وفكر خلّاق حتى لا تخرج من هاتين الثورتين خاسرة في الوجدان

بناء عليه، فإن واشنطن معنية أن توائم بين سلوكها من جهة أولى وبين مصلحة الشعب الثائر من جهة ثانية، فإذا كانت لا تفكر بالإقدام على أي فعل إيجابي، يصبح لزاما عليها أن تلتزم بالحياد التام، حتى على مستوى المواقف، لأن عكس ذلك يصب في خدمة من تدرجهم في خانة الإرهابيين ضد شعب يثور من أجل لقمة العيش ومن أجل دولة الرعاية ومن أجل الحكم النزيه والكفوء.

أمّا إذا كانت واشنطن معنية بدفع الأمور إلى الأمام، مستفيدة من الزخم الثوري، فعليها، بدل الكلام، أن تُمضي قدما في تنفيذ ما تفكّر به، وتترجمه تحذيرات جدية تسبق القرارات المفترضة.

إن الشعوب التي تثور حاليا، لا تملك ترف الانتظار ولا تقوى على تصويرها كما لو كانت جزءا من مؤامرة، فالثائر يواجه مخاطر الموت والحرمان والجوع، ولا يجوز لأي طرف أن يحوّله إلى أضحية على مذبح صراع الأمم.

اقرأ للكاتب أيضا: "ثوّار لبنان" ضد "حزب الله"... بالصدفة!

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG