Accessibility links

حذار منطق القوة، حذار نظرية الهزيمة


ترامب بعد توقيع قرار الاعتراف الأميركي بالسيادة على الجولان

حسن منيمنة/

الصاروخ الذي سقط في إحدى ضواحي تل أبيب وأدى إلى إصابة سبعة إسرائيليين اعتداء واضح يستحق الإدانة. على أنه من حقّ من يتابع أقوال الرئيس الأميركي وتعليقاته أن يتساءل، إذ يسمعه يصبّ جام غضبه على هذا "العدوان المنحط" ويجيّره لمنح رئيس الوزراء الإسرائيلي الاعتراف بملكية الأراضي السورية المحتلة، أن يتساءل عن سرّ الكيل بمكيالين لدى هذا الرئيس غير المعتاد، والذي يكتفي بأدنى العبارات اللازمة يوم يكون الضحايا من المسلمين، كما في حالة مجزرة نيوزيلندا وأقل منها في حالة الاعتداء القاتل على المسجد في كيبيك، ويستفيض بالنعوت والشتائم حين يكون فاعل الجرم منهم.

بل الأصح أنه ليس لهذا المتابع أن يتساءل، إذ ليس للرئيس سرّ هنا، فهو واضح في أقواله ومواقفه، وفي تفضيلاته ومنفرداته، ومنطلقه هو منطق القوة، هي بيده فيفعل بالتالي ما يرتئيه، شاء من شاء وأبى من أبى. كذا هو الحال إذ تصدر وزارة الخزينة عقوبات مقرّرة بحق كوريا الشمالية، لينبئها عبر تغريدة بأنه لا يريد هذه العقوبات إكراما لكيم جونغ أون وللصداقة التي تجمعه به. وكذا هو الحال بشأن الجولان السوري المحتل، والذي لم يعد كذلك رسميا في الولايات المتحدة بعد توقيعه على قرار الاعتراف بضمّ إسرائيل له. على أن القرار الرئاسي لا يصادر حرية الرأي، فيبقى الجولان أرضا محتلة على هذه السطور، والتي كما يشير التنويه عند أدناها، "لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال".

لا يبدو بأن الاعتدال هو ما ينتظر الشرق الأوسط والولايات المتحدة والعالم في المستقبل المنظور

دونالد ترامب هنا يتجاوز ما أرساه من سبقه من الرؤساء في الولايات المتحدة ويتجاهل مقتضيات القانون الدولي، ولكنه يبقى بالمطلق ضمن صلاحياته الرئاسية، والتي يقرّها له الدستور، والتي منحه إياها الناخب في الانتخابات الرئاسية الماضية عام 2016، ومساءلته عن هذه الممارسات لا تكون إلا من خلال صندوق الاقتراع يوم يسعى إلى التجديد عام 2020.

ثمة جمهور واسع في الولايات المتحدة يكاد يستنفد طاقته على الاستهجان من مواقف هذا الرئيس وأقواله. غير أنه كذلك، ثمة جمهور آخر يرى في غطرسته ووقاحته جوابا شافيا لتفاوت كان راسيا في المرحلة الماضية.

فعلى مدى العقود، تفتقت مخيلات أعداد لا تحصى من المعلقين والمحللين في شتى أنحاء العالم بأشكال مبتكرة من أشكال الطعن بالولايات المتحدة. يوم تقدم على أية خطوة، قولهم ما أقدمت إلا بقصد الشر، ويوم تمتنع وتتحفظ، رأيهم ما امتنعت إلا للإمعان في الشر. فلدى هذا الصف الواسع من أصحاب الآراء القطعية الولايات المتحدة هي الشر بعينه. ينسبون لها المؤامرات والمكائد من نسج خيالهم، يخوضون معها معاركهم الوهمية، ثم يعلنون إسقاطها والانتصار عليها وسط صراخ "الموت لأمريكا". وإذا ساندت الولايات المتحدة إسرائيل انطلاقا من التماهي وقناعة الاشتراك في القيم، فلأن إسرائيل أو "الصهيونية العالمية"، أو عند سقوط الحياء "اليهود" دون تعمية أو تجميل، يتحكمون بمفاصلها ويسيطرون على اقتصادها وسياسييها، على اعتبار أن المواطن فيها، كما تقول الأغنية اللبنانية التي تسأل "كيف الأميركي حكم؟"، هو "الغبي بين الأمم".

وكأن المواطن الأميركي لا يسمع ولا يفقه. بل هو يتابع هذه الترهات حليما في معظم الأحيان، ساخطا غاضبا في بعضها. ويكاد هذا المواطن، حين يقدم ترامب على فعلٍ آخر من أفعاله الصادمة، أن يسأل حفل المستهجنين في الخارج، علامَ الاستهجان، ألم يسبق لكم أن قرّرتم أن أميركا الشر والشر أميركا. هاكم إذن.

الجانب التعبوي في سلوك ترامب واضح. والمنحى السلطوي في ممارساته ظاهر ومثير للقلق. غير أن قبول مواقفه، وإن جاءت مرتجلة، غالبا ما يأتي من أوساط ضمن طاقمه وخارجه ترى الإيجابية في الهزّات التي يتسبب بها، ولا سيما في موضوع الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، والإسرائيلي العربي عموما.

لا يستقيم، من وجهة نظر شائعة في الولايات المتحدة، أن تكون البلاد العربية شاسعة كما هي وثرية كما هي، وأن لا تستقبل الفلسطينيين وتوطّنهم في رحابها، كما فعلت إسرائيل بمن خرج أو أخرج من اليهود من هذه البلاد العربية نفسها. ولا يصحّ، بالنسبة لأكثرية هنا، أن تبقى إسرائيل عرضة للتهديد بالمحو والإزالة، وأن يبقى أهلها أهدافا للقتل، يحتفل جوارهم كلما سقط أحدهم ضحية للعدوان. مساعي التسوية والحلول التدريجية، على ما تراه هذه الغالبية، لم تؤدِّ إلى النتائج الموعودة، بل يبدو معها وكأن هدف الجانب العربي هو الاستعاضة عن الإزالة الفورية لإسرائيل بالدحر على مراحل.

وعليه، جاء من يتقدم بطرح وجوب إنزال الهزيمة الكاملة بالعرب والفلسطينيين، لإقناعهم بحتمية القبول بإسرائيل. تصوّر الهزيمة العربية هنا مخالف إلى حد ما للتصور المقابل، أي هزيمة إسرائيل من وجهة نظر عربية. فمن يدعو في الصف العربي إلى إنزال الهزيمة بإسرائيل يريد على أقل تقدير إخراج "الكيان الدخيل" من المنطقة وإنهاء تجربة الدولة العبرية، وصولا إلى طرد اليهود وإعادتهم وهم صاغرين إلى "بلادهم الأصلية". وفي صف من يدعو إلى الهزيمة العربية من يريد إجلاء من تبقى من أهل فلسطين، على الأقل من الضفة، وربما حتى من إسرائيل نفسها، غير الغالب هو نظرية هزيمة عربية أقل حدة، تدعو وحسب إلى إرغام الفلسطينيين وعامة العرب إلى التسليم بأن إسرائيل باقية وصولا إلى التخلي عمّا يجاهرون به أو يكتمونه من رغبة بالقضاء عليها.

اجتماع منطق القوة لدى دونالد ترامب ونظرية الهزيمة لدى أنصار إسرائيل المؤثرين هو ما يفسّر المنحى الذي تتوالى على أساسه الخطوات في الموضوع الفلسطيني، من تفكيك وتصفية للأجزاء وتبديل في طبيعة المحفّزات والرادعات. والقراءة المعقلنة هنا هي أن اعتماد منطق القوة يعفي خطة العمل من الحاجة إلى التبرير وإلى التوافق مع منظومة دولية لم تتمكن على مدى العقود من إحراز أي تقدم لحل المشكلة في الشرق الأوسط، فيما اعتماد نظرية الهزيمة يدفع في اتجاه غير مسبوق في المنطقة، ولكنه اتجاه أثبت جدواه في أماكن أخرى، مثل ألمانيا واليابان مع نهاية الحرب العالمية الثانية.

على أن الفجوات في هذه القراءة المعقلنة كبيرة إلى حد تبدو معها هذه القراءة وكأنها غشاء هش للتهور والارتجال من ناحية، وللجشع عند المقدرة من ناحية أخرى.

دونالد ترامب هنا يتجاوز ما أرساه من سبقه من الرؤساء في الولايات المتحدة

ذلك أن نجاح نظرية الهزيمة في كل من ألمانيا واليابان تأسس على واقع أن كل من هذين البلدين كان معتديا على جواره منتهكا فيه للحرمات والحقوق. لا سبيل البتة إلى إقناع المجتمع الفلسطيني بأن التجاوزات التي ارتكبت باسمه ترتقي إلى حد الإجرام الذي يستوجب خسارته لحقّه في أرضه وكرامته. فالهزيمة، إن هي أنزلت فعلا بهذا المجتمع، لن تدفعه باتجاه إعادة الاعتبار لإساءاته القاضية المفترضة بحق غيره، بل سوف تشكل وحسب كظما للشعور المستتب بالظلم يلحقه انفجارات عندما تسنح الفرصة.

ومنطق القوة الذي يعتمده رئيس الولايات المتحدة لا يحقق الشعور بالرهبة إلا لدى من هم للتوّ على خنوع. في حين أن أثمانه كثيرة، فهو يحفّز ويحشد من يرى فيه عدوانا على حقّه وكرامته، ويخذل من كان يعترض على تشويه صورة الولايات المتحدة، إذ يتطابق الواقع المتحقق مع الصورة القبيحة السالفة، والأخطر أنه يؤسس لسابقة سوف تتكرر. فالقوة اليوم بيد الولايات المتحدة، ولكنها ليست محصورة بها، وإسقاط الولايات المتحدة لمشروعية المنظومة الدولية هو عودة أكيدة لشريعة الغاب. والولايات المتحدة نفسها لن تكون بمأمن من عواقبها.

يعود الفضل للولايات المتحدة قبل غيرها في إقامة المنظومة الدولية القائمة على مقدار من الإنصاف ومعيار من المساءلة المعنوية بعد الحرب العالمية الثانية، على درب ترسيخ قيم الحرية والعدالة والمساواة كأسس عالمية. في الانحدار إلى منطق القوة وفي اعتماد نظرية الهزيمة تفريط مأساوي بما أنجز في هذا الصدد وتأسيس لمراحل جديدة طويلة من المواجهات والخراب المادي والمعنوي. مع فائق الأسف، لا يبدو بأن الاعتدال هو ما ينتظر الشرق الأوسط والولايات المتحدة والعالم في المستقبل المنظور.

اقرأ للكاتب أيضا: 'الاستبدال الكبير': حاصل الآن وفي كل آن

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG