Accessibility links

خسارة تركيا الصافية في سوريا


قوات تركية بالقرب من تل أبيض في دورية أميركية ـ تريكة مشركة

رستم محمود/

ساهمت تحولات الأحداث السورية بظهور كل ما كانت تخشاه تركيا تاريخيا وتعتبره خطرا قد يتأتى من البلدان المجاورة. حدث ذلك، بعدما بقيت الاستراتيجية التركية تعتبر المسألة السورية فرصة تاريخية استثنائية لأن تتحول معها تركيا من كيان محلي شديد الانقباض على نفسه، إلى دولة إقليمية ذات هوى إمبراطوري مهيمن رمزيا وسياسيا واقتصاديا على كل ما يحيط به. شيء مطابق فعليا لما كانت عليه الأحوال في الزمن العثماني الطويل، وإن بوجه غير معلن. لكن يبدو أنه مكر التاريخ!

ساهمت التحولات السورية بظهور حزب العمال الكُردستاني، خصم تركيا اللدود، كطرف متعاون مع القوى الدولية لمحاربة تنظيم داعش. سواء في سوريا، عبر جناحها السوري المتمثل بوحدات حماية الشعب وقوات سوريا الديمقراطية، أو في المناطق الأيزيدية ضمن العراق، وهو ما شكل قلقا رهيبا لتركيا، التي تستميت في سبيل إبقاء هذا الحزب في لائحة الإرهاب الدولية.

تراجعت الثقة بأية إمكانية لأن يكون لحلفاء تركيا أي مشروع سياسي بديل للنظام السوري

كانت معضلة تركيا هي قواعد حزب العمال الكُردستاني على طول الحدود الجبلية التي تفصلها عن العراق، فصار للعمال الكُردستاني قواعد جديدة في الداخل العراقي، خصوصا في المناطق الأيزيدية ومخيمات اللاجئين الأكراد في منطقة مخمور في العمق العراقي. كذلك فإن هذا الحزب صار مسيطرا فعليا على ثلث مساحة سوريا، بجغرافيتها وثرواتها وموقعها. صار الكردستاني متعاونا مع العديد من القوى المسلحة على الأرض، بالذات مع فصائل الحشد الشعبي والآلاف الآخرين من المقاتلين العرب السنة السوريين، والأهم، صار محل ثقة القوى الدولية، بالذات الولايات المتحدة الأميركية، حيث المرارة التركية الأشد.

هذا الظهور للعمال الكُردستاني يشكل الحلقة الأبرز لنمو وتطور المسألة الكُردية إقليميا منذ العام 2005، حينما أقر الدستور العراقي مبدأ الفيدرالية لإقليم كردستان العراق بشكل شرعي، وهو أول اعتراف سياسي ودستوري بكيانية كردية ما، منذ أن قضت الدولة العثمانية على آخر إمارة كردية عام 1848.

♦♦♦

في موازاة ذلك، فإن تقادم المجريات السورية قد شهدت تحولا شديدا اعتبارا من العام 2015، على مستوى تراجع دور وتفكك حلفاء تركيا السوريين العسكريين والسياسيين، بالذات من العرب السنة، الذين فقدوا كامل المناطق التي كانوا يسيطرون عليها، وتحطمت مجتمعاتهم ومناطقهم، لكن أولا تراجعت الثقة المحلية والدولية بأية إمكانية لأن يكون لحلفاء تركيا هؤلاء أي مشروع سياسي بديل للنظام السوري، بالرغم من كل ما فعله هذا الأخير.

كانت القوى السياسية السورية "العربية السُنية" القريبة من تركيا في ذروة قدراتها قبيل التدخل الروسي في صيف العام 2015، تسيطر على قرابة نصف مساحة سوريا، وتهيئ الساحة السورية لأن تكون مساحة مطلقة للنفوذ التركي. لكنها تراجعت من ذلك الموقع لأن تكون مجرد قوة احتلال ذات وجه عصاباتي في أغلب مناطق وجودها، بالذات في المناطق التي تسميها تركيا بـ "درع الفرات" و"غصن الزيتون"، في مناطق جرابلس وعفرين.

ظهور العمال الكُردستاني في سوريا يشكل الحلقة الأبرز لنمو وتطور المسألة الكُردية منذ العام 2005

جرى مع التركمان السوريين شيء شبيه بما حل بنظرائهم من العرب السنة. التركمان الذين كانت تحضرهم لأن يكونوا "النواة الصلبة" للسلطة السورية التي كانت في طور التشكل، فقدوا تقريبا أي وجود جغرافي وديموغرافي حقيقي في سوريا، خصوصا بعدما صارت قواهم الاجتماعي النخبوية الأكثر حيوية، معرفيا واقتصاديا، صارت مهاجرة بكليتها لتركيا، وتستصعب أية عودة وإعادة استقرار في الداخل السوري.

على جنبات ذلك، فإن تركيا تتحمل عبء أكثر من ثلاثة ملايين مُهجر سوري. من المتوقع أن يقاربوا خمسة ملايين، فيما لو انفتحت أبواب معركة إدلب الكبرى.

كذلك فإن تركيا صارت لأول مرة في تاريخها الحديث في مواجهة سياسية ورمزية، وشبه عسكرية، مع القوى الدولية الغربية المركزية، بالذات مع الولايات المتحدة، وتشعر بعدم توازن واستقرار استراتيجي في الجغرافيا السياسية الإقليمية والدولية. هذا التموضع كشف الهشاشة التركية، فالأحداث السورية أثبتت بالمطلق سوء قدرتها على التدخل والمساهمة في أي ملف سياسي، مهما كان صغيرا وتفصيليا، دون شبكة هائلة من التوافقات مع القوى الإقليمية والدولية.

♦♦♦

نتجت هذه "الخسارة" التركية في المسألة السورية عن تظافر ثلاثة عوامل رئيسية، لم تتطابق أي منها مع الحسابات التركية الاستراتيجية الأولية لما توقعت أن يكون ويستقر عليه الربيع العربي.

فتركيا تغاضت عن أي مضمون أيديولوجي أو سياسي لهذا التحول الذي بدأ عام 2011، وتصرفت بشيء شبيه لما أقدمت عليه إيران في تعاملها مع العراق بعد العام 2003، حينما اعتبرت أن ما جرى في هذا البلد فرصة تاريخية لأن تهيمن قوى الأغلبية الطائفية المرتبطة بها على هذا البلد.

فتركيا لم تبالِ في المسألة السورية سوى بهذا التفصيل، أي هيمنة القوى السياسية العربية السنية المحافظة المرتبطة بها على سوريا، أيا كانت الأثمان والتوازنات، من دون أي مضمون سياسي، أيديولوجي وقيمي وسلوكي لهذه القوى، مختلف عما يمتاز به النظام السوري. هذا التفصيل الذي أدى لأن تكون المسألة السورية بالنسبة لتركيا مجرد حرب أهلية بين جماعتين سياسيتين متطابقتين في المضامين والهويات السياسية، وهو ما نتج عنه هزيمة الطرف السوري الموالي لتركيا في المحصلة لأن تكون هزيمة كاملة للمشروع التركي.

لم تتمكن تركيا من وعي الضعف الذي أصاب دورها وموقعها بالنسبة للقوى الدولية

كذلك فإن تركيا كانت تخطط لأن تكون المسألة السورية ديناميكية في اتجاه واحد. أن تؤدي بالذات لظهور الجماعات والهويات السورية المناهضة لنظام الأسد على صفحة التاريخ، لكن فقط تلك الموالية لتركيا، مثل التركمانية والسنية السياسية، لكن بشرط أن تكبح أي ظهور كُردي أو علوي سوري، قد يمس الذات المركزية التركية، المهيمنة على نفس هذه الجماعات في الداخل التركي.

كان ذلك استعصاء مستحيلا، استماتت تركيا في سبيل الحفاظ عليه، لكن دون جدوى. فانفجار "صندوق الطماطم" السوري، الذي ساهمت تركيا في حدوثه، أدى لأن يخرج من هذا الصندوق كل ما كانت تسعى تركيا لأن تكبحه.

أخيرا، فإن تركيا لم تتمكن من وعي الضعف الذي أصاب دورها وموقعها وثقلها بالنسبة للقوى الدولية. فهي بقت معتقدة بأن القوى الدولية ما تزال تمنحها القيمة التي كانت عليها أثناء عقود الحرب الباردة الطويلة، وبذا فإن هذه القوى الدولية، الولايات المتحدة بالذات، إنما ستبقى محافظة وساعية لتحقيق كامل متطلبات الأمن القومي التركي، حتى في الدول الأخرى. لكن تبيّن بأن ذلك لم يعد متوفرا في ظلال تبدلات التوازنات الإقليمية والدولية بعد قرابة ثلاثة عقود من نهاية الحرب الباردة.

اقرأ للكاتب أيضا: أسطورة "سوريا العظيمة" القاتلة

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG