Accessibility links

حين نصبح خالدين


من المسلسل

د. ابتهال الخطيب/

أشاهد هذه الأيام عددا من مسلسلات الخيال العلمي، المفتونة بها أنا عادة، وأسارع كلما ظهر مسلسل أو فيلم جديد لمشاهدته وتحليله والاستمتاع البطيء بتخيل حدوثه في زمننا هذا وحتى الزمن المفترض لأحداثه.

إلا أن مسلسل Altered Carbon المعقد، الذي أشاهده هذه الأيام، أوقعني في أزمة مقارنة بين الحاضر الواقع والمستقبل المتخيل لبشرية تنكر على نفسها حقيقتها، وتنكر على نفسها مراحلها وتسلسل تطورها من كائن بدائي يعيش في الماء إلى كائن أكثر تطورا متسلق للأشجار، وصولا إلى الكائن المعقد ذي الوعي المركب اليوم، والذي يميزه الوعي ويتسبب في نكبته الوجودية الفريدة، من بين كل الأحياء من حيث كونه الكائن الحي الوحيد الواعي بوجوده والذي يسائل معنى هذا الوجود ومنتهاه، إلى الكائن الخالد الذين سيكونه ذات يوم، كما يقول المسلسل وكما يقول بعض العلماء اليوم.

في زمن ما، يقول المسلسل، سيصبح الأغنياء خالدين

هذا الكائن، الذي يفترض أن يصبح مجرد "وعي" أو "ذاكرة" يمكن "تنزيلها" من "كيس" إلى آخر كنا ذات زمن نسميه جسد، هذا "الوعاء" الذي سنتمكن من اختياره وتبديله وتغييره، إذ سيكون الحظ الأوفر في هذه العملية، كما هو الواقع دائما، للأغنياء الذين سيحصلون على أفضل الأجساد، والذين سيتمكنون من استنساخ أنفسهم والمحافظة على وعيهم إلى ما لا نهاية.

في زمن ما، يقول المسلسل، سيصبح الأغنياء خالدين، إذ ستتمكن البشرية في الواقع من تسليع الخلود بيعا وشراء.

أخذني خيالي، ترى كيف ستواجه البشرية حينها ماضيها؟ هل ستعترف بتاريخها الطويل أم ستفعل كما نفعل الآن، ويأخذها غرورها لأن ترفض أن تعترف بأصولها المتواضعة وتصر على أنها خلق ذكي بهي، بدأ كذلك وسينتهي كذلك؟

هل سيأتي زمن تصبح فيه نظرية التطور الداروينية تاريخا متأصلا يعترف به كل البشر، أم ستبقى المقاومة قوية لفكرة البدايات المتواضعة والكينونات البدائية التي احتاجت ملايين السنوات لكي تتطور؟

هل سيدرس الأطفال في المدارس، أو في أي مؤسسات مستقبلية، حول الماضي البدائي السحيق للبشر وتحوله البيولوجي القافز بين الكائنات وتكوينه العقلي المتواضع جدا، والذي أخذ بالتطور مارا بمراحل مختلفة وصولا إلى درجة العقل البشري الذي مكن الإنسان من صنع اللغة ومن "الوعي بالوعي" ومن تعقيد حياته بالصورة التي هي عليها اليوم، والتي ستكونها في المستقبل؟

هل سيأتي يوم يتطور فيه العلم بما فيه الكفاية ليضع حدا لخجلنا من بداياتنا التكوينية البسيطة، وليطور لدينا فخرا برحلتنا التطورية المديدة التي نقلتنا من كائنات بدائية بسيطة تتسلق الأشجار وتعيش عشرين عاما كحد أقصى، إلى كائنات معقدة قابلة للخلود؟

حين أسأل الشباب والشابات الصغار من حولي عن مدى علمهم بالنظرية الداروينية، وأتحصل منهم على إجابات نافية لأي معلومة أو مستنكِرة لنظرية "الإنسان أصله قرد"، وهو التنميط الخاطئ تماما للنظرية؛ أو حين يرد عليّ أحدهم قائلا "يلا وريني شمبانزي يصبح بني آدم"؛ أو حين يستهزئ آخر ضاحكا "إذا كانوا أجدادك قرودا فأجدادي ليسوا كذلك"؛ أغمض عيني لوهلة وأتخيل البشرية خمسة آلاف سنة للأمام (تراها مدة كافية لتغطية خيالاتي؟) وقد اعترف البشر، تحديدا في منطقتنا المأزومة، بأهم نظرية بيولوجية وأنثروبولوجية، ولربما طبية، منذ بداية عصرنا البشري الحديث، وقد انتهى زمن الجدل الجاهل المسكين حول النظرية، وقد درس صغارنا بشكل طبيعي غير مأزوم نظرية بداياتنا وتطورنا، بلا خوف، بلا قلق، وبلا شعور بالتضارب والنزاع بين نظرية علمية مثبتة وبين عقائدهم الدينية والروحانية الراسخة.

أتمنى أحيانا لو أنني أتخطى حاجز الزمن إلى الأمام، فأشهد زمنا لا نحتاج فيه لأن نتنازع حول نظرية علمية تبدو الردود على مناهضيها أكثر فكاهية من استنكاراتهم بحد ذاتها، فإذا كان استنكار البديهيات العلمية مضحكا، ألن يكون الرد عليه ودحضه مضحكا كذلك؟

تعالوا بنا نتذكر فترة حركة "الأرض مسطحة" التي عمت وسائل التواصل الاجتماعي قبل مدة قصيرة، والتي كادت أن تقضي على مساعي علماء عظماء ضحوا بأرواحهم منذ آلاف السنوات من أجل تقدم البشرية العلمي، ولنسترجع الادعاءات والردود، ألم تكن كلها مضحكة؟ ألم يكن الحوار بحد ذاته، بكل غرابته وسرياليته غاية في السخافة؟

هكذا يبدو الحوار الآن حول مصداقية نظرية التطور لكل من يعرف شيئا عن تاريخ التطور البشري، أو لكل من زار (حقيقة زار) متحف علم طبيعي، أو لكل من درس مبادئ البيولوجيا الرئيسية "الحقيقية"؛ هكذا يبدو الحوار، وكأنه فعليا خارج الزمن، فهل يا ترى سيأتي وقت تتخذ فيه البديهيات مكانها الطبيعي فلا نحتاج لحوارات مضحكة محرجة حولها؟ هل سيحدث ذلك عندنا في الشرق الأوسط؟

أتمنى أحيانا لو أنني أتخطى حاجز الزمن إلى الأمام، فأشهد زمنا لا نحتاج فيه لأن نتنازع حول نظرية علمية

هل سنستطيع أن نوائم بين كل الاكتشافات العلمية الماضية والقادمة ونحتفظ بإيمانياتنا وعقائدنا، كما هو الوضع إلى حد ما في الغرب الآن، دون أن تكون هناك معارك حادة مستمرة بين العلم والدين يُظلم فيها الدين دائما، ليتخذ كل منهما موقعه الحياتي الذي يجب أن يكون فيه؟

حين نصبح خالدين ذات يوم، وهو يوم قادم لا محالة كما يقول العلماء، هل سيقنعنا خلودنا بأن نتقبل تاريخنا بكل ما يكشفه من بواعث فخر وخجل حول نشأتنا وتكويننا، لنتخطى هذه العقدة التي تكبلنا، ليس فقط بيولوجيا ولكن اجتماعيا كذلك من حيث تقديسنا لأعراق وأصول كلها ضرب من خيال؟

بعد خمسة آلاف سنة، هل ستأتي سلالاتنا المتطورة الخالدة، بكل علومها وقدراتها التي ستكون، أفضل مما أتينا اعترافا بالحقائق والوقائع؟ ليتني أستطيع أن أرى..

اقرأ للكاتبة أيضا: الجرائم الصغرى

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG