Accessibility links

حرائق لبنان: الشجر والبشر


ترفع شعار "الثورة" على يدها خلال تظاهرة في زوق مكايل شمالي بيروت

فارس خشّان/

في الأسابيع الماضية، جلت على كثير من "المناطق الخضراء" في لبنان، على اعتبار أنها آخر ما تبقى من شواهد جمال "بلاد الأرز". وكنتُ حيث حللت ألتقط الصور لهذه الطبيعة الخلّابة. لكن ما صدمني أنه في كل كادر تصويري واسع تبرز الفضلات التنكية والبلاستيكية والنفايات المتناثرة، بكثافة، على العشب اليابس، وتحت الشجر العطشان.

وتحت أشعة الشمس الحارقة التي تبسط أشعتها على هذه النفايات كما على أي شيء آخر في الأرض، تذكرتُ تربيتنا المدنية، بحيث كانوا يعلّموننا، ومن دون هوادة، وجوب أن نلملم، بعد كل نزهة في الأحراج، فضلات ما نشربه وما نأكله، حتى لا نتسبّب بإشعال حرائق تقضي على مساحات البلد الخضراء، على اعتبار أن كثيرا من الفضلات، ولا سيما منها "التنكية" والبلاستيكية، يمكن أن يتحوّل، بتفاعله مع الشمس إلى فتيل فتّاك.

كان بديهيا أن تصاب الثروة الحرجية بكارثة، في بلد أُصيبت كل ثرواته بالكوارث

وأثرتُ موضوع هذا الخطر المحتمل مع مسؤول بلدي التقيته، صدفة، بالقرب من أحد الأحراج، فرفع كتفيه، في إشارة إلى العجز وقال لي متمتما: "ما تراه هنا ليس المشكلة، وإزالته لا تغيّر شيئا، طالما أن أحدا لا يستطيع أن يعرف، من دون خطة شاملة تتولاها الحكومة، حجم النفايات التي سبق ورُميت في أماكن مخفية من أحراجنا وودياننا".

ولكن حين عدتُ إلى العاصمة، حيث لم يترك الباطون أي مساحة خضراء يمكن الاعتداد بها، أهملتُ مشاهداتي و"سمعيّاتي"، فالناس، بكبارهم وصغارهم، بأثريائهم وفقرائهم، بحكّامهم ومواطنيهم، بمصرفييهم وبيئييهم، مأخوذون إلى حدّ الهوس بالدولار "النادر" والغلاء الفاحش والبطالة المتزايدة والإفلاسات المتنامية والحكومة المتشظية والطائفية المتفشية والعهد القوّي، و"سوبرمان" الذي أهمل التستّر بنبيل فوزي (الاسم المعرّب لكلارك جوزف كنت) وفضّل عليه جبران جرجي باسيل، ومصير المصارف في ظل النظريات المالية لـ"حزب الله" الذي يقود لبنان، بنجاح باهر، ليكون جزءا من "محور الفقر" الإقليمي.

متظاهر في لبنان كتب على ظهره: "أقاتل كي أعيش"
متظاهر في لبنان كتب على ظهره: "أقاتل كي أعيش"

وأتى الحريق. كان على الموعد الذي لم يعره أحد انتباها.

كان ضخما. موجعا. مكلفا. دمويا.

وكانت سلطة مكافحته عاجزة. مربكة. تتأتئ، فتدخّلت الطبيعة لتنقذ ما تبقى، فأمطرت السماء بردا وسلاما، على غير موعد.

وكانت قوى استغلال هذا الحريق فاعلة. واثقة. طليقة اللسان.

قوى تجيد إشعال الحرائق الوطنية برمي نفاياتها الفكرية ـ الطائفية ـ الشعبوية ـ اللاأخلاقية، في ما تبقى من مساحات خضراء في النفوس اللبنانية.

هي قوى العجز عن البناء والاستفحال في التهديم.

وقوى التقصير عن الانقاذ والإمعان في التصحير.

وقوى تخفي ما تراكم من أمراضها النفسية بسعيها الحثيث إلى التورط في جريمة اغتيال معنوي لشخصية من يخاصمها فكريا.

وقوى تجد في الهزيمة مناسبة لإعلان الانتصار، وتضرب موعدا مع اللبنانيين لتحقيق "انتصار جديد" من النوع نفسه وبالتكلفة نفسها.

هو حريق "الثورة الشعبية" باسم الحرمان والجوع والفقر الذي سيولّد مزيدا من الحرمان والجوع والفقر

وقوى ترى أن المحافظة على الحرية تشترط رمي من ينطقون بما لا يناسبها في المعتقلات.

كان بديهيا أن تصاب الثروة الحرجية بكارثة، في بلد أُصيبت كل ثرواته بالكوارث. فالمتواطئ على سيادة لبنان وعلى مصالح لبنان وعلى رفاهية لبنان، من أجل إعلاء شأن "أجندة" إقليمية تمتد من سوريا إلى إيران، يستحيل عليه أن يحمي الأحراج والشجر والممتلكات والأرواح من حريق نما في رحم الوسخ والنفايات والتلوّث والسخرية من الفكر الوقائي والخطط الاستباقية واللهاث لتعيين الأزلام على حساب الكفاءات.

الحريق الذي لفّ لبنان وحوّله من أخضر زاه إلى فحم أسود ليس خارجا عن المألوف، بل هو تجسيد لحريق من نوع آخر اجتاح لبنان، هو الحريق المالي والاقتصادي الذي يُطلب ممّن تسبب بإشعاله في رحم الفساد واللاكفاءة واللاوطنية، في إطفائه.

وأمام كل هذه الحقائق التي تحرق القلب، ثمّة من لا يخجل من هؤلاء المسؤولين عمّا يصيب لبنان من ويلات، بالفعل والتواطؤ، من الحديث عن مؤامرة.

وهذا اللجوء إلى نظرية المؤامرة للتهرّب من المسؤولية، أنتج حريقا أخطر، لا يمكن إطفاؤه لا بالطائرات ولا بالمضخات.

حريق سبق وعرفته دول الإقليم... هو حريق "الثورة الشعبية" باسم الحرمان والجوع والفقر الذي سيولّد مزيدا من الحرمان والجوع والفقر.

اقرأ للكاتب أيضا: ثوّار لبنان وشعب "ناطورة المفاتيح"

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
XS
SM
MD
LG