Accessibility links

دماء خاشقجي... المُربِكة!


إضاءة شموع أمام القنصلية السعودية في اسطنبول

بقلم فارس خشّان/

أربكت جريمة قتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي مؤيدي الرياض في لبنان. أشعرتهم بالضعف المعنوي، بعد العسكري، أمام "حلف طهران".

قبل الجريمة، كان رافضو "حلف طهران" يلبسون ثوب الضحية ويكثرون من الكلام عن أيادي خصومهم الملطخة بالدماء ويعتبرون أن العدالة هي البوابة الرئيسة لإخراج الإقليم عموما، ووطنهم خصوصا، من المآسي كما من... الغلبة.

بغض النظر عن نوعية الاعتراف وتراتبية التورط، فإن الرياض قدمت شيئا من شأنه أن يوحي "بالندم والتوبة"

"جريمة القنصلية" خلطت الأوراق، حتى بات الدفاع عن المتهم بها، على اعتباره داعما إقليميا، انقلابا على الذات وأدبياتها واقتداء بالخصم.

وما عانى منه هذا الفريق اللبناني عانت منه قيادات العالم التي تقف مع المملكة العربية السعودية، سواء ضد الجموح الإيراني في الشرق الأوسط، أم في الصفقات التجارية الضخمة.

ووجد قادة الدول أنفسهم أمام مأزق كبير؛ مصالحهم الاستراتيجية مرتبطة بالرياض ولكن مصالحهم الانتخابية مرتبطة بالرأي العام الذي يصنعه إعلام حر ومستقل.

اقرأ للكاتب أيضا: العودة من 'المنفى'

ووضعية الدول التي تدعم الرياض، مختلفة جذريا عن تلك التي ترعى "محور طهران"؛ فالفئة الأولى يصنع الرأي العام قياداتها فيما الفئة الثانية فإن قياداتها هي التي تصنع الرأي العام.

وهذا يعطي تفسيرا، ولو جزئيا، لأسباب السقوط السريع للرئيس المصري حسني مبارك مع هبوب رياح "الربيع العربي"، في مقابل "الصمود الدموي" للرئيس السوري بشار الأسد.

لكل ذلك، تقف الرياض بفعل "جريمة القنصلية" أمام مسؤولية كبيرة تتخطى المصالح الشخصية لحكامها وتتمحور حول المسؤولية تجاه موقعها في الإقليم والعالم.

وبدا أن الإقرار بقتل خاشقجي وتوجيه التحقيق نحو مجموعة مرتبطة بالنظام، خطوة أولى تؤكد توافر الحد الأدنى لوعي المسؤولية الجوهرية.

وخطوة الرياض هذه، ولو مع اختلاف ظروف الجرائم ووضوحها، تتفوق على خطوات "محور طهران". إذ أنه، بغض النظر عن نوعية الاعتراف وتراتبية التورط، فإن الرياض قدمت شيئا من شأنه أن يوحي "بالندم والتوبة"، في حين أن خصومها لا يقدمون إلا النفي المتواصل على الرغم من وضوح الأدلة؛ ويقدمون الحماية الصلبة للمتهمين التي تمتزج بالمقدس مما يوحي بالإصرار على نهج الجريمة.

وفي النظرة الواقعية إلى الأهداف المرحلية الممكنة لشعوب هذه المنطقة، فإن المطلوب عاجلا هو تحقيق "عدالة نسبية" تسمح بالحد من الجريمة، فيما تبقى العدالة المطلقة حلما بعيد المنال حتى لا نتكلم على الاستحالات.

وضعية الدول التي تدعم الرياض، مختلفة جذريا عن تلك التي ترعى "محور طهران"

بمعنى آخر؛ على الرغم من تحقيقات دولية ومحاكمة طويلة فإن اللبنانيين لم ينالوا، حتى تاريخه، سوى عدالة جزئية بفعل المستوى التي توقفت عنده الملاحقات. وعدالة نظرية، في ضوء الطابع الغيابي للمحاكمة في قضية اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري.

على أي حال، يفترض بـ"جريمة القنصلية"، بغض النظر عن مسألة العدالة، أن تزوّد الأنظمة المتحالفة مع "العالم الحر" بدرس كبير ومفاده أن ما هو متاح لخصومها الذين يعادون هذا العالم غير متاح لها، لا داخليا ولا خارجيا، وأن عليها لتحصين نفسها أن تراعي حساسيات الرأي العام المحلي، حتى لا يثور، كما تطلعات الرأي العام الدولي، حتى لا يضطر الحاكم أن ينقلب على تفاهماته معها.

اقرأ للكاتب أيضا: 'الخاشقجيون'

في مرحلة صعود "الائتلاف الوطني السوري"، كان الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا هولند المؤيد بقوة له ولتوجهاته، يطلب من القيادات السورية المعارضة في كل لقاء معها أن تتوجه إلى الرأي العام الفرنسي، لأنه في حال كان المطلوب منه أن يتخذ إجراءات كبرى فإنه سيعجز عن ذلك إذا لم يكن الرأي العام مؤيدا لذلك.

هذه هي الأمثولة لمن يرغب أن يقوى به حليفه لا أن يضعف.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG