Accessibility links

خلل في موقع الرياض


ولي العهد السعودي محمد بن سلمان

حازم الأمين/

السعودية في موقع إقليمي ضيق لا تحسد عليه. فشل سياساتها في اليمن وفي قطر وفي إدارة الأزمة مع إيران بدأ يثقل عليها. الإمارات العربية المتحدة بدأت تبتعد عنها، وقدرتها على صد هجمات الحوثيين على أهداف داخل حدودها منعدمة. واشنطن لا يبدو أنها خير حليف هذه الأيام، وطهران متحفزة وتصعد من هجماتها في ظل عجز الرياض عن التعامل مع فظاظة الجار الكبير.

الخيارات أمام المملكة لم تعد كبيرة. الولايات المتحدة الأميركية في السنة الأخيرة من ولاية دونالد ترامب الأولى مقيدة بحسابات الانتخابات، وليس أمام القيادة السعودية سوى أن تبحث عن مخارج لحال الاختناق الذي تعيشه عبر تسويات صغيرة وانعطافات شبيهة بتلك التي أقدمت عليها أبوظبي. فالمشهد من حول الرياض موحش، وهي لم تكن يوما وحيدة على نحو ما هي الآن.

الأعوام الأخيرة شهد موقع المملكة انعطافة لا يبدو أنها كانت معدة لها

الهجمات الأخيرة التي نفذتها طائرات من دون طيار وصواريخ على مواقع نفطية حساسة كشفت أن واشنطن تركت الرياض في العراء، ويبدو واضحا أن طهران قررت خوض معركة كسر الحصار المضروب عليها في الخليج، بعد أن أُقفلت في وجهها جبهات المشرق في سوريا ولبنان.

الخليج هو خاصرة العالم الرخوة. اقتصاده ونفطه، والممالك الضعيفة والهشة تتيح ابتزاز العالم فيه. والخليج متاح لطهران من ضفافه الثلاث، أي من البحر ومن العراق ومن اليمن. هذه البؤر الذي بنت فيها إيران نفوذا على مدى العقدين الفائتين، حان موعد توظيفها، وهي نفسها بؤر النفوذ التي غادرتها الرياض، كحال العراق، وإما أساءت الحضور فيها كحال اليمن. والآن حان موعد الصراخ.

لا يبدو أن أمام ولي العهد السعودي محمد بن سلمان سوى أن يعود خطوة إلى الوراء. الأفق مقفل، وطهران ذاهبة في المواجهة إلى ما قبل الحرب بخطوة صغيرة. العالم كله مشدود الأعصاب وإيران تجيد اللعب في هذه المناطق. رد الفعل الأميركي على الضربات الأخيرة جاء مخيبا، والرياض التي قالت إنها تملك قرائن على تورط طهران المباشر بهذه الهجمات لم تجد من تضع هذه القرائن أمامه.

الحكمة تقضي بأن تعود الرياض إلى موقعها التقليدي في إدارة علاقاتها وأزماتها مع جيرانها. فالأعوام الأخيرة شهد موقع المملكة انعطافة لا يبدو أنها كانت معدة لها.

ثمة خلل في الموقع الرياض أتاح لطهران تنفيذ هجماتها الأخيرة

انتقلت في علاقتها مع اليمن من موقع مؤثر من خارج الحدود إلى التدخل العسكري المباشر الذي استنزف حدودها واقتصادها وموقعها.

وفي العلاقة مع قطر التي لطالما شهدت توترات في مرحلة ما بعد انقلاب الأمير الأب على الأمير الجد، نفذت الرياض حصارا مباشرا على جارتها الصغيرة والغنية، فتحولت الدوحة إلى عاصمة خصومة ميدانية. التفت على الحصار مستعينة بثروتها النفطية الهائلة، واستدعت حراسا إقليميين كبارا مثل أنقرة أنشأوا فيها قواعد عسكرية محاذية للحدود مع السعودية، وأفضى الحصار أيضا إلى علاقات دافئة بين الدوحة وبين طهران، وهو ما عزز موقع طهران في الخليج وقربها خطوة إضافية من الحدود مع خصمها الرئيسي في الخليج.

العلاقة مع واشنطن لا تكفي وحدها للقيام بهذا التحول. موقع الولايات المتحدة ليس ثابتا في كل المعادلات في المنطقة. تغير الإدارة يعني تغير الموقع، والمصالح المتقاطعة معها في الخليج محكومة بحسابات غير خليجية أيضا. يمكن لواشنطن أن تتراجع عن التزامات في منطقة ما من العالم لقاء توافقات في مناطق أخرى، وهذا ما جرى مع الرياض أكثر من مرة. ثم أن الإدارة الأميركية صارت ومنذ الحادي عشر من سبتمبر 2001 محكومة بانعدام ثقة الدولة العميقة في أميركا بالمملكة، وانعدام الثقة هذا تعزز مؤخرا بعد واقعة قتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية المملكة في إسطنبول.

الحكمة تقضي بأن تعود الرياض إلى موقعها التقليدي في إدارة علاقاتها وأزماتها مع جيرانها

موقع الرياض تصدع في المشرق أيضا. فهي خسرت لبنان بإرادتها وخسرت سوريا والعراق، أما فلسطين بشقيها الفتحاوي والحمساوي فتولت الاندفاعة وراء ما سمي "صفقة القرن" مهمة تبديد ما تبقى من علاقة معها، وهذا ما انعكس أيضا مزيدا من الاضطراب في العلاقة مع عمان.

لإيران وكلاء محليون في كل بؤر المواجهات التي تخوضها، فيما الرياض فقدت حضورها في معظم مناطق نفوذها التقليدي، وهي إذ قررت خوض الحرب بيدها في اليمن، بدت مترددة، أو غير قادرة، على التحول إلى قوة برية، وهو ما أعطى الحوثيين ومن خلفهم إيران قدرة على التمدد إلى داخل حدودها، فيما بدت واشنطن خارج هذه المواجهة وتولت الضغط على طهران عبر العقوبات بسبب ملفات أخرى، لعل أبرزها نفوذها في المشرق، المنطقة التي غادرتها الرياض بملء إرادتها.

ثمة خلل في الموقع الرياض أتاح لطهران تنفيذ هجماتها الأخيرة.

اقرأ للكاتب أيضا: لبنان: قلق في المصارف

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG