Accessibility links

خطر الانفجار السكاني


منطقة العتبة في وسط العاصمة المصرية

بقلم محمد المحمود/

كانت ـ ولا تزال ـ إشكالية النمو الديموغرافي في العالم العربي من أكبر الإشكاليات التي لم تؤخذ بعد مأخذ الجد؛ رغم كثرة الحديث عنها، سواء في الأطروحات الثقافية العامة، أو في التوصيات/ التوجيهات الحكومية ذات الاختصاص. فالحكومات إلى الآن تكتفي بالتوجيه وصياغة الإرشادات العامة ـ على استحياء؛ دون أن تجرؤ على سن القوانين التشريعية الصارمة القادرة على تلافي كل هذه الكوارث المتعددة الناجمة بالضرورة عن هذا الانفجار السكاني الآخذ في الاتساع والذي يقف منه العالم العربي اليوم على فوهة بركان.

على امتداد عقد ونصف؛ تحدثت، وفي أكثر من مقال لي، عن خطر الانفجار السكاني على مستقبل عالمنا العربي من حيث كونه كفيلا بتحطيم جميع المنجزات الراهنة، رغم ضآلتها، وتعطيل أية إمكانية لتحقيق التنمية الواعدة التي يجري التخطيط لها في معظم الأقطار العربية على نحو محدد في الزمان والمكان. كثيرون تحدثوا، وحذروا، خاصة في العقود الأربعة الأخيرة، وكثير من المنظمات العالمية والعربية تحدثت وحذرت، ولكن لا شيء عمليا يجري على أرض الواقع؛ رغم أن الكارثة تتضخم يوما بعد يوم، والأرقام تدق نواقيس الخطر، والمعاناة اليومية لهذه الشعوب العربية تصدق هذه الأرقام.

جميع دول العالم التي عانت ـ أو لا تزال تعاني ـ من هذه المشكلة، حتى في حدودها الدنيا، وضعت خططا واضحة وعملية لمحاصرة المشكلة، وشرعت ـ منذ أمد ـ للتثقيف العام بخطرها، وسنت القوانين لوضع تلك الخطط موضع التنفيذ بالقوة. لكننا للأسف لا نزال نراوح مكاننا في ما قبل الخطوة الأولى من هذا المضمار. أي أننا لا نزال لم نطرحها كمشكلة خطيرة، كمشكلة شاملة تحتضن في رحمها الكثير من المشكلات، سواء أكانت تنتجها بالأصالة، أم كانت تمنحها ما تحتاجه من القوة والشيوع؛ بحيث تحولها من مشكلات عابرة/ ظرفية/ معزولة يمكن احتمالها إلى إشكاليات مزمنة ذات طابع علائقي، وبالتالي كفيلة بتحقيق الإعاقة الشاملة الدائمة لمجتمع عربي لا يزال ناميا، أو ـ على نحو أدق ـ لا يزال نائما.

لا يمكن عزل مكونات الوعي الثقافي العربي العام عن المسارات التي تحكم عملية تراجع الوعي بخطر الانفجار السكاني

لقد كان عدم توفر الإحصائيات الدقيقة عن السكان في العالم العربي، وخاصة في العقود الماضية، من أهم المشاكل التي تعيق مسارات البحث في تفاصيل هذا الخطر الداهم. يدل على ذلك التباين الكبير في الأرقام الصادرة عن كثير من مراكز البحوث. لكن، ولحسن الحظ، في السنوات القليلة الماضية بدأت تظهر كثير من الإحصائيات الدقيقة نسبيا؛ بعد أن أخذت كثير من الدول العربية مسألة التعداد السكاني مأخذ الجد في ظل توفر آليات إحصاء متطورة من شأنها أن تقلل من حجم الأخطاء. ومع هذا يظن أن أكثر عمليات الإحصاء لم تحط إحاطة كاملة بالتعداد الكلي للسكان. ما يعني أن العدد الحقيقي يفوق ـ قليلا أو كثيرا ـ العدد المعلن، خاصة في بعض البلدان العربية ذات الكثافة السكانية العالية، والتي تفتقر ـ في الوقت نفسه ـ لشبكة واسعة من الطرق المتنوعة، وإلى منظومة متكاملة من الشبكات المعلوماتية المتطورة القادرة على إمداد أجنحتها الرقابية/ الإشرافية بكل التقنيات الضرورية التي تحتاجها لبسط رقابتها على كامل رقعة الأرض الوطنية بكل ما فيها من هوامش ريفية نائية وعشوائيات طَرَفية مبعثرة، حدودها ومعالم وحداتها وتفاصيلها وتحولاتها متوارية عن الأنظار؛ عن قصد، أو بحكم واقع الحال.

اقرأ للكاتب أيضا: وحدة الوعي الأصولي: الديني والقومي

سنأخذ بالتقديرات، وسنبني أحكامنا على المتاح، وهو كاف لرسم معالم النمو السكاني في هذا العالم العربي. تتحدث الإحصائية الأخيرة المنشورة على موقع (عربية نيوز) عن العدد الإجمالي لسكان العالم العربي هذا العام 2018، وتقرر أنه بلغ أكثر من 423 مليون نسمة. وفي تشرين الأول/أكتوبر من العام الماضي 2017 أعلنت مصر أن عدد سكانها بلغ 104 مليون نسمة؛ وفق الإحصائية التي أجريت في السنة نفسها. وحجم النمو ـ كما في كثير من الإحصائيات التي تتعلق بالسكان في العالم العربي ـ بلغ نحو 3 في المئة سنويا. وفي مصر بلغ معدل النمو 2.56 في المئة سنويا في الفترة بين 2006 ـ 2016.

