Accessibility links

جاذبية 'دراما البيئة'


خلال تصوير مسلسل "حمام شامي" عام 2013 (أرشيف)

بقلم كوليت بهنا/

مع انتهاء موسم الدراما الرمضاني لهذه السنة بزخم كبير من الأعمال السورية والعربية، رأى بعض عشاق الدراما أن نكهة رمضان تبقى ناقصة إذا لم يعرض مسلسلهم المفضل "باب الحارة"، وهو مسلسل سوري ذائع الصيت، وصل إلى تسعة أجزاء من نوع "دراما البيئة" وقد عرض أول وأهم جزء فيه عام 2006 ومنذ ذلك الوقت استقطب المشاهدين المحليين والعرب بشغف منقطع النظير. ورغم أن دراما البيئة الشامية قدمت عبر تاريخها أعمالا ذات قيمة درامية وأخلاقية وتاريخية عالية وهامة للغاية، إلا أن "باب الحارة" كان الأكثر متابعة وشهرة وجماهيرية وحظا وتحول إلى ظاهرة خلال 11 عاما.

تتمتع عادة دراما البيئة الشامية التي ينتمي إليها مسلسل "باب الحارة"، بكاريزما شديدة وتلقى القبول النفسي الجماهيري بشكل عام، حيث "الحارة" هي بيت الأجداد والآباء والجيران وتفاصيل البيت الدمشقي العريق جماليا وتاريخيا. كما يشكل تقسيم الحارات الدمشقية قديما (داخل السور) ما يشبه الكانتونات المستقلة؛ كل منها وكأنه دولة مستقلة بزعيمها أو كبيرها الذي يكون في الغالب وجيها من كبار تجارها ولكل حارة باب وحارس ورجال دين وشبه اكتفاء ذاتي.

رسمت دراما البيئة كاريكاتيرات تحول أصحابها إلى أبطال خارقين أرضوا شغف المشاهد المستمر لمفهوم الرجولة والقوة الذي يجسده "القبضاي"

ظل الدمشقيون، الذين يميلون بالفطرة إلى الحياة العائلية المحافظة والمنغلقة واضطروا تحت تأثير متغيرات العصر وازدياد عدد السكان للخروج إلى شقق سكنية حديثة ومبعثرة في أماكن غريبة وجيران غرباء، يشعرون بالحنين لسكن الحارة القديمة أو بشكل أدق "ظلت الحارة تسكن فيهم". وعليه، تماهى الدمشقيون مع أعمال البيئة التي تتمحور حول الحارة وأحوالها وما حملته من مواضيع عن الإخاء والمحبة والشهامة والتكافل الاجتماعي وإحياء الطقوس والعادات والتقاليد ونمط العيش البسيط. وجاءت هذه الأعمال ضمن قصص مشدودة الحبكة عاد كتابها إلى مراجع التاريخ واستلهموا منها حوادث بعضها حقيقي، وبعضها من نسج الخيال، أو جرى تناقلها شفاهية من الأجداد إلى الآباء والأبناء. وعظم الكتاب من شأن بطولات شخصياتها في تيمة كلاسيكية ينتصر فيها الخير على الشر دوما، وحاولوا في كل قصة جديدة أن يعيدوا ألق زمن تخيلوا فيه أن الأخلاق كانت سائدة ورفيعة بالمطلق، وهي رؤية مشتهاة بدت معقمة للغاية، و"عصبوية" دمشقية كما رآها البعض في أحيان أخرى، ومع هذا ظلت طبيعة هذه الأعمال جاذبة بشدة للمشاهد السوري والعربي وتتناسب مع روح شهر رمضان من حيث إظهار مكارم الأخلاق والمجتمع المحافظ المتدين.

اقرأ للكاتبة أيضا: فسبك ـ كمثقف: عن السخرية من المثقف والثقافة

ولأن ذاكرة المشاهد العربي ما زالت تحفل ببطولات الزير سالم والظاهر بيبرس وعنترة وغيرهم، رسمت له دراما البيئة كاريكاتيرات جديدة تحول أصحابها إلى أبطال خارقين أرضوا شغف المشاهد المستمر لمفهوم الرجولة والقوة الذي يجسده "القبضاي"، حسب اعتقادهم.

تركت هذه الشخصيات تأثيرها الكبير على الأطفال الذين تماهوا معها وتقاتلوا مثلها أحيانا بالسكاكين

وحفل مسلسل "باب الحارة" بشكل خاص بعدد كبير من هذه الكاريكاتيرات/ الأبطال مثل "الزعيم أبو عصام" و"العكيد أبو شهاب" و"أبو النار" وغيرهم. وتركت هذه الشخصيات/ "القبضايات" تأثيرها الكبير على الأطفال وتلاميذ المدارس الذين تماهوا معها وقلدوا عنترياتها وحواراتها وتقاتلوا مثلها أحيانا بالسكاكين قتالا داميا. وهو الأمر الذي أثار النخب المتعلمة والمثقفة وبعض المدافعين عن دمشق وتراثها وطالبوا بإيقاف أو وضع معايير ومراقبة صارمة لمحتوى هذه الأعمال لما تحمله معظمها من عنتريات فارغة وتشويه لصورة دمشق أو على الأقل تزويرا ممنهجا للتاريخ لصالح تخلف المجتمع وإعادته إلى الوراء عبر أفكار وعادات بالية عفا عنها الزمان، وحواراتها الركيكة التي تستخدم فيها تعابير غير محببة بطريقة "البوجقة" أي التفخيم غير المبرر ومط الكلام بالعامية.

اقرأ للكاتبة أيضا: عن الإبداع المتكامل ونقده

وتذهب هذه الاحتجاجات في العادة أدراج النقد والصحافة والرياح، ويمكن اعتبار أن ما تثيره هذه الدراما من دلالات اجتماعية ونفسية يشير إلى أن المجتمع العربي ما زال مرتبكا في رحلة تحديثه للمفاهيم العصرية والتقدم الاجتماعي، وما الدوران المستمر في فلك الحنين إلى الماضي، إلا تعبيرا وجدانيا عن سلسلة من الخيبات والهزائم النفسية المتلاحقة التي تدفع أحدهم للجوء إلى أمجاد الماضي على حساب التخطيط المستقبلي البناء.

"باب الحارة"، بجزأيه العاشر والحادي عشر قادم في العامين المقبلين، وأغلب الظن أن هذا الباب لن يقفل إلا بتغير رؤى ومخططات المحطات العربية المنتجة له وما يماثله.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG