Accessibility links

"داعش" يزأر مجددا


نساء من عائلات مقاتلي داعش في مخيم الهول

إيلان بيرمان/

في ربيع هذا العام، استعادت قوات المعارضة السورية المدعومة من الولايات المتحدة آخر بقايا الأراضي السورية التي كانت تحت سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، مما يمثل النهاية الرسمية لتجربة الجماعة الإرهابية القصيرة الأمد في إدارة شؤون دولة. ومع ذلك، بعد أقل من نصف عام، يستعد داعش للعودة إلى الساحة.

هذه هي خلاصة آخر تقرير إلى رفعه مكتب المفتش العام في البنتاغون إلى الكونغرس حول "عملية العزم الصلب"، مثلما تعرف جهود مكافحة الإرهاب التي تقودها الولايات المتحدة ضد داعش. الدراسة، التي نشرت علنا في أوائل أغسطس وتغطي الفترة من 1 أبريل إلى 30 يونيو، تشير إلى أن تنظيم داعش وعلى مدى الأشهر القليلة الماضية "عزز قدراته المسلحة في العراق وعاود الانتشار في سوريا".

من غير المستغرب أن ينشط داعش في مخيم الهول، حيث يحاول تجنيد أعضاء جدد

التفاصيل مثيرة ـ ومقلقة للغاية. بينما لا يزال تنظيم داعش يفتقر إلى القدرة على تنفيذ هجمات عسكرية واسعة النطاق أو السيطرة على الأراضي لفترات طويلة من الزمن، فإن أنشطته المزعزعة للاستقرار ـ وتتضمن "الاغتيالات والكمائن والعمليات الانتحارية وحرق المحاصيل" ـ آخذة في الازدياد. الهدف من هذه الأنشطة واضح: غرس الخوف وتقويض الاستقرار المحلي وإثبات أن "الدولة الإسلامية" لا تزال ممكنة وقابلة للحياة.

إضافة إلى ذلك، وعلى الرغم من الخسائر الكبيرة في ساحة المعركة خلال العام ونصف العام الماضيين، تمكن داعش من الحفاظ على عدد لا يستهان به من المقاتلين. وفقا لتقرير مكتب المفتش العام، من المحتمل أن لدى التنظيم "ما يتراوح بين 14000 و18000 'عضوا' في العراق وسوريا، ومن بينهم نحو مقاتل 3000 أجنبي" ، ويحاول التنظيم تعزيز هذه القوات عبر نشاطه من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، على مستوى العالم.

هذه القدرات ظاهرة حاليا في العراق. يحاول داعش "توسيع نفوذه في أوساط السكان في المحافظات ذات الأغلبية السنية شمال وغرب بغداد"، حيث لا يزال انتشار الجيش العراقي مؤقت. في تلك الأماكن، أعاد داعش تنظيم قيادته وأنشأ ملاذات آمنة، ويعمل الآن بجد لتعزيز صفوفه من خلال استغلال "الروابط العائلية والقبلية".

وفي الوقت نفسه، عزز ضعف الشركاء المحليين من أنشطة داعش. إذ لاحظت الدراسة أن قوات الأمن العراقية وقوات سوريا الديمقراطية المدعومة من الولايات المتحدة "غير قادرة على الاستمرار في عمليات طويلة الأمد ضد مقاتلي داعش". ففي العراق، تفتقر قوى الأمن الداخلي في كثير من الأحيان إلى القدرة على إبقاء القوات في الأراضي التي "تطهيرها" من وجود داعش، مما يسمح للتنظيم بإعادة تشكيل قواته واستعادة الأرض.

كذلك يستغل داعش ببراعة الانقسامات السياسية الداخلية في العراق ـ وأهمها التوترات الطويلة الأمد بين الحكومة المركزية في البلاد وإقليم كردستان. أحدث هذا الاحتكاك "فجوات" في تغطية المناطق المحررة بين قوات الأمن العراقية وقوات البشمركة الكردية وهو ما استفاد منه مقاتلو داعش من أجل "إعادة تجميع صفوفهم والتخطيط لهجمات".

في هذه الأثناء، يبرز شمال شرق سوريا بسرعة كنقطة نزاع حرجة. ففي محافظة الحسكة، يضم مخيم الهول المترامي الأطراف حوالي 75000 نازح حاليا. ويشمل هذا العدد "الآلاف من أفراد عائلات مقاتلي داعش"، والذين يقدر عددهم بنحو 29000 من بينهم أطفال المقاتلين الأجانب. من غير المستغرب أن ينشط داعش في مخيم الهول، حيث يحاول تجنيد أعضاء جدد. وفي الوقت نفسه، أدى تقليص عديد للقوات الأميركية في سوريا، إلى إضعاف قدرة أميركا وحلفائها على قياس الظروف داخل المخيم بدقة، مما أجبر واشنطن وحلفائها على "الاعتماد على تقييم طرف ثالث" أي المنظمات والناشطين في المجال الإنساني.

يستغل داعش ببراعة الانقسامات السياسية الداخلية في العراق

في الوقت نفسه، ووفقا لدراسة مكتب المفتش العام، فإن قوات سوريا الديمقراطية قادرة على توفير "الحد الأدنى من الأمن" داخل المخيم لا أكثر، مما يسمح لأيديولوجية تنظيم داعش بالانتشار "بلا جدال". هذا أمر بالغ الأهمية، لأن تقديرات الأمم المتحدة تشير إلى عودة نحو 31,000 لاجئ عراقي في المخيم إلى بلادهم خلال الأشهر المقبلة ـ يحتمل أن يعيد داعش تنشيط شبكته في العراق خلال هذه العملية.

بالتأكيد، إن هذه الاستنتاجات غير مرحب بها بالنسبة للبيت الأبيض. لم يخف الرئيس الأميركي دونالد ترامب حقيقة أنه اعتبر أن المعركة ضد داعش قد تم كسبها، وأن إدارته حولت اهتمامها بشكل متزايد بعيدا عن مكافحة الإرهاب باتجاه صراع "القوى العظمى" مع روسيا والصين. ومع ذلك، وكما يوضح تقييم البنتاغون بشكل واضح، فإن المعركة ضد داعش في العراق وسوريا لا تزال بعيدة عن خواتيمها.

اقرأ للكاتب أيضا: "النموذج الصيني" يصل الشرق الأوسط

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
XS
SM
MD
LG