Accessibility links

دكتاتورية فيسبوك


بدون مقدمات، قرر فيسبوك إلغاء مسيرتي "الفيسبوكية" الممتدة لقرابة 15 عاما

منصور الحاج/

بلا تحذير أو سابق إنذار قرر موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك تعطيل حسابي بدعوى عدم التزامي بشروط الاستخدام. في بداية الأمر، اعتقدت أن في الأمر خطأ ما فتواصلت مع المسؤولين وأرفقت صورة من هويتي الشخصية يقينا مني ببراءة ساحتي، لكن سرعان ما جاءني الرد بأنني أنا المعني وأن القرار نهائي لا رجعة فيه وأن حسابي قد حذف بصورة نهائية ولن أتمكن من استعادته مرة أخرى.

هكذا إذن وبدون مقدمات، قرر فيسبوك إلغاء مسيرتي "الفيسبوكية" الممتدة لقرابة 15 عاما وحذف كل ذكرياتي وكتاباتي وصوري وفيديوهاتي ومحادثاتي وقطع علاقتي بمئات الأصدقاء الذين لا أعرف أي وسيلة أخرى للتواصل معهم.

وباسترجاع تفاصيل ما حدث، حاولت في صباح يوم 16 أكتوبر 2019 الدخول إلى حسابي إلا أنني فوجئت برسالة نصها: "تم تعطيل حسابك. لمزيد من المعلومات وإذا كنت تعتقد أن تعطيل حسابك تم عن طريق الخطأ، رجاء قم بزيارة مركز المساعدة".

نشرت قائمة بحسابات جهادية مخالفة لشروط الخدمة لا تزال تنشط على منصة فيسبوك

وعند الضغط على زر "مركز المساعدة" انتقلت إلى صفحة أخرى تحتوي على النص الآتي: "لقد تم تعطيل حسابك بسبب انتهاكه شروط خدمة فيسبوك. إن قائمة الأمور التي لا يُسمح بها على فيسبوك هي: دعم أية منظمة أو مجموعة عنيفة و/أو إجرامية، التهديدات الجدية بإيذاء الآخرين أو الترويج لسلوك يهلك النفس، استهداف أفراد آخرين على الموقع، الخطاب الذي يحض على الكراهية أو التمييز ضد أشخاص بناء على العرق أو السلالة أو الأصل القومي أو الدين أو الجنس أو النوع أو توجهاتهم الجنسية أو الإعاقة أو المرض، المحتويات الرسومية التي تحتوي على عروض عنف سادية ضد الأشخاص أو الحيوانات والرسومات التي تجسد الاعتداءات الجنسية وبيع مستحضرات دوائية أو ترفيهية".

ولم تكتف إدارة فيسبوك بحذف حسابي على موقعها فقط بل ألغت أيضا صفحتي على موقع انستغرام الأمر الذي زاد من دهشتي واستيائي من القرار ومن رفض المسؤولين الإشارة إلى المشاركة التي يتم معاقبتي بسببها مع أن ذلك أمر بديهي فحتى أكثر الأنظمة دكتاتورية وانتهاكا لحقوق الإنسان في العالم تخبر من تعتقلهم بسبب الاعتقال سواء أكان مقالا أو لقاء تلفزيونيا أو حتى تغريدة.

من المؤسف تنحدر منصة إعلامية بحجم فيسبوك إلى هذا المستوى وتتخلى عن مبادئ الشفافية والعدالة والإنصاف بحجة الحرص على حماية المستخدمين.

ومع إصرار فيسبوك على عدم ذكر السبب المباشر لتعطيل الحساب، لم أستطع التوقف عن التفكير ومحاولة إيجاد تفسير لهذا القرار التعسفي فتارة أرجع الأمر إلى استخدامي لصفحتي في عمليات البحث عن المواد الجهادية التي ينشرها أنصار الجماعات الإرهابية والإبلاغ عنها كجزء من عملي اليومي.

وبحكم عملي في مجال متابعة أنشطة الجماعات الجهادية في وسائل التواصل الاجتماعي، فقد نشرت عددا من المشاركات التي تحتوي على مواد جهادية ولكن ليس من باب الترويج لها وإنما لنقل المعلومة ولا أعتقد أن في ذلك مخالفة لشروط الخدمة لفيسبوك.

وتارة أعيد الأمر إلى كتاباتي المتعلقة بحقوق الخارجين من الإسلام وآرائي ومواقفي من التراث الإسلامي التي عادة ما تثير حفيظة المسلمين التقليديين الذين يرون فيها تحريضا ضد المسلمين وتشجيعا لدعاة الكراهية وانتقاصا من الإسلام ورموزه.

ومن المحتمل أيضا أن تكون السلطات السعودية قد تواصلت مع بعض أصدقائي وطلبت منهم الإبلاغ عن حسابي لدى إدارة فيسبوك من أجل منعي من انتقاد انتهاكات حقوق الإنسان ومن التعبير عن مطالب المواطنين ومعاناة الأجانب والمواليد في إحدى أهم منصات وسائل التواصل الاجتماعي.

من السهل جدا إنشاء حساب جديد واستعادة التواصل مع من افتقد من الأصدقاء لكنني أرفض ذلك

ومما يرجح هذا الاحتمال هو أن جهود السلطات السعودية لإخراس الأصوات المعارضة لسياسات النظام خاصة بعد تعيين الأمير محمد بن سلمان وليا للعهد باتت من الأمور التي لا تخفى على أحد.

وبغض النظر عن صحة هذه الاحتمالات يبقى قرار إدارة فيسبوك قرارا تعسفيا وغير مبرر ولا يتماشى مع أساسيات العدالة والشفافية والإنصاف ويعد تهديدا خطيرا لحرية التعبير وسلاحا فعالا بأيدي قوى الرجعية والتخلف والأنظمة الدكتاتورية وأجهزتها لاستهداف الأصوات الحرة.

أما عن حياتي بدون فيسبوك فتتراوح بين الحزن لما فقدت من ذكريات تعود لأكثر من عقد من الزمان وأصدقاء لم يعد بالإمكان التواصل معهم أو متابعة مشاركاتهم والتفاعل مع تعليقاتهم على كتاباتي وكل ما أنشره على صفحتي، وبين الامتنان لتخلصي من إدماني على الموقع الذي كنت أقضي فيه الساعات الطوال فقد اكتشفت أن الحياة تسير بشكل عادي على الرغم من غيابي عن فيسبوك وهو أمر لم يشعر به سوى عدد قليل من الأصدقاء فيما ظن البعض أنني ألغيت صداقتي معهم واعتقد آخرون أنني حظرتهم.

إن من السهل جدا إنشاء حساب جديد واستعادة التواصل مع من افتقد من الأصدقاء لكنني أرفض ذلك وأصر على حقي في استرداد حسابي أو معرفة سبب تعطيله. كما أرفض أيضا دكتاتورية ونفاق فيسبوك ولذلك فإنني أدعوا كل من يتفقون معي ويحرصون على أن يكون فيسبوك منبرا مستقلا ويحترم الشفافية المشاركة في وسم #ExposingFacebookHypocrisy على تويتر ونقله محتوياته إلى فيسبوك فقد سجلت فيه اعتراضي على القرار ونشرت قائمة بحسابات جهادية مخالفة لشروط الخدمة لا تزال تنشط على منصة فيسبوك.

اقرأ للكاتب أيضا: ثورة السودان وتحديات المرحلة القادمة

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG