Accessibility links

رياح التغيير


متظاهرو السترات الصفر في باريس يوم السبت

بقلم مالك العثامنة/

عام 1990، أطلقت فرقة الروك الألمانية الشهيرة "SCORPIONS" أغنيتها الشهيرة "WIND OF CHANGE" (رياح التغيير).

كانت الأغنية متسقة جدا في سياق الحلم الطوباوي بتغير النظام العالمي ونهاية مخاطر الحرب الباردة، وأتت في سياق متصل مع الأحلام الوردية التي رافقت انهيار جدار برلين وتلاشي الستار الحديدي كله، واعتبار كل ذلك انتصارا للحرية الإنسانية!

كلمات الأغنية جميلة ومثالية جدا، مع لحن موسيقي جميل أيضا، وفي مقطع اللازمة منها تقول الأغنية:

"خذني إلى سحر اللحظة

في ليلة متألقة

حيث يحلم أطفال الغد

برياح التغيير"

في الحقيقة، أنا ممن يحفظون الأغنية منذ إصدارها، لكن لأول مرة أتأمل بلازمتها وكلماتها وأنا أشاهد محطات الأخبار حول العالم، خصوصا في أحداث باريس الأخيرة. ما رأيته أن "أطفال الغد" الذين غنت لهم الأغنية في التسعينيات هم اليوم شباب في الثلاثين من أعمارهم، غاضبون، مقهورون، واللحظة التي يعيشونها ليست ساحرة، ورياح التغيير يبدو أنها لم تعصف في التسعينيات، لكنها تعصف اليوم.

وقفت الأغنية، في سياقها الزماني، على أعتاب انهيار الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية كلها. وكان آخر رئيس سوفييتي ميخائيل غورباتشوف قد أعلن البيريسترويكا، والتي تعني إعادة البناء، بعد أن سمح بحرية التعبير عبر إطلاقه سياسة "الغلاسنوست = التحدث بصوت مرتفع".

العامل والفلاح، اللذان كانا لا يجدان قوت يومهما خلف الستار الحديدي، وجدا أنفسهما عاريين تماما أيضا أمام الستار الممزق

وكانت آخر قمة قبل الانهيار السوفييتي العظيم، بين الرئيس الراحل رونالد ريغان وغورباتشوف في ريكيافيك عام 1986 قد تجلت فيها إرهاصات نهاية الحرب الباردة والطويلة، وتأمل العالم حينها بالتغيير "الدولي"، وربما حقبة جديدة من السلام والأمن العالمي.

باعتقادي، أن التغيير العالمي الجذري والحقيقي أيها السيدات والسادة، بدأ منذ فترة قصيرة كحالة ملموسة، فالتغييرات على ما يبدو هي مثل الزحزحة القارية، لا يمكن تلمس حركتها لكنها ضخمة، ضخمة جدا بحيث أنها استغرقت ثلاثين عاما من العنف والفوضى والتحولات والتكتلات والتحالفات لتنتهي إلى ما نحن عليه اليوم.

♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦

خرجت شرق أوروبا من خلف الستار الحديدي هشة تحاول الانكفاء قدر الإمكان على قومياتها المحلية وهوياتها الوطنية لتخلق درع دفاع يحميها وتنطلق منه، ووجدت نفسها أمام خيار وحيد يتمثل بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي ضمن متطلبات وشروط اقتصادية تعجيزية. فكان ما كان من انضمام وضم لاتحاد تسيطر عليه ألمانيا وفرنسا بالدرجة الأولى، وهذا تطلب أيضا الخضوع لشروط رأس المال الذي تمثله الشركات الكبرى، فمثلا وليس حصرا أغلقت المجر والتشيك معاملها الكبيرة والثقيلة لصناعة القاطرات والحافلات الكبيرة لصالح شركات مثل فولفو ومرسيدس؛ وخضعت الحقول الخصبة الزراعية في وسط وشرق أوروبا لقوانين سوق الاتحاد التي فضلت إنتاج الدول الأقوى فيها، وسوق "ليدل" الاستهلاكي ذو الملكية الألمانية فروعه في كل حارة في دول الاتحاد.

اقرأ للكاتب أيضا: ليسوا زينة الحياة الدنيا بل مشاريع وعي موءودة

العامل والفلاح، اللذان كانا لا يجدان قوت يومهما خلف الستار الحديدي، وجدا أنفسهما عاريين تماما أيضا أمام الستار الممزق، والفقر هو ذاته لكن بلغة مختلفة ومنمقة.

دولة الرفاه الاجتماعي (social welfare State) التي كانت النموذج المثالي في دولة مثل فرنسا، والدول الاسكندنافية والبينولوكس، وصلتها الهزات الارتدادية للزلزال العالمي العظيم، فانتهت بعد انهيار عام 2008 الاقتصادي إلى مأزق صار فيه الاستمرار بنفس الآليات صعبا ومستحيلا.

الأخطر، أن النقابات، تلك المؤسسات التي كانت تقود المهن وأصحابها لتنظيم شؤونهم، اصطدمت بثورة تكنولوجيا المعلومات، فقد تغيرت وسائل الإنتاج لتحل محلها ثورة رقمية لم يعد فيها ملكية لوسيلة الانتاج، وهذا ما جعلها عاجزة تترقب بصدمة ما يحدث في شوارع باريس، حين ارتدى "أطفال التسعينيات" سترات صفر موجودة في الصندوق الخلفي لكل سيارة أو دراجة هوائية وخرجوا إلى الشارع ضمن تواصل رقمي قفز فوق النقابات والاتحادات والمنظمات جميعها! كان إنزالا باراشوتيا من سماء الثورة الرقمية.

انتهت دولة الرفاه الاجتماعي بعد انهيار عام 2008 الاقتصادي إلى مأزق صار فيه الاستمرار بنفس الآليات صعبا ومستحيلا

وصل رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب شارع بنسلفانيا في واشنطن، حيث البيت الأبيض، محمولا على وسائل التواصل الاجتماعي، فضاء رقمي جعله يتجنب سيطرة وسائل الإعلام التقليدية، وفي خطابه الأخير في الجمعية العامة للأمم المتحدة ندد ترامب بالعولمة، ونادى بالسيادة الوطنية.

اقرأ للكاتب أيضا: في الغموض والالتباس والغرابة: باسم عوض الله

لقي نداؤه صداه عند فكتور أوربان، رئيس وزراء المجر القوي واليميني، والذي تحاول مؤسسات الاتحاد الأوروبي يائسة أن تعاقبه وتحاصره.

إن العالم يتشكل من جديد الآن!

♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦

أغنية رياح التغيير لفرقة SCORPIONS، حملت في كلماتها أيضا مقطعا يقول:

العالم يتقارب من بعضه

هل فكرت قبل الآن

أن نكون قريبين جدا كأخوة.

المستقبل في الهواء حولنا

أشعر به في كل مكان

تنفخ به رياح التغيير"

أستمع للكلمات من جديد، وأفكر: متى ينتهي الزلزال وتستقر الأرض؟

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG