Accessibility links

ربيع العرب السوري!


طفلة سورية في مخيم للاجئين في إدلب

بقلم محمد المحمود/

يأخذ عليّ كثيرون أنني كنت متشائما من مآلات الغضب الاحتجاجي الجماهيري الموسوم بـ"الربيع العربي"؛ يوم كان معظم المحللين العرب المستقلين يجنحون إلى التفاؤل، بل وبعضهم يرفع سقف تفاؤله ليلامس عتبات المستحيل. لا شك أن بعض هؤلاء العاتبين أو الغاضبين عليّ كانوا يرون في تشاؤمي هذا موقفا سلبيا من "حراك تحرري" بدا وكأنه يتصدى للاستبداد الذي استحكم في الواقع. وبالتالي، فهذا التشاؤم ـ من وجهة نظرهم ـ موقف وليس مجرد تحليل؛ إذ هم لا يستطيعون فهم التحليل ـ أصاب أو أخطأ ـ إلا أنه موقف اصطفافي؛ كنتيجة طبيعة للتنشئة المؤدلجة التي تؤطر رؤيتهم لكل مسارات الفكر في الواقع، ومن ثم لكل صور التعبير عن هذا الفكر في الواقع، الواقع الذي يتمثلونه بوصفه ميدان صراع، ولا يتمثلون الفكر فيه، وإن كان مصدر وعي بالصراع، إلا أنه أداة من أدوات الصراع.

عندما تقف أمام مشهد ما، لا يكفي أن تقرأ لغة الشعارات المعلنة، ولا أن تقرأ دلالة التحالفات والاتفاقيات الصريحة، لا يكفي أن تستنطق ما يقال، بل لا بد ـ كي تفهم ـ أن تستنطق ما لا يقال، وأن تبحث فيما يريد المقول التعميةَ عليه. كي تفهم؛ لا تكتفي بما يقوله الفاعلون صراحة في المشهد وعن المشهد، بل لا بد أن تقرأ مجمل العلامات الدالة التي تشكل هوية المشهد/ فرادة المشهد، بعد أن تُمَوضعها في سياقاتها الصريحة والمضمرة، الحاضرة، أو تلك الغائبة في أدغال التاريخ/ أعماق الذاكرة الجمعية... إلخ، وحينئذ؛ يمكن أن تخرج بمقاربة تمنحك فهما معقولا لما يجري أمامك؛ بعيدا عن تحديد المواقف (مع أو ضد)، وتحكيم الرغبات، ومطاوعة الأحلام.

ما يقرره شعب ما، بكل إرادته، لن يكون هو القرار النافذ ما لم يكن مدعوما بإرادة دولية وإقليمية

لهذا، ليس مهما موقفي المبدئ من تلك الاحتجاجات الغاضبة، المهم لي ولغيري: ما الذي يحدث على أرض الواقع حقيقة؟ وعموما، إن كان لموقفي المبدئ أية أهمية، فهو ـ باختصار، وكما قلت من قبل ـ: أنا على وجه التفصيل/ الوقائع الجزئية، الوقائع كإشارات تحررية، يبهجني هذا الحدث أو ذاك، يسرني هذا الموقف التحرري أو ذاك التوق العدالي، أبتهج بأن تكون أسئلة الحرية والحقوق والعدالة مطروحة على طاولة التداول المجتمعي، أعي أن ذلك يشير إلى إفاقة وعي ولو عابرة، وهي خير من سكون وجمود. لكن، في العموم/ المجمل كنت ـ ولا أزال ـ على يقين أن الأمور ستنتهي إلى أسوأ مما بدأت به؛ وسيرضى الجميع من الغنيمة بالإياب.

اليوم، يمكن للمشهد السوري أن يختصر رحلة "الربيع العربي" بأسوأ ما كان ويكون في سورية، وبأسوأ ما كان يمكن أن يكون في غير سورية. المشهد السوري هو المشهد ذو الألوان الفاقعة القادرة على تحديد معالم الكارثة في حدودها القصوى. فبعد سبع سنوات من التقتيل والتدمير والتهجير، ها هو النظام الاستبدادي وحلفاؤه يهيمنون على سورية من جديد؛ باستثناء جيوب صغيرة، محدودة ومحاصرة، وفي طريقها للزوال. ما يعني أن النظام السوري بات قاب قوسين أو أدنى من استعادة سيطرته على كامل أراضيه، بعدما كان قاب قوسين أو أدنى من السقوط.

اقرأ للكاتب أيضا: أوهام الربيع العربي

لا يمكن عزل نهاية التمرد/ الثورة السورية "ربيع العرب السوري" عن بقية مآلات انتفاضات الغضب العربية: "الربيع العربي". لو كان مسار الأحداث في كل من مصر وتونس وليبيا واليمن مختلفا؛ لاختلفت المآلات، ولاختلف المسار والمآل في سورية قليلا أو كثيرا. فهذه الدول رغم اختلاف وتنوع ظروفها؛ من حيث الإرث السياسي، والوضع الاقتصادي، والتركيبة الدينية/ المذهبية، والتمايزات الإثنية/ العرقية، وطبيعة الجغرافيا السياسية؛ إلا أن ثمة نمطا واحدا من الوعي الكلي يحكمها، وبالتالي، يحكم مسار الخيارات الكبرى/ الجماهيرية فيها.

تحكم اللغة/ الثقافة بكل موروثاتها القديمة والحديثة نظام الوعي العام في العالم العربي. العرب، ورغم كل تمايزاتهم القطرية، يتحدثون بلغة واحدة، عن ثقافة واحدة، وعن تاريخ مشترك، وعن أحلام وآمال واعدة؛ إن اختلفت في هذا الأمر أو ذاك من تفاصيل الواقع؛ فهي تلتقي في خطوطها الرئيسية. وللتقريب أقول: هذه اللغة/ الثقافة أشبه بالمصنع العتيد الذي ينتج بضائعه وفق شروطه الخاصة، وما بضائعه إلا هذه الجماهير المنمطة، وهذه التشكلات الاجتماعية، والخيارات السياسية، والمسارات الثقافية السائدة. وحتى نرى هذا التشابه/ التماثل بشكل أوضح، يمكن أن نتبصر في الحقائق التالية:

1 ـ ما يشكو منه العرب "الثائرون": ظلم وسلب للحريات... إلخ، وما يترتب على ذلك من استحقاقات، ليس شيئا طارئا في تاريخهم، وليس نشازا في جغرافيتهم. ما يعانونه هو امتداد طبيعي لمسار تاريخهم منذ تكونت هويتهم قبل أكثر من ألف عام. ولا تستطيع الاستثناءات القليلة، والعابرة، والمحدودة، أن تخترق هذا المسار، ولا أن تؤثر في الخط العام للتصور الذهني السائد/ الموروث. وبما أن الأمر كذلك، فتغييره لن يكون بانتفاضة غضب عابرة، بل بانتفاضة غضب لا تعي ذاتها، من حيث هي تتضمن ذات القيم التي غضبت من تمظهراتها في الواقع.

2 ـ الأرضية المجتمعية، كما الأرضية الذهنية، لم تكن مهيأة لثورة حقيقية تنبع من وعي متطور بقضايا الحرية والحقوق، وما يترتب عليها من التزامات واشتراطات على المستوى القريب والبعيد. من يتأمل كثيرا من تفاصيل ما حدث، يدرك أن هذه الأرضية لم تكن محايدة، لم تكن صفحة بيضاء، بل على العكس كانت صفحة متحيزة ضد كل ما يقال علانية من انحياز للحريات والحقوق. ولا أدل على ذلك من كون هذه الصفحة المتحيزة هي التي فرضت إرادتها على المشهد في نهاية المطاف.

3 ـ في كل دول "الربيع"، كبيرها وصغيرها، ليست الخيارات الداخلية/ معادلات القوة الداخلية هي التي تتحكم في مسار الأحداث الاحتجاجية نجاحا وفشلا؛ لهذا الطرف أو ذاك، إذ ثمة تعقيدات دولية وإقليمية تفرض نفسها على مسار الحدث. والمستفاد هنا أن ما يقرره شعب ما، بكل إرادته (على افتراض قدرته على التوافق، وعلى اجتراح الأصوب)، لن يكون هو القرار النافذ (على العكس من شعارات المتفائلين المراهنين على غضبة جماهيرية مرتبطة بحالة مزاجية عابرة)؛ ما لم يكن مدعوما بإرادة دولية وإقليمية، إرادة لا يملك معها الخيار إلا على سبيل التحوير الضئيل في التفاصيل غير المؤثر في هوية الخيار العام.

لقد دفع العرب ثمنا باهظا ليفهموا أنفسهم والعالم من حولهم، وليعلموا أن "التغيير" ليس "هبّة غضب"، وإنما هو مسار معقد بأشد مما كانوا يتوقعون

4 ـ يعكس المشهد السوري حقيقة أن الرفض الشعبي للنظام الاستبدادي ليس رفضا بالمطلق. أي ليس ثمة إجماع شعبي على رفض النظام الأسدي/ النظام الاستبدادي. بل حتى لدى أولئك الرافضين، لم يكن الرفض بمستوى واحد، وقطعي، وفي كل الأحوال. نعم، لقد رفضه وتصدى له كثيرون، ولكن الرفض كان بمستويات متباينة، ولكل أولوياته ومحاذيره في تحديد وجهة الرفض ومستواه. فرفض الاستبداد على خلفية واقع معقد، يخلق رفضا معقدا لا يمكن استثماره في مواجهة دامية مفتوحة على جبهات متعددة، لن تكون فيها "الجبهة الإرهابية" أرحم من النظام الاستبدادي/ الإرهابي.

5 ـ يلاحظ في كل دول الاحتجاجات الغاضبة/ الربيع العربي أن البديل الواضح الذي يمكن أن يحظى بمستوى مقبول من التوافق المجتمعي غائب/ معدوم. وأنا هنا أقصد تحديدا: البدائل التي تمتلك الحد الأدنى من الحضور على أرض الواقع، وفي الوقت نفسه تتمتع بتصورات نظرية إيجابية عن الحريات والحقوق والتنمية، ولا أقصد: البدائل النظرية التي ينادي بها هذا الطيف الثوري الهامشي أو ذاك، خاصة أولئك المناضلين من وراء الحدود.

اقرأ للكاتب أيضا: الإصلاح الديني في الإسلام

أخيرا، لا يعني ما سبق أن كل هذه العواصف الاحتجاجية التي رافقتها كثير من المآسي، بل وكثير من الدمار الذي حطم أوطانا بأكملها أو كاد، لم تؤثر في بلورة بعض الرؤى والمفاهيم المتعلقة بالتغيير ومسارات التحول ذات البعد التحرري. حقا، لقد دفع العرب ثمنا باهظا ليفهموا أنفسهم والعالم من حولهم، وليعلموا أن "التغيير" ليس "هبّة غضب"، وإنما هو مسار معقد بأشد مما كانوا يتوقعون.

لقد دفعوا الثمن الباهظ ليشاهدوا بأعينهم التاريخ (تاريخهم الذي هم نتاج تفاعلاته) مفصلا؛ كما لم يشاهدوه من قبل. التاريخ كما الواقع، والواقع كما التاريخ، أصبح في المرآة/ المشهد الذي أمامهم، إنهم الآن يرون أنفسهم منذ فجر تاريخهم، وما صرخات الغضب إلا بفعل الألم الناتج عن محاولة الانعتاق من أغلال ذلك التاريخ.

ــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG