Accessibility links

زائر لبنان


أمام زينة الميلاد في مدينة جبيل

كوليت بهنا/

الزائر إلى لبنان في مثل هذه الأيام، التي تسبق احتفالات عيدي الميلاد ورأس السنة التي تفرد ببهجتها وجمالياتها هذا البلد خلال سنوات طويلة، لا يأتي هذه المرة للترفيه والتسوق والسياحة. في الغالب هو مضطر لهذه الزيارة لأسباب مختلفة، تتعلق مثلا إما بمعرفة مصير مدخرات عمره التي أودعها أحد المصارف اللبنانية، أو بسبب اجتماع عمل، أو تقديم امتحان في أحد جامعاتها، أو العلاج في أحد مشافيها، أو لزيارة أهل أو أقارب لديهم عارض طارئ يستدعي حضوره العاجل.

الزائر إلى لبنان في مثل هذه الأيام، سيكتشف منذ اللحظة التي يصل بها إلى المطار، التبدل الصارخ الذي طرأ على البلد خلال فترة وجيزة، ابتداء من نقص عدد ركاب الطائرة التي أقلته وكانت تكتظ سابقا في كل رحلاتها القادمة إلى بيروت، مع ملاحظة ازدحام صالة المغادرة في المقابل؛ إلى وجوه موظفي المطار التي تستقبل القادمين بشبه ابتسامة مجاملة باردة، وصولا إلى ليونة مفاجئة في سلوكيات سائقي سيارة الأجرة، وموافقتهم دون جدال كبير على أي سعر يحدده الراكب، المهم أن يعودوا إلى بيوتهم بحفنة من الليرات تقيت أطفالهم ما تيسر في اليوم التالي.

لا أحد منهم يحمّل الثورة وزر تردّي الأوضاع العامة وتدهورها ساعة تلو الأخرى

لا يختلف الأمر كثيرا في شوارع المدينة والمحال التجارية والمطاعم التي ما زالت صامدة. الوجوه تكاد تكون متشابهة، يوحدها القلق والترقب والخشية، واليأس يتجلى في لغة الأجساد وكأنهم أضاعوا بوصلة طريقهم، ولو دققت في العيون الزائغة التي تحاول بعضها المواربة خجلا، ستكتشف حجم التيه وأبعاده التي أصابت اللبنانيين، ويصح أن يقال فيهم: "كأن على رؤوسهم الطير".

في الدردشات السريعة التي تعقد دون تكلف مع العامة من اللبنانيين، سيتضح جليا انحياز عديدهم دون تردد مع ثورة السابع عشر من أكتوبر المستمرة حتى الساعة، والتي أشاعت فيهم حال انطلاقها بعض الأمل والحلم بالتغيير، واعتبار بعض منابرها الإعلامية التي انتشرت بداية في الشارع بكثافة وأشيعت للجميع، المتنفس الأكبر لحرية التعبير، التي تم التضييق عليها في السنوات الفائتة وطال انتظارها لتفريغ الاحتقان المتراكم خلال عقود.

لا أحد منهم يحمّل الثورة وزر تردّي الأوضاع العامة وتدهورها ساعة تلو الأخرى، أو ما بات يتبادله اللبنانيون من تعبير مشوب بالسخرية المريرة "رايحين عَ (إلى) الانهيار". بل على العكس، يُدافَع عن الثورة كضرورة حتمية، ما سبقها هو ما أوجبها، ويكاد لا يختلف حديث المثقف أو المتخصص الأكاديمي، عن حديث البسطاء في الشارع المدركون بفطنتهم وثقافتهم السياسية العفوية، الأسباب التي أوصلت البلاد إلى هذا المنحدر، ويمكن لأبسطهم أن يسرد ويعدد بسلاسة أسماء المسؤولين عن الاختناق السياسي والاقتصادي فردا فردا، ويفصّل بالأرقام حجم الدين العام، ويطلق العنان لمخيلته حول هول المال المنهوب، ويشير بإصبعه إلى مكامن الفساد ومن يحميه. باختصار، توصيف الحال اللبنانية واضح ومتداول بين الجميع، والحل الجاهز والسريع للخلاص هو عبارة "كلن يعني كلن".

إن المناخ العام الذي تقبل الثورة، فكرة وكيانا وفعلا وخلاصا، وانخرط فيها بإيجابية وحماس في شهرها الأول على الأقل، وعلى الرغم من الروح الخلاقة التي حرضتها هذه الثورة من ناحية تقديم المساعدات والمعونات للمحتاجين باجتهادات فردية أو جماعية، ونشرها لثقافة المبادرة الاجتماعية والتطوع، يمكن ملاحظة انكفاء هذا المناخ العام نسبيا بعد مرور ستين يوما من عمر الثورة، ليس ليأسٍ منها، أو لخلل فيها، أو عيب شابها، بل لشدة تضييق الخناق عليها الذي ولد يأسا عاما.

سيحزن الزائر قبل مغادرته ويتمنى لو يمنح بعضا من أنفاسه إلى هذا البلد الجميل

والزمن الذي يستثمره المعنيون باطمئنان وخبث وحرفية، ليس لصالح شعب أضحى فجأة، بشيبه وشبابه، وقوته ودوائه، وحاضره ومستقبله، رهينة المصارف ومتسولا ذليلا عند أبوابها، ورهينة مزاجيات الساسة وحساباتهم الطائفية والإقليمية والدولية، وكأن كل ما يخطَط له، هو إبعاد الناس عن الشارع وإعادتهم إلى بيوتهم، وإغشاء عيونهم عما يدور، ليصيروا "رهناء المحبسين" شأنهم شأن أغلب شعوب المنطقة.

الزائر إلى لبنان في مثل هذه الأيام، وإن كان سيفرح قليلا لرؤية زينة الأعياد المتواضعة التي تشي بمحاولات بعض الإيجابيين لنشر التفاؤل، لكنه سيصاب بالتأكيد بعدوى المزاج العام المسكون بالقلق الشديد، والمرشح للانفجار الأكبر مع زيادة الاستعصاء الحكومي وعرقلة الحلول أو بوادر انفراج قريب، ومع زيادة التوقعات والتقارير الاقتصادية العالمية السلبية لما قد يحمله عام 2020 القادم من ركود اقتصادي عالمي سيزيد "الطين اللبناني بلاًّ" وبلاء.

الزائر إلى لبنان في مثل هذه الأيام، لن ينسى صورة الملصق الورقي الذي رآه على باب أحد المستشفيات اللبنانية ويظهر فيه شاب يضع على أنفه كمامة يتنشق منها الأوكسجين بصعوبة وأمامها عبارة: "صرنا ع آخر نفس"، وسيحزن الزائر قبل مغادرته ويتمنى لو يمنح بعضا من أنفاسه إلى هذا البلد الجميل الذي كان عبر تاريخه متنفسا للجميع.

اقرأ للكاتبة أيضا: قف أمام المرآة

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG