Accessibility links

حكومة لبنان وامتحان 'حزب الله'


الحريري مستقبلا ولية العهد السويدي

بقلم فارس خشّان/

وحده "حزب الله"، أقلّه حتى الأمس القريب، يملك أدوات فرض ما يريده في لبنان.

لا حدود لقدراته هذه، وهي تتنقل من التعطيل الدستوري المنتج للفراغ المؤسساتي، حتى استعمال القوة، كما حصل في 7 أيار/مايو 2008.

حاليا، وبفعل قدراته هذه، تجمدت مساعي تأليف الحكومة الجديدة العالقة منذ تكليف الرئيس سعد الحريري تشكيل الحكومة الجديدة المفترض أن تنبثق من الانتخابات النيابية الأخيرة.

لا يجادل أحدا "حزب الله" في ما يطلبه من حصص له ولشريكته "حركة أمل"، ولم يعد ثمة من يثير موضوع سلاحه ودوره العابر للحدود الوطنية بشكل جدي؛ لذلك يجد نفسه واثقا بقدرته على فرض ما يراه مناسبا لحلفائه.

كثيرون ينقلون عن الحريري قوله إن مقولة "أم الصبي" لم تعد تسمح بالتنازل والتراجع

سبق له أن عطل، لأشهر طويلة، تأليف الحكومة في عهد الرئيس ميشال سليمان ليضمن حقيبة مرموقة لجبران باسيل. كما سبق له وفرض حقيبة في أولى حكومات عهد الرئيس ميشال عون لـ"تيار المردة"، ناهيك بأنه تسبب بفراغ في رئاسة الجمهورية لسنتين ونصف السنة حتى يرضخ الجميع لوجوب وصول عون إلى قصر بعبدا.

لا تحتاج في لبنان إلى عناء كبير لتدرك بأن القناعة الشعبية تكاد تكون راسخة، بأن حاكم لبنان الفعلي والأكيد هو "حزب الله".

بالنسبة لعموم الناس، فإن المسؤولين الدستوريين يتمتعون بالألقاب ولكن الحزب يحتكر السلطة الحاسمة.

اقرأ للكاتب أيضا: تأملات إيجابية في "النق' اللبناني

وهذه المرة أيضا، يعطل "حزب الله" تشكيل الحكومة، فهو يريد أن يفرض فرضا على رئيسي الجمهورية والحكومة توزير أحد النواب الموالين له ممن ينتسبون إلى الطائفة السنية ويعارضون تيار المستقبل الذي يترأسه سعد الحريري.

وتوزع هؤلاء النواب، مع انتهاء الانتخابات النيابية على كتل متعددة؛ كالوليد سكرية، على سبيل المثال، الذي كان منذ دخوله البرلمان عضوا في كتلة "حزب الله" النيابية.

ووفق اعتقاد الحريري، فإن السماح بتوزير أي من هؤلاء النواب، سيصيبه بوهن سياسي مما يضعف قدراته على إدارة مسار صعب لإنقاذ الاقتصاد الوطني من مأساة تلوح في الأفق. فـ"الدول المانحة"، وجلها تنظر بحذر إلى تمدد "حزب الله" في المؤسسات الدستورية، قد تتراجع عن وعودها البنّاءة، بمجرد إدراكها أن لبنان الرسمي لم يعد يتعاطى مع الحزب بصفته ممثلا قويا لطائفة تكوينية في لبنان، بل بصفته صاحب الأمر والنهي فيه، وأن إيران انتقلت بواسطته من دولة مؤثرة فيه إلى دولة رائدة.

ونجاح هؤلاء السنة المعارضين لتيار المستقبل في الانتخابات النيابية الأخيرة، من العوامل الأساسية، التي أتاحت للكثيرين اعتبار أن "حزب الله" سيطر على المجلس النيابي.

ويعتقد كثيرون في لبنان بأن "حزب الله" سينجح في فرض ما يريده في هذه المحنة الجديدة، نظرا لأسبقيات تراجع القوى السياسية أمام ما يطلبه. وسبب هذا التراجع، هو أن ثمة فارقا جوهريا بينه وبين الآخرين؛ فالذين ليس لديهم أي ملاذ غير الدولة يضطرون للتراجع أمام الحزب ليحدّوا من الخسائر، على قاعدة "أم الصبي"، في حين أن الحزب المرتاح إلى وضعيته، كصاحب دويلة، لا يأبه أبدا بدولة لا تكون في خدمة أهدافه، مثله مثل تلك التي ادعت أمام سليمان الحكيم أمومة الصبي الذي خطفته.

الإنقاذ باعتقاد كثيرين ينطلق من نقطة واحدة لا غير، وهي إعادة قدمي "حزب الله" إلى الأرض

في ضوء هذه الأسبقيات هل يتراجع الرئيس سعد الحريري أمام "حزب الله" مجددا؟

كثيرون ينقلون عن الحريري قوله إن مقولة "أم الصبي" لم تعد تسمح بالتنازل والتراجع، لأن ذلك سيتسبب بكارثة للبنان، وتاليا فإن التصلب هذه المرة في رفض مطلب "حزب الله"، هو تصلب إنقاذي بامتياز.

ويملك الحريري هذه المرة، خلافا للسابق، أدوات الصمود؛ فهو رئيس مكلف تأليف الحكومة ولا يستطيع أحد انتزاع هذا التكليف منه، كما أنه رئيس حكومة تصريف الأعمال التي تبقى قائمة طالما مراسيم تشكيل الحكومة الجديدة لم تصدر.

اقرأ للكاتب أيضا: دماء خاشقجي... المُربِكة!

وعوامل القوة هذه، وفق هؤلاء، سيستعملها الحريري بعقلية إنقاذية، لأنه يدرك كما رئيس الجمهورية بأن استضاعفه هذه المرة لن تكون نتائجه سياسية كما حصل سابقا، بل اقتصادية ومالية ما ينتج كارثة وطنية.

وبناء عليه، فإن الحريري يقف هذه المرة ومن دون أن يعلن ذلك على خيط دقيق جدا، فهو لا يريد أن يكون رئيس حكومة الانهيار بل رئيس حكومة الإنقاذ.

والإنقاذ باعتقاد كثيرين ينطلق من نقطة واحدة لا غير، وهي إعادة قدمي "حزب الله" إلى الأرض.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG