Accessibility links

حرب اليمن وحبر خاشقجي... ودمه


ثمة طفل يمني يموت كل عشرة دقائق لنقص في الغذاء أو الدواء

بقلم عريب الرنتاوي/

أخفق جمال خاشقجي في حياته، في منع الحرب على اليمن، أو في وقفها بعد اندلاعها، بيد أنه ظل ناقدا لعبثيتها منددا بكلفتها الإنسانية بوصفها الكارثة الأسوأ في أزمتنا الراهنة... لكن الإعلامي السعودي البارز، نجح بعد مماته، في وضع الأزمة اليمنية على سكة الحل السياسي ليحقن بدمائه التي أريقت على أرض قنصلية بلاده في إسطنبول، دماء عشرات ألوف اليمنيين من رجال ونساء وشيوخ وأطفال...

دم خاشقجي كان مضاء أكثر من حبر قلمه؛ سيذكر التاريخ أن خاشقجي، الذي قتل لمواقفه المناهضة لسياسات حكومته وحروبها الرعناء المغامرة، أوقف بمقتله واحدة من أكثر مغامرات محمد بن سلمان رعونة وكارثية.

فكرة "الإدارة الذاتية" التي تحدثت عنها واشنطن تروق كثيرا للإمارات، وربما تروق إليها أكثر من حليفتها السعودية

لم نكن "نضرب بالرمل" عندما تنبأنا بعيد جريمة اغتيال خاشقجي، بأنها ستفتح أفقا لحلول ومقاربات سياسية، بعيدا عن لغة "الحسم العسكري" و"قعقعة السلاح"، وتحديدا على مساري الحرب اليمنية والحصار المضروب على قطر... فالمجتمع الدولي الذي طالما خضع لـ"ابتزاز" المملكة الثرية، لن يفوت فرصة تورطها في جريمة إسطنبول النكراء، وما ترتب عليها من تآكل لمكانة المملكة وانهيار لصدقية قيادتها وتهميش لصورتها، قبل أن ينتزع من الرياض تنازلات مؤلمة في الشأنين اليمني والقطري ويملي عليها الجنوح لخيار الحلول السياسية والتفاوضية.

ثمة إجماع دولي قد تحقق في غضون بضعة أسابيع، حول ضرورة وقف الحرب في اليمن. قررت واشنطن أن تشرين الثاني/نوفمبر، هو شهر التفاوض والحل السياسي. قدم الجنرال ماتيس تصورا يقوم على إنشاء شريط حدودي آمن على امتداد الحدود السعودية ـ اليمنية، واعتماد وحدات إدارة ذاتية لمختلف المكونات، في عودة شبه مباشرة، لفكرة الأقاليم الستة التي سبق تداولها بين اليمنيين، في مسعى لتلبية الحاجة السعودية للاطمئنان على أمن حدودها و"داخلها" من صواريخ الحوثي.

اقرأ للكاتب أيضا: عن أقلام الصحافيين... وأصابعهم

بدا الموقف الأميركي مدعوما بقوة من بريطانيا والاتحاد الأوروبي؛ حركت روسيا دبلوماسيتها لضمان موطئ قدم لها في ترتيبات الحل النهائي للأزمة اليمنية... فيما عبر أفرقاء الصراع في اليمن، وإن بتفاوت وحذر، عن الاستعداد للتجاوب مع "المبادرة الأميركية" لتحريك المياه الراكدة في جهود الحل السياسي وتفكيك استعصاءاته.

اللافت أن السعودية، التي ظلت تفضل خيارات الحسم العسكري وتبشر بقرب إلحاق الهزيمة بالحوثيين، أعربت عن استعدادها للانخراط في مساعي الحل، وسط معلومات متواترة، يتناقلها "مغردون" سعوديون على اطلاع واسع، تؤكد أن الرياض ومحمد بن سلمان على وجه الخصوص، ينويان الاستجابة للمسعى الأميركي ويستعجلان الخروج من "المستنقع اليمني"، لاسيما إن جاء ذلك في سياق صفقة أشمل أو تفاهمات أوسع، تنجي ولي العهد السعودي من ورطته في جريمة اغتيال خاشقجي.

ما ينطبق على السعودية ينطبق بدرجة أكبر على دولة الإمارات العربية المتحدة، التي أخذت على عاتقها إحكام قبضتها على جنوب اليمن وموانئه، ولعبت دور رأس الحربة في معارك الساحل الغربي المحتدمة على مقربة من مدينة الحديدة... على الرغم من أن الإمارات ليست ضالعة ولا متهمة في حادثة خاشقجي، إلا أن حلفها الوثيق مع محمد بن سلمان قد تسبب لها بحرج شديد، وهي تسعى للتخلص منه من خلال الظهور بصورة الساعي المتحمس لتحقيق السلام واستعادة الاستقرار لليمن، وليس في صورة المحارب القاسي الذي تسبب بالكوارث الإنسانية للمدنيين اليمنيين.

ثم إن فكرة "الإدارة الذاتية" التي تحدثت عنها واشنطن تروق كثيرا للإمارات، وربما تروق إليها أكثر من حليفتها السعودية؛ ذلك أن مشروعا كهذا، قد يمهد الطريق لانفصال الجنوب في كيان واحد أو كيانين (عدن وحضرموت). وفي كلتا الحالتين، تبدو أبوظبي مستفيدة من تطور كهذا، فأكثر ما يهمها هو إحكام سيطرتها على عدن والجنوب وما يتاح لها من موانئ يمنية، بخلاف الرياض، التي لا شك أنها متخوفة من فكرة قيام كيان حوثي على حدودها بإدارة ذاتية، قد تجعل منه تهديدا مزمنا لها وربما قاعدة لنفوذ إيران في خاصرتها الجنوبية.

أيا كانت مخرجات العملية السياسية لليمن، فإن أولى الأولويات في هذا البلد المنكوب يجب أن تعطى لوقف إطلاق النار

لم تتضح بعد الملامح النهائية للمشروع الأميركي للحل السياسي للأزمة اليمنية، ولهذا السبب لم تتبلور بعد، مواقف الأطراف من هذا المشروع.. لكن فكرة الشريط الأمني على الحدود، وما تستبطنه من ترتيبات وإجراءات، ستكون موضع شد وجذب مع الحوثيين، فهؤلاء وإن نجحوا في مد سيطرتهم إلى مناطق في الداخل السعودية، وشكلوا تهديدا جديا لمدن الجنوب السعودي وقراه وبلداته، إلا أنهم ما زالوا يستذكرون، أن حروبا ستة خاضها الرئيس الراحل علي عبد الله صالح ضدهم من قبل واستخدمت فيها الأراضي السعودية لتنفيذ عمليات التفاف من خلف خطوطهم، سواء بالنسبة لقوات الرئيس صالح، أو لبعض المجموعات السلفية، التي كان يستقدمها ويوظفها لمحاربة الحوثيين. هنا من المتوقع أن يطالب الحوثيون بأن تكون الترتيبات الأمنية في الشريط الحدودي، متبادلة ومتوازنة، وتضمن مصالح الطرفين، لا طرف واحد.

أما "الحكم الذاتي" للمكونات والأقاليم التي تقيم عليها، فهي فكرة إشكالية يخشى كثير من اليمنيين من تحولها إلى تقسيم واقعي، وربما رسمي ونهائي في وقت لاحق، لليمن... وسنشهد عودة للحوارات والسجالات التي شهدتها البلاد، زمن الحوار الوطني ومبادرة عبد ربه منصور هادي لتقسيم اليمن إلى ستة أقاليم فيدرالية. وسيتصاعد هذا السجال أو سيخبو تبعا للخرائط التي سترسم الحدود بين هذه الأقاليم، وما إذا كانت ستعطي كل منها ما يعتقد أنه حصة مناسبة لحجمه ومصالحه ومكانته.

اقرأ للكاتب أيضا: أين يمكن إدراج 'مسيرات العودة الكبرى'؟

أعرب الحوثيون مبدئيا عن تحفظهم على فكرة "الحكم الذاتي". أطراف يمنية أخرى أعربت عن قلقها من مغبة تكريس التوسع والتمدد الذي سجله الحوثي بعدما دانت لسيطرته، محافظات الشمال، بما فيها العاصمة صنعاء. هنا، وهنا بالذات، سيحتدم السجال والخلاف بين المكونات المختلفة. وهذه قد تكون واحدة من أبرز العقد التي يتعين على الوسيط الدولي مارتين غريفيت تذليلها، قبل الولوج في ترتيبات نقل السلطة وإعادة بناء أجهزة الدولة الأمنية والعسكرية، وتشكيل الحكومة والمرجعيات، توطئة لإجراء الانتخابات وتحقيق الوئام الوطني والشروع في تقليب صفحات ملف إعادة الإعمار المكلف أو باهظ الكلفة بالأحرى.

أيا كانت مخرجات العملية السياسية لليمن، فإن أولى الأولويات في هذا البلد المنكوب يجب أن تعطى لوقف إطلاق النار وإدخال المساعدات الإنسانية فورا ومن دون إبطاء، فثمة طفل يمني يموت كل عشر دقائق لنقص في الغذاء أو الدواء. وتلك وصمة عار في جبين الضمير الإنساني العالمي.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG