Accessibility links

خطاب الكراهية وحرية التعبير


فتاة إندونيسية ترفع لافتة شكر لـ"فتى البيضة"

رياض عصمت/

نال الفتى الأسترالي ويل كونلي شهرة عالمية واسعة النطاق بعد تحطيمه بيضة على رأس السيناتور الأسترالي فريسر أنينغ عندما أدلى بتصريح صحافي وصف فيه هجرة المسلمين بأنها الدافع للمذبحة الإرهابية التي أقدم عليها متطرف أسترالي في نيوزيلندا.

انبرى كثيرون للدفاع عن الشاب الجريء، ودانوا تعليق "تويتر" حسابه بعد أن بلغ عدد متابعيه 400 ألف شخص. ونتيجة تعرض الفتى البالغ من العمر 17 عاما للكمة من السيناتور الغاضب والضرب المبرح من مناصريه، جمع له المتبرعون أكثر من أربعين ألف دولار لتغطية التكاليف القانونية لمواجهة الحادثة، كما عرضت عليه مهرجانات وفرق موسيقية أميركية تذاكر مجانية مدى الحياة لقاء شجاعته.

قال "فتى البيضة" ـ كما لقبه الإعلام ـ تعقيبا على ما قام به: "كي أكون صادقا، قمت بذلك لإغلاق أفواه المحرضين. الإرهاب لا دين له. المسلمون ليسوا إرهابيين. لقد حصل على ما يستحق. هذا كل شيء".

المطلوب عالميا درء الإرهاب على شتى أشكاله

هل التصريحات العنصرية جزء مصان من "حرية التعبير" أم أنها تعبر عن "خطاب كراهية" مدان؟ هنا، لا بد من طرح السؤال: هل حرية التعبير مطلقة أم مشروطة؟ أين يقع الحد الذي إذا تجاوزه الإنسان، يستوجب المحاسبة؟ اتخذ الرئيس الفرنسي ماكرون إجراءات حازمة لحظر خطاب الكراهية، بينما قامت رئيسة وزراء نيوزيلندا بمبادرة رمزية ردا على العمل الإرهابي بارتدائها الحجاب علنا، وصدر حظر على حمل السلاح شبه الأوتوماتيكي. كما انتشرت عبر وسائل الاتصال فيديوهات عن قيام عديد من المسيحيين بمؤازرة نبيلة للمسلمين من مواطني دولهم، وبالأخص في كندا، حيث أقام العديد منهم أسوارا بأجسادهم حول الجوامع كي يحموا المسلمين من فعل شنيع مشابه لما جرى في نيوزيلندا خلال إقامتهم الشعائر الدينية، بل وصل الأمر إلى ارتداء بعض المسيحيات الحجاب ومرافقة صديقاتهن المسلمات بسياراتهن الخاصة إلى الجوامع.

بالمقابل، ضجت وسائل الاتصال الجماهيري مؤخرا بتناقل خطاب عجيب لرئيس إحدى الجامعات الأميركية يدعو فيه آلاف الطلبة علنا إلى حمل السلاح للدفاع عن أنفسهم، ويعرض عليهم دورات تدريب مجانية على إطلاق النار على المسلمين وقتلهم قبل أن يبادروا بقتل المسيحيين. لا أستطيع الجزم فيما إذا كان الخطاب جديدا، وهل له أية علاقة بحادثة نيوزيلندا، لكن تعميمه خلال الأيام العشر الماضية يفضح دلالات كامنة تحت سطح هادئ، إذ يشير إلى كون خطاب الكراهية متجذرا في أماكن لا تخطر على البال، لأنها منطقيا أماكن يفترض أن تقود خطاب التسامح والمحبة وحوار الأديان.

على ذمة تقرير وردني عبر "واتساب"، فإن 98% من الاعتداءات الإرهابية التي وقعت في الولايات المتحدة لم يرتكبها متطرفون إسلاميون، بل ارتكبها أشخاص يعانون من تطرف قومي أو اختلال عقلي أو اضطرابات نفسية، في حين أن الأعمال الإرهابية التي ارتكبها مهاجرون مسلمون لا تتجاوز نسبتها 2٪.

قبل أسابيع قليلة، عقب حضوري عرض فيلم قصير بعنوان Obstacle Course، من إنتاج فرقة Silk Road Rising في شيكاغو، فوجئت بردة فعل غريبة خلال النقاش الذي تلا عرض الفيلم. استلهم الفيلم عن مسرحية طويلة عنوانها "إنذار مسجد" Mosque Alert من تأليف الكاتب الأميركي جميل خوري.

تتصدى المسرحية لموضوع ساخن هو "الإسلاموفوبيا"، وتدور أحداثها في مدينة نيبرفيل في إلينوي حول خلاف محتدم تجاه مشروع تحويل مكتبة قديمة إلى جامع ومركز إسلامي يهدف لحوار الأديان. ينقسم المواطنون بين مؤيدين للمشروع الذي يجمع مهاجرين أميركيين جاؤوا من مصر وباكستان وسواهما، وبين متعصبين يعارضون بشدة فكرة بناء جامع ومركز إسلامي في قلب مدينتهم.

غرافيتي يمثل لحظة رمي الفتى الأسترالي ويل كونلي البيضة على السيناتور الأسترالي
غرافيتي يمثل لحظة رمي الفتى الأسترالي ويل كونلي البيضة على السيناتور الأسترالي

نلاحظ تعاطف جيل الشباب مع المشروع، بغض النظر عن كونهم مسيحيين أم مسلمين، في حين يواجه أحد المحامين البيض ومناصريه المشروع بتطرف عنصري بغيض.

تنتهي المسرحية إلى فشل المشروع وتوقفه، لكن أفراد الجمهور يزدادون وعيا لسوء الفهم السائد ونزعة التطرف المهيمنة، دون تبرئة للمسلمين أنفسهم بسبب عدم معاملة شيخ للمثليين معاملة منصفة وتمنعه عن قبول مناصرتهم علنا لمشروع الجامع والمركز الإسلامي.

يعرض الفيلم التعليمي جزءا من المسرحية عبر لقطات شبه وثائقية لأشخاص يدلون بشهادات متباينة، معظمهم يمثلون شخصيات المسرحية الأصلية، مع شخصيات أخرى أضيفت خصيصا لتأكيد الصراع المحتدم بين فئتين من المجتمع: واحدة تتمسك بجذورها وتدعو إلى حوار المحبة والتفاهم، والأخرى تدق ناقوس الخطر منذرة من تواجد مركز إسلامي وسط مجتمع مسيحي أبيض ومحافظ.

فوجئ حتى مؤلف المسرحية نفسه بأن بعض الحضور لم يستنتج من الفيلم الدعوة إلى بناء الجسور بين الثقافات المتعددة التي تفخر الولايات المتحدة باحتضانها، حسبما ينص الدستور الأميركي، وإنما قرأ في الفيلم خطاب الكراهية الذي يمثله المحامي العنصري ومناصريه.

شخصيا، أؤمن أن الجمهور على حق، بحيث إذا أسيء فهم نقطة معينة، فإن السبب ربما يكمن في عدم إجادة توصيلها. ذكرنا الفيلم بعدة أحداث إرهابية رهيبة وقعت مؤخرا في مدن أميركية، واستهدفت مسلمين أو يهودا أو مسيحيين، سواء في عبادتهم أو تسليتهم.

أعتقد أن إساءة فهم خطاب الفيلم نجم عن عدم إدراك الجمهور لحقيقة كون الفيلم عملا دراميا متخيلا يؤديه ممثلون محترفون، وليس عملا تسجيليا يظهر فيه أشخاص حقيقيون يعبرون عن آرائهم ومواقفهم، بما في ذلك العنصري المتطرف منها. لذلك، فإن فهم بعض الحضور للفيلم جاء على نحو لم يقصده مؤلفه ومنتجه على الإطلاق.

من المؤلم أن يحمل خطاب الكراهية ضد المهاجرين ـ خاصة المسلمين منهم ـ شكل عنف إجرامي مثير للاشمئزاز. إنها ردة فعل خاطئة من مهووسين لا يدققون فيما ارتكبته بعض جماعات متطرفة عمدت إلى تشويه الإسلام وتحريف رسالته السامية، التي لا تختلف في جوهرها وقيمها عن بقية الأديان السماوية.

نقش السفاح الأسترالي على بندقيته الأوتوماتيكية التي أزهق بها أرواح خمسين مسلما أحداث معارك جرت في التاريخ القديم. في المقابل، هل يشكل كسر بيضة على رأس سياسي عنصري الهوى خطوة مدانة، أم خطاب الكراهية الذي ألقاه شخص يميني يحث فيه على اضطهاد فئة بعينها هو المدان والمرفوض؟ هل ينص صون حرية التعبير على تجاهل التحريض على قتل أبناء دين من الأديان؟ هل يمكن السماح بحرية التعبير إذا تضمنت خطاب كراهية ودعوة للعنف وإراقة الدماء؟ أم أن جميع الدول المتقدمة في العالم ستسن قوانين تحظر ذلك وتمنع انتشار الأسلحة الأتوماتيكية؟ هل يقبل أحد اليوم بترويج العنصرية البغيضة مثلا ضد الأفارقة ـ الأميركيين؟ هل يمكن اليوم لأحد أن يسكت على بشاعة دعاوى النازية عن تفوق العرق الآري وتبرير الجرائم المرتكبة في "الهولوكوست"؟ أجزم أن الجواب على جميع هذه الأسئلة هو "لا"، ثم "لا".

من المؤلم أن يحمل خطاب الكراهية ضد المهاجرين ـ خاصة المسلمين منهم ـ شكل عنف إجرامي مثير للاشمئزاز

ليس من الممكن لأي قضاء نزيه ولا لأية قوانين وضعية ولا لأي حرية إعلامية التسامح مع هذا المنطق الشرير أبدا. في الواقع، هناك عديد من الأمور لا تسمح الحرية الغربية بقولها على الإطلاق، وإلا تعرض قائلها للمساءلة القاسية، فهل من المقبول إذن "الكيل بمعيارين"؟ إن حرية التعبير حق مكفول، لكنه يقف عند حدود عدم انتهاك حقوق الآخرين بالتعامل معهم انطلاقا من خطاب كراهية، والتحريض على جرائم حقد أعمى.

لذا، فالمطلوب عالميا درء الإرهاب على شتى أشكاله، وإيقاع عقوبات صارمة بكل من يروج لآراء هدامة أو يقدم على ارتكاب جرائم عنصرية في المجتمعات الإنسانية. وإلا، هل يمكن استنكار كسر بيضة على رأس متطرف يميني، وغض النظر عن الدعوة للتدرب على حمل السلاح الأوتوماتيكي بهدف قتل أبناء دين معين؟

اقرأ للكاتب أيضا: هل تفضل أن تكون الأعلى أم الأقوى؟

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG