Accessibility links

دَين لا بد من تسديده: الحقوق المالية للأفارقة الأميركيين


يعملان في حقل لزراعة الدخان في ولاية كنتاكي (المصدر: مكتبة الكونغرس)

حسن منيمنة/

هي مسألة تلهب العواطف: البعض يعتبرها حقا صريحا لا يجوز التغاضي عنه. البعض الآخر يراها إمعانا بل إفراطا بالصواب السياسي، هذا الميل التقدمي إلى مواقف تريد أن تكون أخلاقية ولكنها، من وجهة نظر من يعترض عليها، أقرب إلى الغيبية في انقطاعها عن الواقع وغياب الجدوى أو رجاء التحقق. والبعض الأخير يعتبر أن مخزونها الخلافي غير قابل للتوفيق وأن الأفضل بالتالي لهذه المسألة ألا تطرح.

ولكنها تعود، دوريا وبمزيد من الإصرار، وهي إن همدت موضوعيا، سرعان ما تجد من يرغّب بها ويدعو إليها، أو يرغّب عنها ويهوّل بها، لأغراض التعبئة السياسية. والزمن هو للشعبوية الحارقة، فلا بد أن تشهد هذه المسألة الاشتعال وإن بعد حين.

هي مسألة "التعويضات" المتوجبة لصالح الأفارقة الأميركيين نتيجة زهاء قرنين من الاسترقاق الذي طال أجدادهم، من منتصف القرن السابع عشر إلى منتصف القرن التاسع عشر، وما تحملته أجيالهم المتعاقبة من الإساءات. هي مسألة خلافية دون شك، يقف منها الصفين التقدمي والمحافظ في الولايات المتحدة على طرفي نقيض.

القراءة التقدمية مبنية على اعتبار ما جرى للأفارقة المسترقين، أي الذين وضعوا في الخدمة ضمن المنازل، والمستعبدين، وهم الذين أرغموا على العمل في المزارع، خطأ وخطيئة.

قدر كبير من الثروات عامة والخاصة في الولايات المتحدة قد تولّد من ناتج عمل المستعبدين

أما الخطأ، أي العدوان على حياة الأفارقة وحريتهم وكرامتهم، وتسخيرهم مكرهين للخدمة المهينة والعمل الشاق، وللضرب والقتل والاغتصاب، والاستيلاء على ناتج جهودهم، فلا سبيل إلى تصحيح مباشر له لانقضاء المرحلة وإعتاق الأفارقة قبل قرن ونيّف، فالمطلوب تقدميا السعي إلى استدراك عواقب ما جرى من خلال تخصيص الموارد لإتاحة الفرص الإضافية للتعليم والعمل أمام أحفاد من تعرّض للظلم.

أما الخطيئة، أي تطبيع "البيض" لاستعباد "السود"، وإيجاد المبررات المؤطرة بالدين والعلم والتاريخ لتبرير الفعل ما قبل الإعتاق، وللتنصل من مقتضيات تصحيحه، وهو ما يستمر إلى اليوم، فلا بد، ضمن وجهة النظر التقدمية، من الاعتراف بها والتوبة لها والتكفير عنها. وحيث أن ما تمّ تخصيصه من موارد لم يؤدّ إلى الغاية المنشودة، إذ لا يزال المجتمع "الأسود" في الولايات المتحدة متأخرا عن "الأبيض" وفق مؤشرات التعليم والعمالة والإنتاج والثروة، فلا بد من مضاعفة التعويضات وتنويعها.

أما الرأي المحافظ، فيرفض مقولة الخطيئة ويقدّم بدلا عنها طرحا لتاريخ توالت عليه السيئات والحسنات. والاسترقاق، من وجهة النظر المحافظة، ظاهرة صاحبت الإنسانية كافة على مدى القرون، إلى أن انجلى تعارضها مع أي مفهوم صادق للعدل وقيامها على الغلبة وحسب، فظهر الاعتراض عليها ثم توالت الدول في تجريمها وتحريمها. والولايات المتحدة في هذا الصدد كغيرها، شهدت العبودية، وهنا السيئات، ثم تخلت عنها، وهنا أولى الحسنات، وتدرجت باتجاه استيعاب الأفارقة الأميركيين ومساواتهم بمواطنيهم من "البيض" على مدى العقود، وهنا تتوالى الحسنات وفق القراءة المحافظة. فالحسنات تفوق السيئات، كما أنها الأقرب إلى الآن.

5 فتيات تعملن في مطبخ في صورة تعود للفترة الزمنية ما بين 1925 و1930 (مصدر الصورة: مكتبة الكونغرس)
5 فتيات تعملن في مطبخ في صورة تعود للفترة الزمنية ما بين 1925 و1930 (مصدر الصورة: مكتبة الكونغرس)

فالحديث عن خطايا وكفارات لا مبرر له لدى المحافظين، بل الأصح الإقرار بفضل الولايات المتحدة على سكانها من "السود" كما "البيض" لما منحتهم من فرص ورقي دون مثيل في العالم، والأجدى طيّ صفحات التاريخ القاتمة.

بل تنتشر في أوساط المحافظين الطروح الناقدة لإصرار التقدميين على تقديم الامتيازات التعويضية للأفارقة الأميركيين. فمن القراءات المحافظة ما يشير إلى النتيجة العكسية لهذه الخطوات، بما أرسته في الأوساط الأفريقية الأميركية إزاء برامج الرعاية من حاجة غير قابلة للانفكاك. ومنها ما يرى بأن التبعية هذه ليست حالة عرضية، بل هدف متعمد لإبقاء "السود" في حالة عوز وولاء للحزب الديمقراطي، والذي يغلب عليه التقدميون. ومنها ما يشير إلى مضاعفة هذه الخطوات للتفرقة العرقية، ولا سيما نتيجة شعور العديد من "البيض"، من ذوي الدخل المحدود والفرص الضيقة، بأنهم يعانون من الغبن والحرمان نتيجة لتخصيص الموارد للسود دونهم.

وإذا كان ثمة إفراط في القراءة التقدمية في إلقاء المنظومة الأخلاقية المعاصرة على الماضي، فإن المحاولة المحافظة لإدراج تجربة الاسترقاق والاستعباد في الولايات المتحدة في سياق تاريخي عام، لإعفاء الحاضر من مسؤوليات الماضي، تنضوي على تجاوزات هامة لخصوصيات هذه التجربة.

فما شهدته القارة الأميركية من استقدام قسري وتسخير استعبادي للأفارقة هو تحول نوعي في تاريخ الرق. السوابق قائمة، ومنها مثلا من المنطقة العربية استجلاب المستعبدين من الأفارقة، والذين تكشف "ثورة الزنج" في القرن التاسع عن رفضهم للسخرة. غير أن الحالة الأميركية، على مستوى القارة بشكل عام، وعلى مستوى الولايات المتحدة بشكل خاص، مميزة من عدة أوجه.

الوجه الأول هو الطبيعة الحداثية لهذه الحالة الاستعبادية، والاستعمال الممنهج لرأس المال والتخطيط الإقدامي لتحقيق دورة اقتصادية عالية المستوى، تشكل طاقة الإنتاج للمستعبدين أحد مواردها المحسوبة. فالأمر ليس استمرارا لاقتصادات سابقة للحداثة، بل المباشرة باقتصاد حداثي ابتكر الاستيلاء على قدرات مستعبدين جدد والاستفادة منها.

الوجه الثاني هو في الفصل العرقي الصارم، نظريا، والهادف إلى عدم تشتيت الطاقة الإنتاجية الأسيرة، وذلك من خلال فرض صفة "الأسود"، وما يلحق بها من فرز، على من سرت في عروقه "قطرة دم سوداء واحدة"، أي لا إقرار ببنوة، ولا "أم ولد"، لإتاحة المجال أمام اندماج تدريجي، كما جرى في المجتمعات ما قبل الحداثية والتي اعتمدت الاسترقاق.

الوجه الثالث هو أن هذا الاستعباد الحداثي وهذا الفصل العرقي تحققا فيما المستعمرات التي أصبحت الولايات المتحدة بعد عقود كانت ناشطة باستيعاب "الأنوار" القادمة من القارة الأم، بما تتضمنه من إشهار لمركزية الإنسان وإقرار بحقوقه الطبيعية. أي أن الحالة الفكرية في العالم الجديد لم تكن متحجرة عند قراءة فارزة للناس، بل هي عملت على تطوير قراءة من هذا النوع لتأطير الممارسة الاستعبادية.

الوجه الرابع هو أن الدولة التي قامت على منهجية الاستعباد واستفادت من ناتج عمل المستعبدين، أي الولايات المتحدة، لا تزال هي ذاتها القائمة إلى اليوم. واستمرار الشخصية المعنوية يقتضي وجوبا استمرار المسؤولية المادية.

قد تكون المقاربة التقدمية غيبية ودينية في بعض أوجهها، ولكنها بالتأكيد ملحمية، أبطالها كيانات جماعية مشخصنة كانت على علاقة غير متكافئة، والدعوة اليوم إلى تقويمها، بالاعتراف والاعتذار والتعويض. والقراءة المحافظة، فيما هي إنكارية، تعمد بدورها كذلك إلى الملحمية، إذ تريد للكيان المشخصن الغالب استثنائية وعظمة من حقه العودة إليها، لا سيما وأنه أحسن إلى الكيان المشخصن الآخر، فاستحق منه الإقرار بالفضل، وربما بالتفوق.

بعض كبرى الشركات القابضة في الولايات المتحدة تعود في أصولها المالية إلى زمن الاستعباد

في هذه القراءة وتلك، كما في تلك القائلة بعبثية النقاش لعمق الخلاف، يبدو الأفارقة الأميركيون وكأنهم الموضوع وحسب، أي المفعول به لا الفاعل. ليس أن موضوع التعويضات غائب عن اهتمام الأوساط الفكرية والاجتماعية بينهم، بل هذه الأوساط قد أنتجت على مدى العقود تصورات تتراوح من الدعوة إلى تسهيل المسار نحو الاندماج الكامل، إلى المطالبة بالانفصال والاستقلال في حيز مكاني خاص. بل قد يصحّ القول إن تهميش هذه الطروحات في الخطاب العام هو بحدّ ذاته دليل على استمرار الفوقية أو الأبوية إزاء مجتمع لم يحقق التقدم إلا بفعل يديه.

على أنه ثمة مقاربة أخرى، أكثر دقة وأقل انتشارا، مرشحة أن تشهد القبول المتصاعد، فيما هي قائمة على المقومات الفكرية والعقائدية الراسخة في الولايات المتحدة. هي المقاربة التي تعتبر بأنه من الجائز، بل من المطلوب، مقاضاة الدورة الاقتصادية الاستعبادية لتحصيل الأموال التي استولت عليها من المسخّرين.

قدر كبير من الثروات عامة والخاصة في الولايات المتحدة قد تولّد من ناتج عمل المستعبدين، ثم تكاثر وتعاظم مع توالي القرون. وهذا القدر هو بمثابة المال المسروق إلى أن يعود، مع كامل الحصة بما استتبعه، إلى أصحابه. ليس حصرا بشكل رمزي وتعويضي إلى المجتمع الأفريقي الأميركي ككم جماعي، ولا من الولايات المتحدة كوحدة جماعية، رغم الفائدة والضرورة من اعتماد جزئي لهذا التوجه. بل أن يعود القدر العادل من الثروة التي جناها الأفراد والشركات من عمل المستعبدين والمسترقين إلى أحفاد هؤلاء الموثقين.

الولايات المتحدة في القرن الواحد والعشرين تعيش في زمن "البيانات الكبرى". الميل إلى التوثيق الدقيق كان قائما في هذه البلاد منذ نشأتها. إمكانية جمع كافة البيانات، حول المستعبدين المستقدمين قسرا، ومن أسرهم وعبر بهم المحيط، ومن اشتراهم، ومن سخرّهم، ومن حقق الأرباح من ناتج عملهم، ومن باع ذريتهم، ومن اشتراها، وصولا إلى حين الاعتاق، وما جرى لأجيال الأحفاد بعدها. كلها بيانات موجودة، وإن كانت إلى أمس قريب عصية عن الجمع المفيد.

سلاح المعترضين سوف يكون دون شك الطعن بالأهلية والصلاحية. سبل إثبات الأهلية وثائقية ومخبرية، والمادة واسعة ومتوفرة. أما مسألة الصلاحية، فالمقاضاة المطلوبة مدنية، لا جنائية، وانطباقها على الماضي قابل للتأكيد بالحجة، وهو أيضا يستفيد من سوابق، ولا سيما منها الإقرار دون اعتراض بحق اليهود في استرداد الأموال المنهوبة خلال الحرب العالمية الثانية.

بعض كبرى الشركات القابضة في الولايات المتحدة تعود في أصولها المالية إلى زمن الاستعباد. فالمسألة اليوم ليست بإقصار التعويض عن ناتج العمل المسلوب من المستعبدين على المواطن العادي، والذي قد يكون بدوره من أصول متواضعة، أو جاء أباؤه البلاد متأخرين. هذا لا يعفيه أبدا، إذ هو استفاد من هذا السلب دون شك، وإنما بقدر ضئيل بالمقارنة مع أصحاب رؤوس الأموال. والقضية ليست نظرية. أصبح بالإمكان إعداد جردة، بالأرقام والمعطيات والبيانات، للحقوق المالية للأفارقة الأميركيين كأفراد، وإن على أقدار مختلفة من الدقة والصعوبة. غير أن الانتقال، غير الحصري، من الجماعة المشخصنة إلى الأشخاص الحقيقيين من شأنه أن يضع القضية في إطار الدين الذي لا بد من تسديده.

البديل عن هذا التصور قد يكون بأن كل شارع، كل مبنى، كل مصنع، كل سيارة، كل شيء في هذه الولايات المتحدة ملوّث بفعل جناية سرقة، والمجني عليهم، أحفادهم، حاضرون مغبونون، ولكنهم بالتأكيد ليسوا صامتين. وحقوقهم ثابتة باستمرار مطالبتهم بها.

اقرأ للكاتب أيضا: ليس بالخبز وحده: الأفارقة الأميركيون على طريق المساواة

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
XS
SM
MD
LG