Accessibility links

رحلة في عالم العامية التشادية


تشاديون في أحد الأسواق التجارية جنوبي تشاد

منصور الحاج/

كان أول عهدي بالعامية التشادية، وهي لهجة يتحدث بها غالبية سكان العاصمة انجمينا والمدن الكبرى ويحتوي قاموسها على كلمات عربية وفرنسية ومزيج من اللهجات المحلية، حين انتقلت من مسقط رأسي في السعودية إلى تشاد للعيش هناك ودراسة المرحلة الثانوية مطلع عام 1994.

بعد أيام قليلة من وصولي، قررت تعلم العامية التشادية التي تسمى هناك "كلام العرب" وإتقانها في فترة قصيرة رغبة مني في الاندماج سريعا في المجتمع وتشرب الثقافة المحلية والأهم من ذلك التخلص من لقب "وُلَيد سعودية" أي الولد القادم من السعودية الذي لازمني منذ أن وطأة قدماي بلاد "توماي" وأرض عمالقة الساو.

وعلى الرغم من سهولة تركيب الجمل في العامية التشادية، إلا أنها لا تخلو من بعض التعقيدات التي يجدر بالمتحدث المبتدئ التروي عند تفسير ما يسمع من كلمات عربية والحذر عند الاستعارة من الفصحى أو اللهجات العربية فقد يكون لها معنى مختلف تماما.

عزيزي القارئ، لا تقلق إن ناداك أحدهم بـ"نادم" فالكلمة مرادفة لـ"زول" في العامية السودانية، والأنثى "نادُماي" وتعني إنسان، ومن الواضح أنها صيغة مختصرة من "بني آدم".

يحرص متحدثو العامية التشادية على استخدام الحكم والأمثال في المواقف المختلفة

وإن طلب منك أحدهم أن ترجاه "أرجاني" فهو يقصد انتظاره واحذر أن "يتشاتشيك" أحدهم فـ"المتشاتشات" تعني الخداع وابتعد عن "الهُراج" وهو الخصام وإياك و"الغُلاط" أي الجدال فقد يقود إلى "الدُوَاس" أي العراك الذي غالبا ما تكون عواقبه وخيمة في بلد يعد حمل السلاح الأبيض فيه أمرا بديهيا.

والعامية التشادية، وإن بدت مختلفة بعض الشيء عن اللهجات العربية الأخرى، إلا أن من السهل التفاهم مع متحدثيها الذين يفهم السواد الأعظم منهم معاني الكلمات والعبارات العربية نسبة لتلقيهم تعليما دينيا في الخلاوي القرآنية أو دراستهم اللغة العربية في المدارس أو عبر الاستماع لمحطات الراديو العربية ومتابعة المسلسلات والأفلام في القنوات الفضائية.

فعبارة صباح الخير مثلا متداولة في العامية التشادية لكن "أصبحتوا عافية؟" هي الأكثر شيوعا وتعني هل أصبحتم بعافية؟ وتقابلها "قيلتوا عافية؟" كتحية مسائية مرادفة لمساء الخير ويكون الرد في كلتا الحالتين بـ"عافية".

هناك اعتقاد سائد خاصة في أوساط من تلقوا تعليمهم باللغة العربية "العربفون" بأن العامية التشادية فقيرة نسبيا من حيث عدد الكلمات والتعابير الرومانسية، فالحب مثلا يستعاض عنه بكلمة "ريدة" والجمال "سماح" والخدود "شُدوق" والشوق "قرم" والحبيبة "صديقة" والموعد "rendez-vous" والزواج "عروس" والرقص "لعب" والقد والقوام "form" والشعر "صوف".

وسبب هذا الاعتقاد يعود في تقديري إلى أن العبارات الرومانسية المتداولة ضعيفة من حيث التصويرات البلاغية وتفتقر إلى الرقة والخيال والعمق. فمن أكثر العبارات شيوعا مقولة: "نريدك مِشِل ناكُلكي" أي "من فرط حبي لك أكاد التهمك" فهذا التشبيه الذي يعبر فيه الحبيب عن تعلقه بمحبوبته ورغبته بالاستئثار بها يراه "العربفون" فقيرا بلاغيا مقارنة بالصور التعبيرية في الأدب العربي.

عند استماعك لمفردات العامية التشادية ستلاحظ أن متحدثيها يستخدمون أوصافا تختلف تماما عن تلك المتعارف عليها في اللغة العربية فالمجنون "مُشوطن" والغبي "لوتي" أو "عجمي" والمتعجل "مُشفشف" وشديد السواد "أزرق" وشديد البياض "أحمر" والشكل الكروي "مُدردم" والغاضب "مُخبِن" والمرأة الحامل "خلبانة" والطفل المدلل "جلعان" والغني "سيد المال" والفقير "فقران" ورجل الدين "فكي" أو "مارابو marabout" واللص "سرّاق" والذكي الحاذق "حرامي" أما الجريء فيوصف بأنه قوي العين والضعيف بدينا فهو "باطِل" والسمين "قِرقِيت" والشجاع "فَحَل" والقبيح "شين" والمريض "مرضان" والمتعب "عيان" والبخيل "جبّاري" والداعر "قحب".

كما يحرص متحدثو العامية التشادية على استخدام الحكم والأمثال في المواقف المختلفة. فمثل "ألمي حامي ما لعب كُكّو" الذي يعني أن الماء الحار ليس مرتعا مناسبا للضفادع يقال عندما يتصدى قليل الخبرة لأمر فوق طاقته. ومن المتداول أيضا "الله كان جاب قتّالك يجيب حجّازك" ويعني إن الله إن أتى بمن يقتلك فإنه سيأتي بمن يدفعه عنك وهو مثل موازي لآية "إن مع العسر يسرا".

إن كانت زيارتك لتشاد تتطلب زيارة الدوائر الحكومية واستخراج مستندات رسمية فعندها ستتعرف على بعض المصطلحات ذات الدلالات الخاصة كـ"حق الشاي" و"حق القورو" ويعني المبلغ المالي المتوقع دفعه كرشوة إلى المسؤول الحكومي لإتمام معاملة ما.

هناك أيضا مصطلح و"أمسك لي واقطع لك" والذي يعني التعاون بين شخصين من أجل تحقيق مصلحة مشتركة وقد يستخدم في سياق الرشوة أيضا كأن يطلب المسؤول عن المناقصات الحكومية مبلغا من المال من أحد التجار مقابل تمرير المناقصة إليه.

كغيرهم من شعوب الدول الفقيرة، يعشق التشاديون الضحك والابتهاج رغم قسوة الحياة

وحتى لا أتهم بالتحيز لنمط معين من أنماط العامية التشادية أود التوضيح بأن أسلوب الحديث ونوعية الكلمات المستخدمة تختلف باختلاف المناطق والخلفية العرقية للمتحدثين، فالجنوبيون و"الفرانكفون" مثلا يتوسعون في استعارة كلمات من اللغة الفرنسية والعكس صحيح بالنسبة لـ"العربفون" وأبناء القبائل العربية.

كما يضفي متحدثو اللهجات القبلية النكهة والإيقاع الخاصين بلهجتهم حين يتحدثون العامية التشادية الأمر الذي قد يعقد عملية التفاهم بين أبناء الوطن الواحد أحيانا.

وكغيرهم من شعوب الدول الفقيرة، يعشق التشاديون الضحك والابتهاج رغم قسوة الحياة ومعاناتهم اليومية بحثا عن لقمة العيش فيتداولون القصص والطرائف بمختلف اللهجات القبلية وبالعامية أيضا.

ومن القصص المتداولة قصة رجل الدين الذي قضى جل حياته عازبا منقطعا عن الناس وحريصا على التعبد وقراءة القرآن وفي يوم من الأيام أغرته إحدى الحسناوات ومارس معها الجنس لأول مرة فطفق يردد: "قالوا الجنة في الكتاب وأتاري الجنة في العوين" ويعني قالوا بأن الجنة في القرآن ولكن الجنة في النساء.

اقرأ للكاتب أيضا: رؤية أيان حرسي علي لإصلاح الإسلام

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG