Accessibility links

'حجاب العقل' بين التعسف والتسامح


نساء سعوديات في معرض جدة للكتاب

حسن منيمنة/

إذا كان التكفير، ومعه التفسيق والتعصية، أداة الضربة القاضية للمتسلح بالدين في خصومته القطعية مع من يخالفه، فقد يبدو أن بعض الصف المقابل اختار بدوره أدوات من الصنف عينه، تقع على رأس هدفها وقوع الهراوة. هو التسفيه وما يتبعه من الطعن بصحة العقل وسلامة المنطق. وإذا كان المعتمد على الدين كأساس غالبا ما يعيّر غيره ممن لا يرى رأيه بغياب الدين، مسقطا الحاجة إلى النظر بأقواله، فإن المعارض كثيرا ما يعيبه بدوره لافتقاده للتنوير، ويكتفي بهذا القدر. هي أسلحة، أكثرها تفعيلات متعدية، تضافر إشهارها يؤدي إلى التقوقع وضياع الحوار. قد تكون تلك سمة الواقع لدى جيل التشرذم الفكري في واقع الكسب المعرفي المتحقق اليوم، لكن أن يندرج من هو من قامة فراس السوّاح في هذا الخط، فمسألة تستدعي التعليق.

قلّة هم الكتّاب في المحيط العربي الذين تطرّقوا إلى ما استفاض فراس السوّاح في اعتباره والنظر به، مرتقيا من الدراسة التاريخية إلى تبيان التدرج الحضاري المتجاوز للمكان والمتابع لترقي الإنسان. بل من النادر أن يجمع المفكر بين الاطلاع الموسوعي الجامع والقدرة المنهجية المتماسكة والرؤية التأطيرية الواضحة، والتي تقدّم للقارئ المادة المعرفية الثرية بالمعالجة النقدية المنتجة. وهذا ما فعله فراس السوّاح في نتاجه الغزير. ولأنه بالتالي مرجعية يركن إليها، لا يمكن المرور مرور الكرام على تغريدته القائلة: "أنا لا أقبل طلبات صداقة من المحجبات. حجاب الرأس يعني حجاب العقل".

ليت التسامح إزاء القناعات، وإن اختلفت، يكون الأساس، لا التعسف في الحكم

كلام فراس السوّاح هذا ينضوي على إساءات متداخلة يتكرر حضورها في الخطاب الفكري العربي. أي أن فراس السوّاح ليس من أوجدها، ولكن اعتناقه لها يضاعف من أذاها.

أولا، هذا القول هو تعميم مجحف، إذ يزعم أن "حجاب الرأس يعني حجاب العقل". فوضع الحجاب قد يكون للطاعة بالمعنى الديني، وذلك بطبيعة الأحوال حقّ مطلق للتي ترتئيه سواء اعتبرت أن الطاعة نقلية دون الحاجة إلى عقلنتها أو وجدت فيها ما يدخلها في إطار التوافق بين العقل والنقل. ولكن الحجاب قد يكون كذلك لاعتبارات اجتماعية ومحلية، خارج إطار الواجب الديني، ولا يستقيم إنكار حرية الامتثال بهذه الاعتبارات لمخالفتها توقعات ما تستقي مادتها من خارجها.

فألا يكون الحجاب مستساغا في الغرب مثلا، لا ينفي أنه في العديد من المجتمعات يدخل في إطار تأطير المرأة لصورتها الذاتية، تواضعا أو جمالا، أو في إطار رفض الاستفحال الذكوري من خلال وضع الحدود التي تخرج المرأة المعنية من الاستهداف، مع ما يصاحب ذلك من مضاعفة للحرية لا إنقاصها. المسألة ليست بالتالي "مواكبة العصر"، حيث "العصر" هو الرأي الأحادي للمجتمعات التي تفترض الأعلوية، بل المسألة هي حرية الاختيار والتعبير عن الذات في الملبس كما في سائر الأشكال والمضامين الثقافية. ليس هذا من باب التعميم المضاد والذي ينفي بأن الحجاب قد يكون كذلك أداة تكبيل، ولكن من باب رفض التعميم الابتدائي في التغريدة، والذي يجعل العلاقة بين الحجاب وغياب العقل علاقة واجبة، حتمية أو سببية.

وقول فراس السوّاح هذا هو أيضا تخصيص ظالم، إذ هو يستهدف النساء دون الرجال، فلا يذكر صنفا من الرجال يرفض طلبات الصداقة منه، لعلامة الصلاة على جبينه مثلا. من حق النساء في الشرق والغرب على حد سواء أن يتساءلن عن السرّ بأن الصراع بين الرجال حول الدين والدولة، والعقل والنقل، والطاعة والمعصية، غالبا ما يمرّ عبر أجسادهن وملابسهن، ليشيّئهن ويجعل منهن في أكثر الحالات مفعولات بهن، لا فاعلات. من هؤلاء من يريد المرأة "حرمة" لا تتحرك إلا بأمر الوصي أو المحرم، ومن أولئك من يعترض أنها كذلك وأن زعم لها المساواة، فهي إن اختارت ما لا يروق له من وضع للحجاب ينكر عليها خيارها ويلزمها بما يراه من وجوب رفعه. بل هي تحاكم لرفع الحجاب في بعض الشرق ولوضعه في بعض الغرب، فيما الرجال هنا وهنالك بحلّ مما عليها مواجهته من قيود. ليت فراس السوّاح تجنب تخصيص المرأة بقاعدة أخرى من قواعد العقاب الظالم.

والأخطر في كلام فراس السوّاح هو أنه سابقة تؤسس لقياس ضار. ماذا لو كان الكلام مختلفا بالتفاصيل مطابقا بالصيغة: "أنا لا أقبل طلبات صداقة من السافرات. سفور الرأس يعني غياب العفة"، "أنا لا أقبل طلبات صداقة من الزنوج. دكانة البشرة تعني غياب القدرة العقلية" (على ما فنّده في هذا الشأن الزميل بابكر فيصل بخصوص وجه فكري آخر من سوريا)، "أنا لا أقبل طلبات صداقة من السوريين. أن تكون سوريا يعني أن ترضى بالذل تحت حذاء النظام أو وطأة الإرهاب"، إلى ما هنالك من الكلام المشحون بالظلم والفساد. فإذا كانت أية من هذه المقولات تثير الاستهجان، فإن الأولى إعادة النظر بكلام فراس السوّاح والذي عليه تأسست.

قول فراس السوّاح هذا هو أيضا تخصيص ظالم، إذ هو يستهدف النساء دون الرجال

فيما العديد من النساء المحجبات يخضن غمار العلم والمعرفة ويعملن وينظرن في مختلف الحقول، فإن أعداد الرجال والنساء من الذين اختاروا لأنفسهم حجابا للعقل، دون ارتداء حجاب الرأس، لا شك غفيرة. فينتفي مع هذا وذاك إمكانية الربط بين الحجابين. ولكن، حتى مع المجاراة بقبول هذا الربط الخاطئ، فالسؤال للفاضل فراس السوّاح هو: من هن النساء (محجبات أو غير محجبات) واللواتي يتقدمن بطلبات صداقة منكم، حيث أنكم، على أهمية مقامكم الفكري وحقّكم بكل تقدير، لستم نجما فنيا أو داعية دينيا. ألسن تلقائيا من الباحثات عن المعرفة ومن الساعيات إلى النظر بالتحديات الفكرية التي يذخر بها إنتاجكم؟ إذا كانت القناعة أنه بالفعل ثمة ربط بين الحجابين، أليست فرصة ضائعة ألا يجري الاستفادة من خطوتهن الإقدامية المتمثلة بطلب الصداقة لرفع حجاب العقل، سواء بقي حجاب الرأس أو ارتفع؟

ليت التسامح إزاء القناعات، وإن اختلفت، يكون الأساس، لا التعسف في الحكم، مع توسيع نطاق قاعدة الإمام الشافعي بما يفيد أن "رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي من خالفني خطأ يحتمل الصواب".

وانطلاقا منه، لتجنيب مرجع فكري هام على مستوى الثقافة العربية ككل تهم التعميم المجحف، والتخصيص الظالم بحق النساء، والإقدام على سابقة يقاس عليها للأذى، وبتفويت الفرصة رفع الحجب الفكرية، دعوة صادقة للأستاذ والمعلّم فراس السوّاح أن يسحب التغريدة ويعلن بطلان مضمونها.

اقرأ للكاتب أيضا: 'الحروب الصليبية': مظلومية مستحدثة ذات عواقب

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
XS
SM
MD
LG