Accessibility links

حكاية الفساد في العراق (1/2).. التوافقية القاتلة


عراقيون يتظاهرون ضد الفساد

رستم محمود/

في العام 2003، حينما أتت النخب السياسية العراقية من مختلف دول المنطقة والعالم، لتحكم عراق ما بعد صدام حسين، اكتشفت هذه النخب بأن لا شيء حقيقيا يربطها بالقواعد الاجتماعية ومؤسسات الدولة العراقية. لم تجد تلك النخب إلا النظام الرعوي في جهاز الدولة العراقية لتؤمن ذلك لنفسها، فأدخلت إليه مئات الآلاف من المواطنين العراقيين، لتمسك مؤسسات الدولة من طرف، وتؤمن لنفسها ولاء ملايين الذين تم توظيفهم عن طريق الأحزاب السياسية لهذه النخب.

خلال سنوات قليلة، بات كل الشعب العراقي تقريبا معتاشا على جهاز الدولة، فقد قفز أعداد الموظفين والمتقاعدين الذين يتقاضون رواتب ثابتة من الخزينة العامة للدولة خمسة أضعاف عما كانوا عليه في العام 2003، ليصبحوا راهنا أكثر من ثمانية ملايين كادر، تستنزف رواتبهم أكثر من ثلثي الميزانية العامة العراقية. بينما يذهب الثلث الأخير للميزانيات السيادية، مثل مصاريف الجيش.

الفساد في العراق يتجاوز أية رغبة أو تطلع لمواجهته

يردد المسؤولون العراقيون أن خسائر العراق من العام 2003، جراء الفساد الإداري والمالي، تبلغ مئات مليارات الدولارات من دون تحديد واضح للقيمة الحقيقية بسبب تشعب الفساد. إذ تشير الأرقام الدولية بأن موقع العراق هو بالمرتبة 166 من أصل 176 دولة على سلم الدول في مستوى الشفافية في العالم. أي أن العراق من أكثر الدول فسادا في العالم.

ما تسعى هاتان المقالتان لتوضيحه، هذه المقالة والأخرى التي ستنشر الأسبوع القادم، هو القول بأن الفساد في الدولة والنظام العام في العراق يتجاوز أية رغبة أو تطلع لمواجهته، بل لا يُمكن حتى لأي برنامج أو استراتيجية سياسية أن تفعل ذلك، لأسباب مركبة، تتعلق بطبيعة هذا الفساد وأدواره وعلاقاته التكوينية مع القوى السياسية وموقع العراق في الخريطة الإقليمية وصراعاته الداخلية.

تستعيد كل حكومة عراقية نفس الأدوات والديناميكيات والأساليب التي كانت قد استخدمتها الحكومات التي سبقتها. ولا تستطيع هذه الحكومات العراقية إلا أن تفعل ذلك. ولا تستطيع أي حكومة عراقية أن تحقق أي مُنجز في مجال مكافحة الفساد، لسبب أول يتعلق بآلية تشكيل الحكومات العراقية كجهاز وظيفي، دوره شبه الوحيد وترياق بقاءه كامن في مدى مراعاة هذا الجهاز للتوافقية بين القوى السياسية، المركزية ـ الفاسدة ـ منها بشكل أساسي. ولسبب آخر يتعلق بالآليات التي تضعها هذه الحكومات لمسألة مكافحة الفساد، الآليات التي فيما لو نفذت، فإنها ستؤدي حتما لحدوث حروب أهلية، لأنها تعني فعليا محق قوة سياسية ما على يد قوة أخرى.

♦♦♦

تشكلت الحكومة العراقية الراهنة على إثر ثلاثة مآلات وصلت إليها الأحوال الداخلية العراقية، كانت تهدد بانهيار الأحوال العامة في البلاد. إذ أدت نتائج الانتخابات البرلمانية التي جرت في شهر أيار/مايو من العام 2018 إلى فوز نفس القوى السياسية التقليدية، الأمر الذي أدى للاعتقاد باستحالة إصلاح الأحوال الداخلية في البلاد عبر الآليات والسياقات السياسية الدستورية التقليدية.

في نفس الوقت، تفاقمت التظاهرات الشعبية في كامل مناطق جنوب العراق، التي كشفت مدى عجز مؤسسات الدولة العراقية عن توفير أبسط الخدمات العامة، مثل توفير الكهرباء والمياه الصالحة للشرب لسكان مدينة البصرة وباقي المدن الجنوبية، الأمر الذي كان يهدد بخروج الأحوال في جنوب العراق عن السيطرة.

وكذلك، فشلت كافة خطط واستراتيجيات الحكومة العراقية لإعادة إعمار المناطق المدمرة جراء الحرب ضد داعش. إذ تقول التقارير إن الوتيرة الحالية لإعادة الإعمار إنما تعني أن أوضاع ست محافظات عراقية "سُنية" لن تعود إلى ما كانت عليه في مرحلة ما قبل داعش في أقل من نصف قرن.

بناء على تلك الثلاثية أتت حكومة رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي، بعدما لم يتمكن أي من القُطبين الشيعيين، تحالف الإصلاح المرتبط بالتيار الصدري، وتحالف البناء الذي يعتبر الممثل السياسي للحشد الشعبي والنفوذ الإيراني، لم يتمكنا من تحقيق الأغلبية البرلمانية العراقية.

حسب تلك الخصائص، فإن الحكومة العراقية الراهنة تقوم في عملها واستراتيجياتها على أسس مراعاة التوازن بين القوى الرئيسية التي شكلت هذه الحكومة، بمعنى أكثر دقة، مراعاة حسابات ومصالح وإرادات هذه القوى، بالذات التيارات الأربعة الرئيسية، التيار الصدري والحشد الشعبي وحزب الدعوة والمجلس الإسلامي الأعلى. أي عدم مس مصالح ومكانة وأدوار وسلطات القوى السياسية الرئيسية التي توافقت فيما بينها لتشكيل هذه الحكومة.

♦♦♦

بعد مرور قرابة نصف عام من عُمر حكومة رئيس الوزراء عادل عبد المهدي، فإن الحياة العامة في البلاد ما تزال تسير بنفس الوتيرة التي كانت عليها في العام الأخير من عُمر حكومة رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي.

إذ ثمة خطاب حكومي رسمي يعتبر أن ملف مكافحة الفساد هو أساس عملها، وأنها جادة وعملية في هذا الاتجاه. في وقت تستمر فيه الأحزاب السياسي الرئيسية في فرض إراداتها وسطوتها على الحياة العامة، بالذات البيروقراطية والاقتصادية، سواء على مستوى الصفقات الكبرى التي تجري في الوزارات والمؤسسات العامة الرئيسية، أو من خلال تمددها داخل المجالس والهيئات البلدية والمحلية في مختلف المناطق؛ أي عدم الشفافية في عرض القضايا بمسمياتها وأدلتها ووثائقها ومستمسكاتها الحقيقية، بل طرح عناوين عامة إصلاحية لمكافحة الفساد، مع عدم الدخول إلى الجانب العملي والمباشر في تلك المواجهة.

♦♦♦

يوحي رئيس الوزراء الحالي عادل عبد المهدي بأنه يسعى إلى تحقيق منجز سياسي وآخر تنموي في البداية؛ سياسي على مستوى خلق توازن إقليمي في مراكز النفوذ في الداخل العراق، وتنموي يتعلق بتوفير ملفي الكهرباء والماء خلال هذه الشهور، ليحصل على دعم شعبي يميز بين حكومته والحكومات السابقة، لتشعر حكومته بنوع من الاستقرار عبر الدعم الشعبي، ليبدأ بعدها بتنفيذ بعض حملات مكافحة الفساد.

كذلك يسعى رئيس الوزراء الحالي لإكمال كابينته الوزارية، بالذات الوزارتان السياديتان الأمنيتان، الدفاع والداخلية، حتى يتأكد بأن حكومته لن تتعرض لأية ضغوط من الأحزاب الرئيسية، فالقاعدة السياسية في العراقي هي في أحقية وحتمية إكمال أية تشكيلة وزارية لفترة حُكمها كاملة.

فشلت كافة خطط واستراتيجيات الحكومة العراقية لإعادة إعمار المناطق المدمرة جراء الحرب ضد داعش

إن ما يعد به أي رئيس وزراء عراقي في مجال مُكافحة الفساد، فيما لو تحقق، فإنه يعني في جوهره إلغاء للتوافقية بين مُختلف القوى السياسية العراقية، المركزية منها بالذات، لأن العراق مُقسم توافقيا في كل شيء، حتى بموضوعة الفساد المالي والإداري. وهو يعني في جوهره توجيه ضربة كبرى إلى الأحزاب السياسية العراقية الدينية المركزية، التي أخذت بهذا المعنى المكانة التي كانت لحزب البعث فيما قبل، أي أحزاب الدولة، التي تعيش على فساد أجهزتها وما تدره من صفقات مُشرعنة على القوى المُتحكمة بها.

أي أن الآمال يجب أن تُعقد على حكومة تنتظر تحقيق مُنجز استثنائي في مختلف الملفات، للتمكن فقط من البدء بتنفيذ برنامج مكافحة الفساد، في وقت لم تتمكن فيه، وبعد مرور ستة أشهر من تشكيلها، لم تتمكن من استكمال طاقمها الوزاري، بالذات في وزاراتها السيادية، وهي لم تفعل ذلك فقط لأن الأحزاب السياسية ـ المُتهمة بأعلى مستويات الفساد ـ لم تتوافق فيما بينها لاستكمال ذلك الطاقم!

اقرأ للكاتب أيضا: التيار الصدري يخترع الدولاب

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG