Accessibility links

حمورابي يبتسم لدستور بلاده العراق


وزراء خارجية الأردن والعراق ومصر

رستم محمود/

في بيانها الرسمي عن القمة الوزارية الثلاثية التي عُقدت الأحد في العاصمة بغداد، بين مصر والأردن والعراق، تقول وزارة الخارجية العراقية: "ويُناقِش المُجتمِعون تعزيز العلاقات العربيّة، والتي تمثل هدفا رئيسا في استراتيجية وزارة الخارجية"، مُضيفة في مقطع آخر من نفس البيان: "ضرورة الدفع بمسيرة التضامن العربي بما يُساهِم في تحقيق آمال شعوب البلدان الثلاثة بالتنمية، والازدهار".

لم يلاحظ المراقبون العراقيون ولم يصرخ ويعترض الساسة ـ كعادتهم ـ تنديدا بالخرق الدستوري الذي ارتكبته وزارة الخارجية في ببيانها هذا. لم يسأل أحد عن السبب الذي لأجله يجب على دولة العراق أن تسعى وتُناقش "تعزيز العلاقات العربية"! وبأيّ حق يسعى العراق لأن يدفع بـ"مسيرة التضامن العربي"!

ليس في دستور العراق وقانونه العام ما يشير إلى أنه "كيان عربي"، لا قوميا ولا ثقافيا. الدستور العراقي الذي يُعرف كيان الدولة العراقية وهويته في مادته الأولى، يُحدد له مجموعة من الخصائص الذاتية والداخلية فحسب، يصفه كدولة اتحادية واحدة ومستقلة، ثم يسرد سماته الذاتية، من جمهورية وديمقراطية...إلخ.

يبدو أن العراق ذاهب لتكرار آلامه، التي تستولد واحدة منها من الأخرى

هذا الدستور لا يأتي على ذكر كلمة العرب إلا في ثلاثة مواقع ثانوية غير تعريفية، مرة للتعبير عن تنوع تشكيلة طيف الشعب والمُجتمع العراقي، حيث ثمة العرب إلى جانب غيرهم من الجماعات العراقية، وأخرى لتحديد اللغة العربية كلغة رسمية مع نظيرتها الكُردية، وأخيرة للقول بأن العراق عضو مؤسس لجامعة الدول العربية.

أي أن الدستور العراقي يصر على أن العراق كيان مستقل عن الهويات القومية والدينية والطائفية، وأنه يوالي هويته الكيانية وخصائص نظام حُكمه فحسب؛ لذا فأن العراق سياسيا وجغرافيا ودستوريا مجرد دولة في/ ومن مُحيطه الإقليمي، لذا عليه أن يُناقش القضايا الإقليمية ويدفع بعجلة التضامن الإقليمي، حتى لو كان في اجتماع وقمة مع دول أخرى لها هوية قومية ما، مثل الدول العربية. فبالنسبة للعراق يجب ألا يكون فارق في علاقاته وتواصله مع الدول العربية أو أية دولة أخرى، هذا حسب الدستور.

♦♦♦

لكن، لم يحدث أي شيء، مرّ بيان وزارة الخارجية العراقية بشكل انسيابي وعادي، دون أية خضة للمتن السياسي والثقافي العام في البلاد. هل لأحد أن يتخيل مثلا لو كان رئيس الجمهورية العراقي ـ الكُردي ـ برهم صالح قد وصف اجتماعا ما عقده مع بعض الساسة الكُرد، السوريين أو الإيرانيين أو الأتراك، بأنه يتقصد تعزيز العلاقات الكردية! أو مثلا قال بيان عن الرئاسة العراقية بأن اجتماع صالح هدفه هو "دفع مسيرة التضامن الكُردي"! أية زوبعة من التصريحات وأشكال التنديد والوعيد كانت ستندلع في مُختلف أرجاء العراق، والتي كانت ستعتبر أن رئاسة العراق تجر البلاد لصالح النزعة القومية الكُردية، وأن رئيس الجمهورية لا يتصرف انطلاقا من كونه رئيسا لعموم العراقيين ومُلتزما بدستورهم، الذي يُحدد له صلاحية وهوية وفضاء عمله، كرئيس للكيان العراقي، الذي ليس كُرديا بأي شكل.

الفرق بسيط وواضح بين الحالتين، إنه فارق القوة ليس إلا.

أيام حمورابي، غالبا ما كانت الروح الدستورية فيها أكثر وجاهة وحضورا ومعنى من الآن، زمن الحشد الشعبي

ثمة فريق مكوّن من قوى سياسية وحزبية ومليشياوية وبرلمانية، يرى لنفسه ويشرعن لأدواته ويقبل لجماعاته الطاقة والقابلية والقدرة على اختراق الدستور والقانون العام في البلاد، في الوقت وبالطريقة التي يراها مناسبة. في نفس الوقت، يحمل عصا غليظة، مُسندة للدستور والقانون العام، يرفعها في وجه الجماعات الأخرى، الأقل قوة وسطوة وهيمنة. ينتظرها ويترصدها كأب حكيم ورصين، يراقب أبناءه الضالين، أب يملك ويستخدم كل أدوات العقاب والثواب على أبنائه هؤلاء، دون أن يكون العكس صحيحا بأي شكل. حيث يُمكن لهذا الأب أن يوبخ أبناءه ويهددهم ويعنفهم ويخونهم، ودون شك له أن يعاقبهم، اقتصاديا وسياسيا وحتى عسكريا.

في عراق اليوم طيف كامل من تلك الحالات والنماذج، تتكرر بشكل يومي ومتدفق، تمر بشكل عادي وهادئ، لا يُلاحظه أحد. ثمة دائما الأقوياء العراقيون، الأكثريون برلمانيا والمركزيون سياسيا والعنيفون عسكريا وذوو السطوة ثقافيا، يسمحون لأنفسهم بالتصرف والسلوك كيفما يشاؤون، سياسيا واقتصاديا وعسكريا، دون أي التزام بمُحددات وسلطة الدستور والقانون العام، فهذه الأخيرة وكأنها وضعت لأن تستخدمها هذه الجماعة القوية ضد غيرها من التشكيلات الوطنية، السياسية والهوياتية على حد سواء.

♦♦♦

قبل قمة بغداد الوزارية بأقل من أسبوع واحد، كانت المحكمة الاتحادية العراقية العُليا قد أقرت بأن المادة 140 من الدستور العراقي لا تزال "سارية المفعول"، إلى أن تُحقق كامل مراميها. تلك المادة الخاصة بإعادة تطبيع الأوضاع في المناطق المُتنازع عليها، بين الحكومة المركزية وحكومة إقليم كُردستان. أي يجب على الحكومة المركزية، التزاما بهذه المادة الدستورية، أن تُعيد مئات الآلاف من المُهجرين الكُرد والتُركمان إلى مناطقهم ومُمتلكاتهم التي أخذت منهم عنوة عبر سياسات التغيير الديموغرافي التي مارستها الأنظمة العراقية السابقة، حيث مُنحت مناطقهم ومُمتلكاتهم لمُستقدمين من مناطق عراقية أخرى، ومن ثم على الحكومة أن تُجري استفتاء عاما ليختار سُكان هذه المناطق القسم الذي يودون أن يكونوا جزء منه، السلطة المركزية أو إقليم كُردستان.

الصادم في الأمر، لم يكن أن الكثير من القوى السياسية العراقية شككت بصلاحية هذه المادة الدستورية طوال السنوات الماضية، وطالبت ببطلانها (هل من مادة دستورية تفقد صلاحيتها!)، ولأجل كثرة تلك المُطالبات ذهب البرلمان لأخذ رأي المحكمة الاتحادية بهذا الأمر، بل إن الصادم أن ست حكومات عراقية متتالية، مُنذ العام 2005 وحتى اليوم، لم تتخذ شيئا من تلك الإجراءات والسياسات الواجبة عليها، لتطبيق تلك المادة الدستورية.

الدستور العراقي يصر على أن العراق كيان مستقل عن الهويات القومية والدينية والطائفية

ببساطة، لأنها كانت وما تزال حكومات الأقوياء، وترى في تلك المادة الدستورية أداة ما للحد من سطوة وهيمنة الأقوياء لصالح غيرهم من العراقيين، الأضعف والأقل قُدرة على فرض حقوقهم، حتى لو كانت دستورية تماما. هل لأحد مثلا أن يتخيل الوضع لو كان العكس هو الذي حدث، لو كان ثمة مناطق سعت الأنظمة السابقة لتغيير هويتها الديموغرافية لصالح الكُرد أو التُركمان العراقيين، على حساب سُكانها العرب، وثمة مادة دستورية تطالب بتطبيع الأوضاع في تلك المناطق، هل كانت الحكومات العراقية ستحتاج لأكثر من أيام قليلة، وربما ساعات، لتطبيق تلك المادة الدستورية التي تطلب بذلك!

♦♦♦

قبل هذه الحادثة بسنتين فحسب، نفذ الكُرد العراقيون استفتاء عاما في مناطقهم، لمعرفة الرأي العام فيها من مسألة الاستقلال عن الكيان العراقي أو البقاء ضمنه. تجاوزا لكافة النقاشات التي حدثت وقتئذ، وحتى لو افترضنا أن الكُرد العراقيون قد اخترقوا الدستور العراقي بشكل سلمي عبر ذلك الإجراء، لنلاحظ ردة فعل الحكومة المركزية والقوى السياسية والمليشياوية العراقية على ذلك الاختراق. لقد حاصرت الإقليم سياسيا واقتصاديا، قطعت كافة مجالات تواصله مع العالم الخارجي، استعدت للحرب واتفقت مع الدول الإقليمية للإطاحة بالإقليم وتطلعاته (هل ثمة دولة ما تتفق مع الدول الأخرى على أبناء بلدها!)، كُل ذلك لمجرد أن كُرد العراق (غير الأقوياء) تجاوزوا الدستور العراقي، ولو سلميا!

من مثل تلك الروايات والأحداث يُمكن سرد العشرات من التفاصيل والتطورات العراقية، اليومية والرتيبة والعادية، التي تحدث بهدوء ودون أية ضوضاء.

♦♦♦

ثمة شيء غير تاريخي في تجربة الدولة العراقية الحديثة، التي يصفها الوطنيون الرومانسيون العراقيون بـ"مهد الشرائع والدساتير"، ثمة لا وعي وسوء فهم وتجاوز لكامل تجربته التاريخية المريرة. إذ يبدأ هذا العراق كل مرة كتجربة مُستندة إلى توافق رفيع ورصين بين جماعاته التأسيسية، العرقية والدينية والطائفية والمناطقية، عبر التعاقد الدستوري، ما تلبث الجماعة القوية أن تتنصل من تفاصيل واجباتها وما يُناظرها من حقوق للآخرين، الأقل قوة. يتراكم ذلك حتى تغدو هذه الجماعة بالتقادم سُلطة هيمنة وطُغيان على القوى الأخرى، وهكذا إلى أن يصل التناقض درجة الصدام العنيف.

حدث ذلك في الزمن الملكي وفي عهد عهدي القوميين العرب، عبد الكريم قاسم والأخوين عارف، ومن بعدهم مع البعثين وأخيرا الصداميين، ويبدو أن العراق ذاهب لتكرار آلامه، آلامه التي تستولد واحدة منها من الأخرى، وربما منذ أيام حمورابي، التي غالبا ما كانت الروح الدستورية فيها أكثر وجاهة وحضورا ومعنى من الآن، زمن الحشد الشعبي.

اقرأ للكاتب أيضا: أكراد سوريا والداء الفلسطيني

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
XS
SM
MD
LG