Accessibility links

حكاية "بلاد نبش القبور"


يكتب شعار "لن نترك الزيتون" على شجرة في أطراف بلدة سرمين في إدلب

رستم محمود/

لم يكن ما قام به عناصر جيش وميليشيات النظام السوري من نبش لقبور مقاتلي المعارضة السورية والتمثيل ببقايا جثثهم فعلا عسكريا وجريمة جنائية عادية. فتلك الدناءة المطلقة، تؤسس لتوازنات وعلاقات مريعة بين الجماعات الأهلية والقوى المتصارعة، حاضرا ومستقبلا، تكون أدوات وسلوكيات المتصارعين صفرية تماما، دون أي قاع أو رادع.

بهذه الفعلة، يتجاوز الصراع بعده السياسي والسلطوي، ليكون، بمعنى ما، تناحرا تراجيديا على كامل الزمن، حاضره ومستقبله، وطبعا ماضيه. فنبش القبور هو استماتة من الفاعلين لأن يمحقوا في الآخرين "الأعداء" حتى تطلعهم في تذكر يوم ما، كانوا فيه أندادا للفاعلين.

لم يكن الفعل ممارسة فردية على المستوى الذاتي، قام بها "مقاتلون أوباش" ما، لم يلتزموا بأوامر وضوابط قادتهم الميدانيين. بل تكاد أن تكون سلوكا جماعيا، فعلا وتأثيرا. فصفحات التواصل الاجتماعي المحابية لنظام الأسد تخلو من أي تنديد بتلك الجريمة البربرية، وهي تكظم موافقة مستبطنة. على النقيض تماما، فإن الجماعة الأخرى تراكم جُرحا وجدانيا، يمزج مشاعر الهوان العميقة بالمظلومية الجماعاتية، مع الكثير من التطلع إلى الثأر، ولو في مستقبل بعيد.

قابلية السوريين على نبش قبور بعضهم تتأتى في بعد أساسي منها من خلل رهيب مستوى القوة

طبعا لم يتذكر هؤلاء الأخيرون، ولو للحظة، ما فعله مقاتلون قريبون منهم سياسيا وأيديولوجيا من تحطيم ونبش لمقابر المقاتلين الأكراد ومعه تلك التي لأبناء الأقليتين العلوية واليزيدية في عفرين، بما في ذلك مقام الشخصية الثقافية الدينية الكُردية "العلوية" نورالدين ديرسمي.

فالبربرية فعل موجوع وقاس ومُدان... فقط حينما تمسنا.

♦♦♦

أسس حافظ الأسد كامل سوريا الحديثة، بنظامها السياسية وشكل العلاقة بين جماعاتها الأهلية. شيّد نمط هيمنة الحاكمين على نظرائهم المحكومين. رسم البلاد بهوياتها ومؤسساتها وسلطتها حسب تطلعاته، كأب وحاكم مطلق.

لكن مع كل ذلك، بقي الأسد طوال حياته مهوس الخاطر بشأن مكان دفنه، وفي المحصلة لم يستأمن "القائد التاريخي" و"الأب المناضل" أن يُدفن جسده في دمشق. التي كان يعتبرها خطابيا "عرين الأسد"، لكنه فعليا بقي يراها جغرافيا "عدوة"، مناظرة لبيئته الأهلية في بلدة القرداحة، حيث دُفن.

لم يكن خيار الأسد فعلا ذاتيا، بل كان إشارة شديدة العمق والدلالة على نمط النظام السياسي وعلاقات الجماعات السورية، وديناميكيات الهوة الهائلة بين مكاذباتهم المتبادلة المعلنة والوقائع الموضوعية التي كانوا يعيشونها في سوريا الأسد. فعدم استئمان الأسد على جسده، كان تعبيرا عن الحرب الأهلية الباردة في زمانه، وتقسيما لخطوط الحرب الأهلية الساخنة، وإن كانت مؤجلة وقتئذ.

لم يكن خيار الأسد المؤسس فعلا اعتباطيا، بل نتيجة طبيعة لسياساته هو نفسه، التي راكبت وراكمت استراتيجيات من الشمولية والطائفية والعنف. كان الأسد الأب أكثر من يعرف طبيعة أفعاله وحقيقة بلاده وحساسياتها وأحقادها الدفينة، التي صعّد وعرى الأسد كل منها، بالذات الحساسية التاريخية التقليدية بين الجماعتين الأهليتين السُنية والعلوية السوريتين.

في زمن الأسد الابن، دخلت البلاد أقصى درجات قسوتها. تخلى النظام عن بعض الوشائج التي كانت تربطه بالقواعد الاجتماعية، بالذات منها أشكال السياسات الاشتراكية الحمائية التي سيطرت ـ حيث صار الفقر والهوة الاجتماعية والاقتصادية بأقصى مستوياتها ـ في وقت كان النظام الحاكم يعتبر أن القبضة الحديدية هي أداته الوحيدة لتأبيد حُكمه.

هذا إلى جانب اندراجه في دورات العنف السياسي في كل ما يحيط به، في لبنان والعراق ومع المنظمات الفلسطينية، محولا سوريا إلى مركز إقليمي لتصدير الجماعات المتطرفة والأعمال العنيفة. ومحولا سجونه وفروعه الأمنية إلى معسكرات ومراكز اختبار استثنائية لمثل تلك الأفعال. متوهما في كل لحظة بأنه يمكن أن ينجو مما يفعله بالآخرين.

في الطريق لذلك، وطوال عقد كامل سبق الثورة (2000 ـ 2010) من حكم الأسد الابن، كانت طبقة سلطانية استثنائية تتأسس، مكونة من تحالف رجال الأعمال بكبار ضباط الجيش وأجهزة الأمن، من الدائرين في فلك العائلة الأسدية، متخمة بالغرور والفوقية والنرجسية، ومستحوذة على كل شيء، مادي وسياسي ورمزي، كانت تصعد على حساب ودون أية مبالاة بأوجاع وحقوق ملايين السوريين الآخرين، مؤسسة لاستقطاب مريع في البلاد، ما كان له أن يفتك من العنف بأي شكل. فالفروق في أسعار البيوت السكنية بين حيّ دمشقي وآخر كانت تصل لقرابة الألف ضعف، وهكذا كانت الفوارق في كل شيء.

♦♦♦

كانت الثورة السورية محاولة لتحطيم ذلك، وتشييد ما هو نقيض لها. لكنها، وللكثير من الأسباب، وقعت في عكس كل ما كانت تتوقعه وتتمناه، وبذا تأسست الأرضية المناسبة لمنطق "نبش القبور".

فالحساسية الطائفية التقليدية التي كانت، والتي استخدمها الأسد مع بدايات الثورة لمراكمة حشد شعبي ما لصالحه، ما لبثت لاقت ما يناظرها، صارت معها الثورة ذات طابع طائفي مباشر، تحولت بالتقادم إلى طائفية شديدة القسوة، ملبسة بالعنف الأرعن، شكلت ميليشيات الأسد والفصائل المتطرفة طرفا اللعبة المتصارعان ظاهرا، والمتكاملان جوهرا. كانت الطائفية في الصراع السوري أداة لتفريغ الثورة من أية قيمة مضافة، صارت معها حربا شبيهة بحروب القبائل القديمة.

في زمن الأسد الابن، دخلت البلاد أقصى درجات قسوتها

في ظلال ذلك الصراع، كان أي توافق ما، ولو على الحد الأدنى أو أي شيء، كان يستحال يوما بعد آخر. وهو أمر كان يدفع المتصارعين لأن يعتبروا أن الحسم المطلق عبر العنف هو الحل الوحيد المتوفر لإنهاء هذا الصراع.

فالحرب الأهلية السورية لم تكن تشبه أي من الحروب الأهلية الأخرى التي شهدتها منطقتنا، التي كانت في كل واحدة منها أشكالا ما من السياسة، يعترف المتصارعون ببعضهم البعض إلى حد ما، ويتوقعون يوما ما، قريبا أو بعيدا، يجلسون فيه سوية في مكان واحد. لذا بقيت حروبهم نسبية وضمن حدود ما.

الأقلمة السياسية والطائفية والقومية، وتوزع المتصارعين السوريين بين إيران وتركيا ودول الخليج العربي، غطت المشهد السوري بحمولات ونوازع تفوق طاقة الجماعات والقوى السياسية السورية. فالمشهد لم يعد تنازعا حول السلطة وهوية النظام السياسي، بل صار شيئا ملحميا من صراعات العثمانيين والصفويين، تاريخ السُنة ومظلومية الشيعة، تناقضات المحاور والأنظمة الإقليمية وقدرتها المريعة على تصدير أزماتها الداخلية إلى البؤر الساخنة المحيطة بها.

شيّد حافظ الأسد نمط هيمنة الحاكمين على نظرائهم المحكومين

شرط الأقلمة، وبالإضافة إلى كل ذلك، فإنه أفقد المتصارعين السوريين نعمة الاندثار المتقادم لطاقة المتحاربين، والتي تعمل عادة على تأطير أي صراع كان على مستويين: زمانيا عبر وضع تحديد وقتي لمدته، وأخلاقيا بتعيين قواعد ما للصراع، ولو بحدها الأدنى.

لكن المدّ الإقليمي للقوى السورية بمختلف أشكال الطاقة والدعم المالي والعسكري والسياسي، أخرج هذه الحرب عالمها الموضوعي ذاك، وصارت حربا شبيهة بالصراعات الإقليمية التقليدية، المفتوحة على الأبد. الأبد الذي هو أساس كل خراب.

على جنبات كل ذلك، فإن قابلية السوريين على نبش قبور بعضهم تتأتى في بعد أساسي منها من خلل رهيب مستوى القوة بين مختلف الأطراف. ففصائل الجيش الحر المدعومة من تركيا وتحت جناح جيشها، كانت تختزن تفوقا عسكريا مطلقا مقابلا لمحدودية قوة المقاتلين الأكراد، لذا كان نبش القبور وتحطيمها بالنسبة لهم فعلا قابلا للتنفيذ دون أي رادع أو رهبة من ملاقاة ما قد يناظر ذلك مستقبلا. الأمر نفسه ينطبق على مقاتلي جيش الأسد وميليشياته، المدعومون من ثاني أكبر قوة عسكرية عالمية.

لكن نبش القبور، كفعل بربري دنيء ومناظر لكل آدمية متحققة في الحضارة الإنسانية، ما كان له أن يحدث، لو لم تكن صورة عالمنا المعاصر خالية إلى هذا الحدث من أية آلية لمحاسبة ومعاقبة المرتكبين. فالأسد، ومعه نظامه وجيشه وميليشياته، الذي نفذوا من كل أفعالهم الفظيعة السابقة، منذ عقدين وحتى الآن، لماذا عليهم أن يخشوا أو يخجلوا من فعلة "نبش القبور!". فقوة عالمية وأخرى إقليمية على استعداد لمنع محاسبتهم.

اقرأ للكاتب أيضا: شكل العراق والانتفاضة العراقية

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
XS
SM
MD
LG