وتكاد معظم الإحصائيات تتفق على أن عدد سكان العالم العربي في عام 1998 بلغ 280 مليون نسمة، بينما بلغ 2003 أكثر من 300 مليون نسمة، أي بزيادة عشرين ميلون نسمة في خمس سنوات فقط. واليوم بلغوا 423 مليون نسمة، أي بزيادة 123 مليون نسمة في 14 عاما فقط. وفي مصر، نجد أن كل الإحصائيات الصادرة، على اختلافاتها الطفيفة، تشير إلى أن عدد سكان مصر ارتفع في السنوات العشر الأخيرة بزيادة تتجاوز 22 مليون نسمة. وبناء على تنامي نسبة النمو من جهة، وارتفاع عدد السكان إلى أكثر من 104 مليون نسمة، سيزيد عدد سكان مصر في السنوات العشر المقبلة أكثر من 26 مليون نسمة؛ ليبلغ عدد السكان الإجمالي المتوقع أكثر من 130 مليون نسمة في عام 2028.

ماذا تعني كل هذه الأرقام في دول عربية لا تزال يعاني أكثرها من انعدام الاستقرار السياسي، ومن اختناقات اقتصادية وتنموية وتعليمية، ومن اضطرابات اجتماعية تمارس خلخلة حقيقية لمنظومة القيم، ومن انحطاط كبير في الخدمات الصحية... إلخ؟

لنتأمل المشهد الكارثي أمامنا كما تنطق به لغة الأرقام. مصر، في غضون عشر سنوات، ورغم كل ما تعانيه، ستكون مضطرة لتحمل عدد إضافي من السكان (26 مليونا) يفوق العدد الإجمالي لسكان سورية. دولة، كالجزائر أو المغرب، ستكون مضطرة لتحمل الكثير مما يفوق طاقتها، إذ سيكون العدد الإضافي لكل منهما بحجم سكان الأردن ولبنان مجتمعين. السعودية في السنوات العشر القادمة سيزيد عدد سكانها ستة ملايين تقريبا، أي سيكون على السعودية أن تتحمل عددا من السكان بحجم بلد كالأردن. السودان، كيف يستطيع النهوض وهو في السنوات العشر القادمة سيتحمل عبئا سكانيا يماثل عدد سكان تونس!

مصر، في غضون عشر سنوات ستكون مضطرة لتحمل عدد إضافي من السكان (26 مليونا) يفوق العدد الإجمالي لسكان سورية

إن كل خطط التنمية ـ ولو أتت بما يشبه المعجزات ـ لن تؤثر؛ مع هذا الانفجار السكاني المروع. كل معدلات النمو الاقتصادي/ التنموي، ومهما كان حجمها، ستلتهمها هذه الزيادة السكانية النامية بوتيرة جنونية. ثمة نمو تنموي حقيقي في البلدان العربية. صحيح أنه بطيء، ومتعثر أحيانا، ولكنه حقيقي، هناك مدارس تبنى، ومستشفيات مدعومة بالضروري من التجهيزات، ومطارات واسعة، وشبكة مواصلات أرضية... إلخ، تستطيع أن توفر الحدود الدنيا من الخدمات لو كان النمو السكاني في حدود المتعارف عليه عالميا. ولكن ـ للأسف ـ ها هي الأرحام تقذف بالملايين التي تجتاح كل البنى التحتية كالطوفان المدمر؛ وإن لم يكن الدمار مباشرا وسريعا. والعجب أن كل هذا يحدث على مرأى ومسمع من الجميع، والجميع يعاني من ويلاته ليل نهار، الجميع يشتكي من الأزمات الاقتصادية، ومن تردي الخدمات، ومن عدم كفاية المنجزات، ومع هذا لا يجتمع رأيهم على تحديد السبب الرئيس الذي يقف خلف هذا الانسداد التنموي الحاد.

اقرأ للكاتب أيضا: مستقبل الأصوليات في العالم العربي

حتى عندما يفكر المعنيون في العالم العربي بهذه المشكلة في لحظة صفاء تنموي، فإنهم يفكرون فيها بطريقة تقليدية، طريقة مشروطة ـ صراحة أو ضمنا ـ بمكونات الوعي التقليدي العام. عندما تطرح قضية السكان، يتحدث المعنيون، بل وكثير من مدعي الثقافة/ العلم/ التخطيط الاستراتيجي التنموي، عن الثروات الوطنية والمقومات القومية، وأحيانا الفخر الطفولي بالكثرة، بينما العلم الحديث بكل مكوناته يؤكد أن "العوامل الثلاثة التقليدية ـ اتساع رقعة الأراضي، الأهمية الديمغرافية أو أعداد السكان، والغنى في الموارد الأولية ـ لم تعد تشكل مؤهلات تحسد عليها الدول، وإنما صارت معوقات ثقيلة الكلفة على التقدم في العصر ما بعد الصناعي" (حروب القرن الواحد والعشرين، إينياسيو رامونيه، ص19). ومعضلة الوعي العربي أنه لا يزال يعيش مرحلة ما قبل العصر الصناعي، ولم يدخل مرحلة العصر الصناعية بعد؛ فضلا أن يمتد فضوله المعرفي ليعاين الاشتراطات الحديثة للعصر ما بعد الصناعي.

على أي حال، لا يمكن عزل مكونات الوعي الثقافي العربي العام عن المسارات التي تحكم عملية تراجع الوعي بخطر الانفجار السكاني. ليست المسألة عدم مبالاة فحسب، بل ثمة محفز ثقافي ـ اجتماعي يحرض بشكل مباشر أو غير مباشر ـ على تصعيد النمو السكاني من جهة، وعلى تهوين تداعيات هذا النمو من جهة أخرى.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG