Accessibility links

خيارات أنقرة الشمال السوري... تزداد ضيقا


رجب طيب أردوغانخيارات تركيا، وبعد ثماني سنوات من اندلاع الأزمة السورية، تزداد ضيقا

عريب الرنتاوي/

لم تترك حكومة رجب طيب أردوغان طريقا إلا وسلكته من أجل تظهير مشروع "المنطقة الآمنة" في شمال سوريا. فمنذ بواكير الأزمة السورية، والحديث التركي عن الحاجة لهذه المنطقة لا يتوقف إلا ليبدأ من جديد، وسط إجماع نادر للمراقبين والمحللين السياسيين على أن فكرة المنطقة الآمنة، إنما تستهدف حصرا، وبالأساس، ضرب المشروع الكياني للحركة الكردية السورية، مستقلا كان أم في إطار علاقة فيدرالية ضمن إطار الدولة السورية.

في البدء، استغاثت تركيا بـ"حلف الناتو"، وسعت بكل الطرق لاستجرار دول بروكسيل لهذا المشروع، واستحضرت بطاريات "الباتريوت" لتوفير مظلة جوية للمنطقة العازلة، وتبنت أنقرة مطالب المعارضات السورية الرامية استحداث منطقة "حظر طيران" في الشمال السوري، أسوة بتلك التي فُرضت في شمال العراق زمن حكم الرئيس العراقي الراحل صدام حسين بعد غزوه للكويت... لكن هذه المحاولات وصلت إلى طريق مسدود.

ليس لدى تركيا حليف أو داعم في مشروعها الرامي إلى إنشاء منطقة آمنة شمالي سوريا

أنقرة لم تيأس أو تحبط، إذ سعت بكل السبل المتاحة من أجل إقناع واشنطن بمنحها ضوءا أخضر، لإنشاء هذه المنطقة، وهذه المرة بذريعة محاربة التنظيمات الإرهابية كداعش والنصرة، المصنفة إرهابية في القوائم الأميركية والتركية (والأممية) السوداء، لكن أحدا في واشنطن لم يشتر هذه "البضاعة التركية"، فالكل كان موقنا أن الدبابات التركية ما إن تجتاز الخط الحدودي مع سوريا، حتى توجه فوهات مدافعها ضد أهداف كردية، وليس ضد التنظيمات الإرهابية المذكورة... مرة أخرى، تصطدم مساعي أنقرة لإنشاء الحزام الأمني الحدودي بجدار صلب، من دون أن يفضي ذلك إلى "تليين" الموقف التركي المتصلب حيال هذه المسألة.

ثم سيجد الرئيس التركي في قرار نظيره الأميركي الانسحاب من جانب واحد من شمال شرق سوريا، ضالته، فيعاود الحديث عن "ملء الفراغ" الأميركي، متعهدا بملاحقة الإرهاب على اختلاف أشكاله ومسمياته وفصائله، في إشارة لا تخفى دلالتها على أحد، فالإرهاب في القاموس التركي، يعني أولا وقبل أي شيء آخر، وحدات الحماية وقوات سوريا الديمقراطية...

اقرأ للكاتب أيضا: تجارب عربية أربع في 'التمديد والتجديد'

لكن واشنطن، وعلى الرغم من حاجتها لمن يملأ فراغها من بين حلفائها، ظلت على "قلقها" و"تحسبها"، من مغبة قيام الجيش التركي بأوسع عمليات التصفية والمطاردة لحلفائها الأكراد، الذي قاتلوا معها بجدارة ضد تنظيم داعش الإرهابي.

التفت تركيا شرقا، وبحثت في موسكو وطهران، تارة تحت مظلة أستانا وطورا تحت سماء سوتشي، عن حليف إقليمي ـ دولي، يساعدها في إخراج مشروعها المثير للجدل والمخاوف، إلى حيز التنفيذ... وعرض السيد أردوغان فكرته على نظيريه الروسي والإيراني... الأول، لم يصل في تفهمه للاحتياجات والمخاوف الأمنية التركية، حد القبول بهذه الفكرة، وكل ما جادت به قريحته، اقتراح إحياء "اتفاق أضنة 1998"، بعد أن كان نسيا منسيا... أما الثاني، وبالرغم من مخاوف بلاده العميقة من انبعاث أي كيانية ذاتية للأكراد في دول انتشارهم الأربع في الإقليم، إلا أنه آثر الالتزام بمخاوف ومواقف حليفه السوري، الذي ينظر للدور التركي بوصفه تهديدا استراتيجيا، فلم يجد أردوغان عند روحاني إذنا صاغية، ولم يخرج الرئيس الإيراني عن "سقف" اتفاق أضنة، تاركا التفاصيل لحوار تركي سوري تعهد، كما فعل بوتين، بالتوسط لتيسيره وتسهيل الوصول إليه إن قبل الطرفان بما يعرضه من "مساعٍ حميدة".

والحقيقة أن خيارات تركيا، وبعد ثماني سنوات من اندلاع الأزمة السورية، تزداد ضيقا، فتطورات الأشهر القليلة الفائتة، تبعد أنقرة عن فكرة المنطقة الآمنة، بدل أن تقربها منها؛ ويكفي في هذا المجال أن نشير إلى أهم المواقف الإقليمية والدولية الناشئة، التي تجعل مهمة السيد رجب طيب أردوغان صعبة للغاية، وحلمه بإنشاء منطقة آمنة على طول الحدود مع سوريا، وبعمق يتراوح ما بين 30 ـ 32 كم، بعيد المنال:

فالولايات المتحدة من جهة أولى، ما زالت على موقفها الداعم لأكراد سوريا والضامن لحمايتهم، فالرئيس ترامب لم يتردد في تهديد الاقتصاد التركي بالدمار إن هو ارتكب "حماقة" استهداف حلفائه الأكراد... ونائبه مايك بنس يطالب دولا أوروبية وعربية حليفة بتشكيل قوة بديلة تحل محل القوات الأميركية المنسحبة في إدارة منطقة آمنة وعازلة بين الأتراك وأكراد سوريا... وآخر ما صدر عن واشنطن بهذا الصدد، تأكيد ترامب على الإبقاء على 400 جندي أميركي سيعملون في هذه المنطقة (وفي قاعدة التنف) كقوات فصل وحفظ سلام، والأرجح أنهم لن يعملوا لوحدهم، بل ربما كانوا نواة هذه القوة الإقليمية ـ الدولية، التي ستحول بين تركيا وحلمها بالمنطقة الآمنة.

والاتحاد الروسي من جهة ثانية، بدا مستمسكا بالمصالحة بين أنقرة ودمشق، إحياء وتفعيلا لاتفاق أضنة، أو لاتفاق أضنة "Plus"، وبدا أن الكرملين يستعجل الحسم العسكري في إدلب، تاركا لتركيا "نافذة فرص" تزداد ضيقا للتحرك منفردة أو بالاشتراك مع روسيا وحلفائها لتخليص "إدلب وجوارها" من سيطرة "النصرة" شبه المطلقة...

ولا شك أن تركيا التي ما زالت مترددة في الانفتاح سياسيا على دمشق، تراقب بقلق بالغ تحرك موسكو على خط الوساطة بين أكراد سوريا والنظام في دمشق، حيث تفيد المصادر المتطابقة عن بدء هذا الحوار وتبادل الوفود بين القامشلي ودمشق، وسط تحذيرات أميركية شديدة اللهجة بأن واشنطن سترفع يدها عن الأكراد إن هم تصالحوا مع النظام، أو عمدوا إلى تيسير عودة قواته إلى مناطق انتشارهم.

أما حلفاء واشنطن العرب من جهة ثالثة، فقد كثّفوا نشاطاتهم مؤخرا، وإن جاء تحركهم كعادتهم، متأخرا جدا، فدول الاجتماع التشاوري الخمس (السعودية، مصر، الإمارات، الكويت والأردن)، بدا أنها تفضل دورا لقوات سوريا الغد "قوات النخبة" مدعومة بقوات "بيشمركة روج آفا"... الأولى مقربة من الرياض وأبو ظبي ومدعومة منهما، والثانية مقربة مسعود البرزاني زعيم إقليم كردستان العراق... وثمة أحاديث عن فرصة تشكيل قوة من عشرة آلاف مقاتل من الأكراد الموالين للبرزاني والعشائر العربية المدعومة من دول الخليج، لتنتشر في مناطق "الفراغ الأميركي"، وثمة مصادر تتحدث استعداد تركي مشروط للتعامل مع هذا المقترح، الذي يُعتقد أن الملك عبد الله الثاني نقله للزعيم التركي في آخر قمة جمعتهما بعد الاجتماع التشاوري في البحر الميت وإثر زيارة مسعود البرزاني المفاجئة لعمان... أما الشرط التركي، فيتمثل في قبول انتشار هذه القوة في مناطق سيطرة الأكراد، وليس في المنطقة الآمنة التي تريد تركيا أن تكون لها "الكلمة الفصل" فيها.

الولايات المتحدة من جهة أولى، ما زالت على موقفها الداعم لأكراد سوريا والضامن لحمايتهم

واللافت أن الرئيس التركي الذي يستشعر حجم العداء الذي تكنه دول عربية لنظامه، واستتباعا لدورها في شمالي سوريا، وتحديدا السعودية ومصر والإمارات، اقترح توسيع مسار أستانا بضم دولتين عربيتين أخريين هما لبنان والعراق إليه بوصفهما دولتي جوار لسوريا (الأردن يشارك بعضو مراقب)، وظنا منه كذلك، إن توسيع هذا الإطار من ثلاثي إلى خماسي يمكن أن يرفع عنه بعضا من ضغوط الحليفين الروسي والإيراني، لكن أنقرة صُدِمت على ما يبدو بمواقف بيروت الرافضة للمنطقة الآمنة، والمشددة على الحاجة للحوار مع دمشق، ومواقف بغداد التي تذهب بالوجهة ذاتها تماما.

الخلاصة أن ليس لدى تركيا حليف أو داعم في مشروعها الرامي إلى إنشاء منطقة آمنة شمالي سوريا، لا في الشرق ولا في الغرب، إذ باستثناء قطر وجماعة الإخوان المسلمين في المنطقة، لا يبدو أن ثمة دولة مؤثرة واحدة، تتفهم هذا المشروع وتقبل به، ومن باب أولى مستعدة لدعمه.

أين من هنا؟

في البحث عن مخرج من استعصاء مشروع المنطقة الآمنة، ترتفع أسهم خيار "أضنة Plus" وتزداد الضغوط على الزعيم التركي لتجاوز "عقدة الأسد" والشروع في حوار مع دمشق، وثمة ما يشير إلى أن أنقرة تدرس هذا الخيار بمنتهى الجدية، بل وربما تكون بدأت اختباره فعليا كذلك، فالوزير التركي مولود جاويش أوغلو كشف عن قنوات اتصال مفتوحة مع دمشق، ولكن على المستوى الأمني فقط، ومصادر مطلعة في بيروت تحدثت عن زيارة قام بها اللواء علي مملوك إلى أنطاليا التركية حيث التقى فيها بالجنرال حاقان فيدان، في حين تلقف الرئيس التركي من نظيره الروسي فكرة العودة إلى اتفاق أضنة، وبدأ يتحدث بها كما لو كانت مشروعا تركيا، متعمدا تقديم قراءته الخاصة لهذا الاتفاق، بما يخدم أو يقترب من فكرة المنطقة الآمنة.

اقرأ للكاتب أيضا: سيناريو متخيّل لـ'حل الدولة الواحدة'

لم يتوقف الحراك السياسي والميداني في شمال سوريا وحوله، ولم ترسُ سفينة هذه الحل على شاطئ آمن بعد، لكن ثمة في أنقرة، من قيادة الحزب الحاكم ذي المرجعية الإسلامية، من يعمل بمنطق "فقه الأولويات"، فإن تعذر تحقيق بعض من الأحلام التوسعية العثمانية في الفكر والثقافة، فلا بأس من تفعيل البراغماتية في السياسة، والبراغماتية السياسية قد تفضي إلى مصالحة مع دمشق، مدخلها أضنة، ومآلها منع الأكراد من تشكيل كيانية ذاتية مستقلة أو شبه مستقلة، وتلك مصلحة مشتركة بين دمشق وأنقرة، تشاطرهم إياها طهران وبغداد، وقد تتواطأ معها موسكو وعدد متزايد من العواصم العربية الفاعلة، وتجد واشنطن نفسها مرغمة على التسليم بها كأمر واقع.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
XS
SM
MD
LG