Accessibility links

حرية التعبير والأمن القومي والقانون


اعتصام ضد القمع في بيروت

د. نجاة السعيد/

من المسلم به عالميا أن الحق في حرية التعبير هو حق إنساني أساسي له أكبر قدر من الأهمية. حرية التعبير هي مفتاح الإنسان لحقوقه الأساسية وكرامته. وفي الوقت نفسه، من المتعارف عليه عالميا أن هذا الحق ليس حقا مطلقا وأن كل ديمقراطية أسست قيودا على حرية التعبير خاصة عندما يتعلق ذلك بأمنها القومي.

إن أكثر ما يميز العالم الغربي عن العربي هو سن القوانين التي تحمي الدولة والفرد، وبالتالي لا الدولة تستغل غياب القوانين بقمع حرية التعبير ولا الأفراد يستغلون غياب القانون لخدمة أغراضهم الشخصية باسم الحرية.

تاريخيا، كثيرا ما استخدمت الحكومات الأمن القومي للحد من حرية التعبير وقد لعب القضاء دورا رئيسيا في معالجة هذا التوتر وحله من خلال ممارسة التوازن بين الأمن القومي وحماية حقوق الإنسان، بما في ذلك حرية التعبير وفق شروط ومعطيات معينة.

لقد سمح العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ببعض القيود على الحقوق والحريات الأساسية، بما في ذلك حرية التعبير، شريطة أن يحدد القانون هذه القيود لخدمة هدف مشروع معين كحماية الأمن القومي. فالمادة 19 لا تضع قيودا على حرية التعبير إنما تحدد الشروط التي بموجبها تقيد حرية التعبير بشكل مشروع، وقد نصت الفقرة الثالثة من هذه المادة على: "إن الشروط التي يمكن بموجبها تقييد حرية التعبير بشكل مشروع وقانوني: 1) احترام حقوق الآخرين وسمعتهم؛ 2) لحماية الأمن القومي".

ينبغي نص قوانين واضحة ودقيقة في الاتفاقات الدولية فيما يتعلق بحرية التعبير والصحافة في حالة اصطدامها بالأمن القومي

الأمن القومي هو أحد أهم الأسباب للحد من الحق في حرية التعبير. تعرف أبحاث درست العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية مصالح الأمن القومي الشرعية على أنها تهدف إلى "حماية وجود الأمة أو سلامتها الإقليمية أو استقلالها السياسي ضد أي قوة مهددة".

فهناك ثلاثة أنواع من الخطابات التي قد تؤثر على الأمن القومي بموجب القوانين الدولية لحقوق الإنسان: خطاب التحريض وخطاب الكراهية والكلام المسيء. لتقييم وتحديد ما إذا كان التحريض قد حدث، اقترحت المادة 19 أن تقوم المحاكم والجهات الفاعلة بمراجعة العناصر التالية: السياق: هل هناك تاريخ من العنف والتمييز والرقابة يستهدف بشكل خاص مجموعات محددة؟ المتحدث: هل لديه تأثير؟ هل شغل منصبا في السلطة؟ هل يمكنه التأثير على الجمهور؟ الخطاب: هل هناك دعوة مباشرة لتحفيز الجمهور للتصرف بطريقة معينة؟ هل الخطاب استفزازي أو تحريضي؟ الوسيط المستخدم: هل هو عام؟ متكرر؟ يصل إلى جماهير عريضة؟ الجمهور: ما حجمه؟ كيف يستجيب للمتحدث؟ هل بإمكانه تطبيق الخطاب؟

فبموجب القوانين الدولية حرية التعبير قد تعد تحريضا في حال كان المتحدث شخصا قد شغل منصبا رسميا في السلطة؛ وهنا نتساءل هل الذي قام به جمال خاشقجي بمهاجمة الدولة السعودية على صحيفة أجنبية قانونيا؟ لا أحد ينكر أن الذي حدث لخاشقجي داخل القنصلية السعودية في تركيا جريمة بشعة وسيعاقب من ارتكبها بأشد العقوبات، لكن ماذا عن المخالفات القانونية التي مورست أثناء عمله في جريدة واشنطن بوست، هل هذا يعد عمل صحافي وحرية تعبير؟

فجمال خاشقجي لم يكن مجرد صحافي سابق في بلده أو رئيس تحرير سابق، بل عمل منذ العام 2004 مستشارا إعلاميا للأمير تركي الفيصل (السفير السعودي في لندن ومن ثم في واشنطن ومن قبل كان مدير الاستخبارات السعودية). كما أن تغطيته للحرب في أفغانستان لم تكن مجرد تغطية صحافية بقدر ما كانت استخباراتية. أي أن هناك أسرار دولة في جعبته، ثم اتضح أنه متعاطف ومؤيد للحركات الإسلامية مثل جماعة الإخوان المسلمين، كما ذكر بيتر بيرغن، الخبير في شؤون تنظيم القاعدة في مركز أبحاث أميركي في مقابلة معه.

ووفقا لكتاب بيتر بيرغن، "أسامة بن لادن الذي أعرفه"، كان خاشقجي موجودا مع المتعاونين مع بن لادن، وقد سافر على نطاق واسع مع زعيم القاعدة في أفغانستان، وكتب الملامح الأولى له لمجلة سعودية عام 1988.

إذا حسب القوانين الدولية المنصوص عليها، لدى جمال خاشقجي جمهورا عريضا يؤثر عليه من خلال مناصبه السابقة والفرص والعلاقات التي أتيحت له من خلال عمله مع الحكومة السعودية وهذا التأثير أصبح فعالا أكثر من خلال المنصة الإعلامية العالمية التي كان يكتب بها وقد استغلتها واشنطن بوست لزيادة عدد قرائها.

إضافة إلى ذلك، اتضح أن من يكتب مقالات خاشقجي في واشنطن بوست ويراجعها ماغي ميتشل سالم، المديرة التنفيذية لمؤسسة "قطر الدولية"، وقد حاولت ماغي تبرير ذلك بأن خاشقجي كان صديقا لها ولم يكن متمكنا من الإنكليزية بما يكفي. فهذه مخالفة قانونية أخرى وهي تجنيد دولة معادية لموظف دولة سابق لتبني مواقفها وأجندتها السياسية.

لقد ذكر جيم هانسون، رئيس مجموعة الدراسات الأمنية، في منتدى الشرق الأوسط: "جمال خاشقجي ليس صحفيا ولم يكن صحفيا، فقد كان موظفا في السعودية. فالمسؤولين في صحيفة واشنطن بوست إما لم يقوموا بأداء واجبهم بالتحري عنه أو أنهم لم يهتموا بأن خاشقجي كان تحت تأثير قطر بشكل مباشر. فقد كان عليهم إبلاغه بذلك مسبقا وعدم السماح له بفعل ذلك. فعندما تمت الإغارة على شقة خاشقجي في تركيا بعد مقتله وجدوا تحويلات بنكية من قطر وهذا الخبر كان في وسائل الإعلام التركية. وبعد ذلك تمكنت وسائل الإعلام التركية وبمساعدة من قطر من خلق تلك الهجمة الإعلامية التي استمرت لأشهر ضد السعودية".

كثيرا ما استخدمت الحكومات الأمن القومي للحد من حرية التعبير

هناك مواد عديدة في القوانين الأوروبية والأميركية توضح أن حرية التعبير لها قيود وليست مطلقة. فالمادة 10 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان تحمي أنواع التعبير المختلفة، لكن هناك حالات يمكن فيها للدولة أن تفرض شروطا وقيودا معينة على ممارسة هذا الحق. فبناء على هذه المادة هذه الحريات تتضمن واجبات ومسؤوليات. لذا يجوز إخضاعها لشكليات إجرائية، وشروط، وقيود، وعقوبات محددة في القانون حسبما تقتضيه الضرورة في مجتمع ديمقراطي، لصالح الأمن القومي، وسلامة الأراضي، وأمن الجماهير وحفظ النظام ومنع الجريمة، واحترام حقوق الآخرين، ومنع إفشاء الأسرار.

أيضا نجد قانون فارا الأميركي يتطلب الإفصاح من الأشخاص الذين يعملون مع جهات أجنبية سياسية أو شبه سياسية وإعطاء تقرير دوري بالنشاطات التي يقومون بها مع تلك الجهة الأجنبية، بالإضافة إلى الأنشطة والإيصالات والمدفوعات لدعم تلك الأنشطة، وفي حالة مخالفة القانون هناك غرامة مالية تصل إلى 4.6 مليون دولار.

ففي حالة قضية خاشقجي نجدها تتضمن إفشاء الأسرار وكذلك لم يفصح للجهات السعودية التي عمل بها سابقا عن نشاطاته مع الجهات الأجنبية والأنشطة والمدفوعات التي كانت تصله منهم.

فقد كان مستشارا لسفير ومدير استخبارات سابق في السعودية ومن ثم أصبح، ليس فقط وكيلا لجهة أجنبية، بل مجندا من قبل دولة معادية للسعودية. إضافة إلى ذلك، فبحسب مصادر أميركية كان خاشقجي يعتزم تأسيس منظمة "الديمقراطية من أجل العالم العربي الآن" وكان الهدف منها جمع المنفيين العرب بعد الربيع العربي والمعارضين السعوديين المنتشرين في العواصم والمدن العالمية المختلفة والاستفادة منهم من خلال تجنيدهم بجيوش إلكترونية لتكون تحديدا ضد السعودية.

هناك مواد عديدة في القوانين الأوروبية والأميركية توضح أن حرية التعبير لها قيود وليست مطلقة

فلو نظرنا إلى ما تم فعله، فهذا يدخل في عدة خروقات قانونية أهمها: قضايا تسريب معلومات، خيانة الأمانة الوظيفية، التآمر على نظام الحكم، التجسس لصالح أطراف معادية (تركيا وقطر)، إثارة الفتنة وتفتيت المجتمع، تهديد السلم الاجتماعي.

نجد أن كثير من الدول الغربية سنت قوانين تنظم حرية التعبير لخدمة الأمن القومي وهذه القوانين يركز عليها في حالات الاضطرابات والصراعات والحروب. فمثلا في الولايات المتحدة الأميركية، أثبتت المحكمة العليا عدم فعاليتها إلى حد كبير في مكافحة الخوف بعد أعقاب هجمات 11 أيلول/سبتمبر الإرهابية والحرب اللاحقة على الإرهاب. ونتيجة لذلك، كانت حماية التعديل الأول في الدستور الأميركي الذي يتضمن حرية التعبير ضعيفة بشكل ملحوظ في أعقاب التشريع لتنفيذ الضغوط المرتبطة بمحاولة منع أي هجوم مستقبلي.

فقد مارست حكومة الولايات المتحدة انتهاكا للحريات الأساسية بهدف توفير الأمن القومي من خلال الإجراءات التنفيذية المباشرة والتشريعات التي سنها الكونغرس بعد هجمات 11 أيلول/سبتمبر الإرهابية، و"الحرب على الإرهاب" ومن ثم الحملات اللاحقة بعد الحرب في أفغانستان والعراق.

كذلك كانت أعمال الجيش خلال "الحرب على الإرهاب" بمثابة إلغاء للتعديل الأول في الدستور وخاصة فيما يتعلق بحرية الصحافة. جرت هذه الممارسات بموجب قانون باتريوت الأميركي لعام 2001 وقانون تمديد باتريوت صنسيت (PATRIOT ACT SUNSETS) لعام 2011. وقد تم سن قانون باتريوت الأميركي من أجل منح صلاحيات موسعة لوكالات الاستخبارات والتي تتعارض مع حرية التعبير المنصوصة في الدستور. وهذا جعل لدى الجيش الأميركي استراتيجية إعلامية شاملة أثناء غزو العراق في عام 2003. كان الوصول إلى الصحافة محدودا، وتم فرض منطقة استبعاد يبلغ طولها 75 ميلا، وتم دمج التقارير مع وحدات الجيش.

إننا لا نجد مثل هذه الاستراتيجيات الإعلامية في الدول العربية مع أنها مرت باضطرابات كثيرة واختراقات أمنية كبيرة خاصة بعد الربيع العربي وأزمة قطر. إن تجريم حرية التعبير في مثل هذه الظروف تعد مشكلة من وجهة نظر القانون الدولي إن لم تكن منصوصة بشكل قانوني واضح لأنها قد ينظر إليها أنها قيد لحرية التعبير.

لذلك ينبغي نص قوانين واضحة ودقيقة في الاتفاقات الدولية فيما يتعلق بحرية التعبير والصحافة في حالة اصطدامها بالأمن القومي وهذا ما ينقص كثير من الدول العربية. فالقيام بذلك ليس فقط لحماية الدولة بل لحماية الأفراد خاصة الصحافيين المعنيين حقا بمصالح بلادهم.

سن هذه القوانين سيميز بين الصحافيين الراغبين في ممارسة دور الرقيب لخدمة الوطن والمواطنين والآخرين المسيئين لاستخدام حرية التعبير من أجل مصالح شخصية وأجندات دول أخرى مستفيدة.

اقرأ للكاتبة أيضا: لمن حرية التعبير في أميركا؟

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
XS
SM
MD
LG