Accessibility links

"رهن الاحتجاز"... حالة الحريات الإعلامية في العالم العربي


اعتصام لدعم حرية التعبير في بيروت

نضال منصور/

"رهن الاحتجاز"... حالة الحريات الإعلامية في العالم العربي؛ هو العنوان الذي اختاره مركز حماية وحرية الصحفيين لتقريره السنوي الذي يرصد ويوثق الانتهاكات الواقعة على الصحفيين في البلاد العربية.

العنوان يؤشر بشكل واضح إلى تنامي سجن الصحفيين وتزايد الضغوط والقيود عليهم، وهو ما يبدو واضحا في تشظي وسائل الإعلام وانهيارها، وتبعية كثير منها لأنظمة الحكم، وهو ما تظهره وتشير إليه بجلاء تقارير المؤسسات الدولية المدافعة عن حرية الإعلام. فالعالم العربي من أكثر البؤر خطورة على الصحفيين، وأكثر الأماكن دموية، وسقط على أراضيه المئات من الإعلاميين ضحايا الإرهاب وأنظمة الاستبداد والقمع في السنوات الماضية.

"رهن الاحتجاز" التقرير السنوي السابع عن حالة الحريات الإعلامية لعام 2018، ويُتوقع أن يُطلَق ويُنشر في الأسابيع القادمة، يرصد 3029 انتهاكا وقعت على الصحفيين في 15 دولة عربية، ويكشف النقاب عن أن فلسطين أكثر دولة وقعت بها انتهاكات ضد الإعلاميين ارتكبت أولا منم قبل سلطات الاحتلال الإسرائيلي، وتتبعها السلطة الفلسطينية و"حماس".

الرهان بتحسن حالة الحريات بعد هزيمة "داعش" لم يتحقق

ويشير التقرير إلى أن السودان حلت بالمرتبة الثانية بأعلى عدد للانتهاكات، تليها مصر فالعراق واليمن والمغرب وتونس والأردن ولبنان.

تراجع عدد الانتهاكات الواقعة على الإعلام في عام 2018 ولكن حرية الإعلام لم تتحسن، وباستثناء التجربة التونسية التي تشهد تقدما فإن البلدان العربية تعيش اخفاقات متتالية تتجلى أكثر ما يكون في واقع الحريات العامة وعلى رأسها حرية التعبير والإعلام.

"دول الصمت" هذه هي التسمية التي أطلقها التقرير على دول لم يتسن رصد الانتهاكات فيها على الإعلام مثل الإمارات وقطر وسلطنة عُمان والكويت، مبينا أن في هذه الدول لا توجد بها وسائل إعلام مستقلة في الغالب، والصحافة تخضع في معظم الأحوال للرقابة المسبقة. يضاف لذلك فإن توثيق المعلومات والإفصاح عن الانتهاكات صعب وعسير، فأكثر الصحفيين الذين يعملون بها من "الوافدين" وليسوا من المواطنين، ويخشون الإدلاء بأي معلومات حتى وإن تعرضوا لتجاوزات أو انتهاكات. عدا عن أن هذه الدول لا تتوفر بها مؤسسات مجتمع مدني مستقلة وفاعلة تقوم بمتابعة ورصد وتوثيق أي انتهاكات تقع على حقوق الإنسان، وبالتالي الاستنتاج الذي توصل له التقرير أن "دول الصمت" أو الظلام وإن اختفت أو قلت بها الانتهاكات أو لم تُرصد فإن هذا لا يعني بتاتا أنها تتمتع بحرية الإعلام.

وبالاتجاه المعاكس فإن دولا سُجلت بها انتهاكات كثيرة كفلسطين أو مصر أو العراق تمتلك هوامش حريات للصحافة والإعلام أكثر بكثير من دول لا يعرف النور طريقا لمجتمعاتها، ويغلق الناس أفواههم حتى يسلّموا على أرواحهم.

كان الرهان أن تتحسن حالة الحريات بعد تعرض تنظيم "داعش" لهزيمة في العراق وسوريا، وقد كان خلال السنوات الماضية وراء أكثر جرائم القتل والاغتيال والاختطاف للصحفيين، لكن الحقيقة المرة أن أنظمة الحكم العربية لم تكن متسامحة أبدا مع حرية الإعلام وواصلت ارتكاب الانتهاكات.

الأكثر إيلاما في مشهد الحريات الإعلامية أن السلطات القضائية والمفترض أنها حارسة العدالة شريك رئيسي للحكومات في ارتكاب الانتهاكات، فهي تهدر كل معايير المحاكمات العادلة، وتُبقي الصحفيين رهن الاحتجاز، وتُصدر أحكاما بالسجن ضدهم مخالفة للقانون، والدستور، ولكل المعاهدات الدولية التي تصون الحريات.

السلطات القضائية شريك بارتكاب الانتهاكات حين تهدر معايير المحاكمات العادلة

تُوقع وتصادق الدول العربية على المعاهدات الدولية التي تصون حرية التعبير والإعلام، وتنص دساتيرها على مواد تحمي الحريات، وفي واقع الحال فإن كل هذه النصوص ليست أكثر من "حبر على ورق"، ولا تبالي السلطات الحاكمة وأجهزتها الأمنية حين تحجب المواقع الإلكترونية، أو تصادر الصحف بعد الطباعة، أو تمارس الرقابة المسبقة، أو تقتل الصحفيين، أو حتى حين تقرر قتلهم بدم بارد بكل لمواقف والبيانات المنددة بهذه الانتهاكات والخروقات، فهي كانت وما تزال تنظر لوسائل الإعلام باعتبارها ندا وخصما لها يكشف عوراتها وجرائمها.

4034 انتهاكا رصدها تقرير مركز حماية وحرية الصحفيين عام 2015، ووثق 3581 انتهاكا في عام 2016، وتراجعت الانتهاكات لتبلغ 3100 عام 2017، في حين سُجل 3029 انتهاكا في عام 2018، ولكن الغريب والمثير رغم كثرة التجاوزات والشكاوى فإن المنتهكين الذين ارتكبوا هذه الجرائم لم يُحاسَبوا ولم تتخذ بحقهم إجراءات قانونية، وأفلتوا من العقاب وهذا الأخطر في العالم العربي، فالجناة أحرار طلقاء والضحايا لا بواكي لهم.

ما يميز تقرير مركز حماية وحرية الصحفيين أنه ربما يكون الوحيد المتخصص برصد الانتهاكات في العالم العربي، فهو لا يتوقف فقط عند المؤشرات العامة وحالة الحريات في الدول، وإنما يوثق أبرز الانتهاكات ويستمع لأصوات الضحايا، ويعد وثيقة مرجعية للتدقيق في مشهد الإعلام العربي، وهو يتكامل مع التقارير الدولية ويرفدها بمزيد من المعلومات التفصيلية.

اقرأ للكاتب أيضا: 30 عاما.. والديمقراطية في الأردن مكانك سر

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
XS
SM
MD
LG