Accessibility links

حول قرار ترامب بشأن سوريا.. وتداعياته


سيدة نازحة نتيجة للهجوم التركي على شمالي شرقي سوريا

إيلان بيرمان/

قوبل إعلان البيت الأبيض في السادس من أكتوبر عزمه سحب قواتها من شمالي سوريا، في خطوة من شأنها تمهيد الطريق لغزو تركي لهذه المناطق، باستياء واسع النطاق في كل من الولايات المتحدة وخارجها. لكن في الحقيقة، لم يكن الأمر القرار مفاجئا تماما. فقد سبق أن مهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب لهذا لقرار في ديسمبر 2018، حين أعلن أن الولايات المتحدة ستسحب جميع القوات فورا من سوريا، بعد أن هُزِم تنظيم "الدولة الإسلامية".

وقد جُمّد ذلك القرار لاحقا، وإن بشكل جزئي، كنتيجة للضغط داخل إدارة ترامب من عدد من المسؤولين الذين جادلوا حول الحاجة إلى وجود أميركي، إلى جانب أشياء أخرى، كقوة مانعة للتغلغل الإيراني. الآن، ومع ذلك، فإن الرئيس يسير مرة أخرى بخطته الأصلية. وعلى الرغم من أن القرار تعرض لانتقادات شديدة من قبل الخبراء والمشرعين من كلا الحزبين في الولايات المتحدة، إلا أنه لا يزال متسقا مع عدد من أولويات السياسة الخارجية الطويلة الأمد لإدارة ترامب.

لا يزال ترامب غير راضٍ تماما عما يراه اختلالا في تقاسم العبء العالمي

الأولوية الأولى هي وجود أقل في سوريا. ففي الوقت الذي يعمل فيه مسؤولون في الإدارة بجد لإنهاء الحرب الأهلية السورية وضمان الاستقرار في مرحلة ما بعد انتهاء النزاع، سيكون من الإنصاف القول إن البيت الأبيض ليس لديه فكرة واضحة عما يريد أن تبدو عليه سوريا في نهاية المطاف. بدلا من ذلك، فإن أهداف فريق ترامب محدودة للغاية: دحر وتفكيك خلافة الدولة الإسلامية. ومنع عودة المجموعة الإرهابية هناك. يمكن القول إن هذه الأهداف قد تحققت الآن، مما سمح للبيت الأبيض مرة أخرى بالتفكير في التراجع عن المشاركة النشطة في سوريا.

وأما الأولوية الثانية، فهي الجهود المستمرة التي يبذلها الرئيس لتحسين العلاقات الأميركية مع البلدان التي يعتبرها قوى جيوسياسية هامة. إحدى هذه القوى هي روسيا، التي تحتفظ الآن بوجود استراتيجي قوي في سوريا، ولديها خطة طويلة الأجل لتعزيز موقعها في المنطقة. وتركيا هي قوة أخرى، التي كانت العلاقات الأمريكية معها متوترة في الآونة الأخيرة ـ ولكن من الواضح أن ترامب يأمل في الانخراط مع أنقرة بشكل بناء حول مجموعة من القضايا. وهذا هو السبب في أن قرار الرئيس الأخير بشأن سوريا قد اقترن بدعوة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لزيارة البيت الأبيض في منتصف نوفمبر. بكل بساطة، الأولويتان تمثلان تدابير لبناء الثقة تهدف إلى إعادة ضبط علاقات واشنطن مع أنقرة.

أخيرا، لا يزال الرئيس غير راضٍ تماما عما يراه اختلالا في تقاسم العبء العالمي. هذه الشكوى، التي كررها مرارا على مدى العامين الماضيين، أصبحت تميز تعاملاته مع حلف "الناتو"، لكنها تتعلق بالوضع الحالي في الشرق الأوسط أيضا. سبق للبيت الأبيض أن حثّ أوروبا ودول المنطقة، على حد سواء، على الاضطلاع بدور أكثر نشاطا في إدارة الآثار المترتبة على تراجع تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، بما في ذلك إعادة المقاتلين الأجانب الإرهابيين إلى وطنهم أو إعادة تأهيلهم. ومع ذلك، لم تتوصل بروكسل أو عواصم الشرق الأوسط إلى خطة للتعامل مع "العائدين" من "داعش" أو لإدارة الأزمات الأمنية والسياسية الناشئة عن جيوب التطرف العالقة، مثل مخيم الهول في سوريا. لكن من وجهة نظر الإدارة الأميركية، فإن مثل هذا الفشل لا يجعل الموقف تلقائيا مسؤولية الولايات المتحدة. من خلال إعلانه الانسحاب سوريا، أوضح الرئيس أنه يرى أن البيئة الأمنية بعد "داعش" ليست مشكلة أميركية وإنما مشكلة تخص الآخرين.

يجدر القول هنا، إنه حتى لو كان من الممكن فهم الدوافع وراء قرار الرئيس بشأن سوريا، فمن الواضح بنفس القدر أن العواقب المحتملة من المحتمل أن تكون كارثية.

بالفعل، بدأت "الصفائح التكتونية" في المنطقة في التحول بشكل كبير. اعتبرت حكومة تركيا إعلان ترامب "ضوء أخضر" لبدء توغل عسكري كبير في شمالي سوريا. ردا على ذلك، اضطرت قوات المعارضة السورية المتنوعة إلى النظر في محادثات التحالف مع عدوها القاتل، نظام الأسد، من أجل بناء جبهة مشتركة ضد القوة التركية الغازية. تحاول عناصر من "داعش" اغتنام الفرصة التي أتاحها الاضطراب لاستعادة جيوب الأراضي التي فقدتها المجموعة في سوريا مؤخرا. تشير هذه الاتجاهات إلى بداية مرحلة جديدة نوعيا في الصراع السوري الطويل.

تبعات قرار ترامب بشأن سوريا تعد بأن تكون عميقة وسلبية للغاية بالنسبة للمصالح الأميركية

لكن، ربما، ما هو أكثر إشكالية هو تأثير قرار ترامب على التحالفات الدولية لأميركا. علاقات الإدارة الأميركية مع الحلفاء القدامى كانت متوترة، حتى قبل هذا التطور. وفي أعقابه، يعبّر شركاء أميركا عن شكوك جدية حول إمكانية الاعتماد على أميركا على الإطلاق. في الواقع، حتى إسرائيل ـ التي استفادت بشكل كبير من أولويات السياسة الخارجية لإدارة ترامب ـ حذرت من أنها، بغض النظر عن مدى ودية العلاقة مع الإدارة الحالية في واشنطن، لا تستطيع الاعتماد على الولايات المتحدة كضامن لأمنها. وتجري الآن محادثات مماثلة في جميع أنحاء المنطقة، في عواصم مثل الرياض وبغداد وعمان.

يواجه فريق ترامب الآن مشكلة المصداقية نفسها التي أربكت سلفه. فخلال الفترة التي أمضاها في منصبه، فإن موقف إدارة الرئيس باراك أوباما تجاه المنطقة ـ وهو الذي تبنى عقيدة "القيادة من الخلف" ـ جعلها مجرد متفرج على التحولات الإقليمية، وليس محركا لها. لقد وضع الرئيس ترامب، الذي دخل البيت الأبيض وهو ينتقد هذه السلبية، الولايات المتحدة الآن في موقع مشابه بشكل كبير: موقع يعد بتهميش الولايات المتحدة في الشراكات الإقليمية وتقليل قدرة أميركا على تشكيل الأحداث في المنطقة.

وعليه، فإن تبعات قرار ترامب بشأن سوريا تعد بأن تكون عميقة وسلبية للغاية بالنسبة للمصالح الأميركية.

اقرأ للكاتب أيضا: العراق يقاوم النفوذ الإيراني

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
XS
SM
MD
LG