Accessibility links

ستون عاما ونزداد شبابا


دأب بعض أصدقائي عند بلوغهم الستين أن يستلهم الجملة المقتبسة من إعلان "برادات الحافظ"، فيعدلها قائلا: "ستون عاما ونزداد شبابا"

رياض عصمت/

لعل أكثر كلمة إثارة لغيظ الرجل عندما يبلغ سن الكهولة هي كلمة "عمو". وبالرغم من تجاوز بعض أصحابي الخامسة والخمسين من العمر، كثيرا ما سمعت واحدهم عندما يسمع كلمة "عمو" يهمس مغتاظا وهو يكز على أسنانه قائلا: "عمى الدببة".

أما بعض المهذبين منهم فيتمتم بلهجة ملؤها الأسى والإحباط: "لم يبق إلا أن تناديني جدو"! لهذا، دأب كبار السن في سورية على تشجيع بعضهم بعبارة مستمدة من إعلان "برادات الحافظ" التلفزيوني، الذي عدلوه على هواهم ليصبح: "ستون عاما ونزداد شبابا".

يذكر كثيرون فيلم "جمال أميركي" (1999) من إخراج سام مينديز وبطولة كيفن سبيسي وآنيت بيننغ، والذي حاز خمسة أوسكارات، وتتناول قصته هوس أب متزوج ووقور بصديقة ابنته الحسناء التي في سن مراهقة.

يغيظ الرجل مناداة امرأة جميلة له بلقب "يا أخي"

ربما لن يذكر كثيرون فيلما آخر مشابها من إنتاج هندي بعنوان "نيشابد" (2007) من إخراج رام غوبال فارما وبطولة أميتاب باتشان، ويتناول قصة رجل متزوج منذ 27 سنة يقع في هوى صديقة ابنته ذات الثمانية عشر ربيعا.

كلا القصتين فيهما عنصر غير أخلاقي بالطبع، لكنهما قابلتان للحدوث في الواقع، وفي أي بلد على الإطلاق. كم من عجوز وقع في هوى صبية في عمر بناته، إن لم نقل حفيداته؟ كم من زواج غير متناسب حصل ويحصل حتى يومنا الراهن بفارق عمر شاسع، بل رغم نشازه الاجتماعي أو الثقافي أو البيئي؟ يحدث هذا تحت وطأة الحاجة وإغراء الثراء.

كثيرا ما يؤدي مثل هذا العشق اللاطبيعي في الفنون الدرامية إما إلى ملهاة من طراز كوميديات موليير وماريفو وبومارشيه وأوسكار وايلد، أو إلى مأساة من طراز تراجيديات إبسن وتشيخوف وجورج برنارد شو ويوجين أونيل.

في الواقع، لا بد ممن يتلقى صفعة تلك المناداة بلقب "عمو" قبل الأوان أن يردد في سره القول المأثور لدى الكهول الذين ما تزال نفوسهم خضراء: "لعنة الله على الكبر وساعته".

يغيظ الرجل أيضا مناداة امرأة جميلة له بلقب "يا أخي". هذا النداء كافٍ لأن يثبط همة أكبر دون جوان، بحيث لا يتجرأ على مجرد التفكير بالإقدام على الخطوة التالية وطلب موعد منها يبثها فيه لواعج فؤاده.

أما إذا نادت الرجل سيدة جميلة تكبره بأعوام قائلة "يا ابني"، فربما يكون أسعد حالا، ومتعلقا بأهداب الأمل في استمرار صورة شبابه دائما وأبدا.

عندما يكبر المرء سنا، يفاجأ ويغتاظ عندما يبادره أصدقاؤه الذين غابوا عنه فترة من الزمن بسؤال جادٍ يسبق جميع الأسئلة: "كيف صحتك؟" عندئذ، يتساءل الرجل بينه وبين نفسه: "لماذا يسألونني عن صحتي؟ هل بي خطب ما؟ هل يرون سحنتي مصفرة اللون؟ هل تنعكس في عيني علة؟ هل أصاب قوامي هزال؟ هل احدودب ظهري وتثاقلت خطاي؟" الحقيقة، إن السؤال عن صحة الرجل يثير قلقه أكثر من عدم السؤال عنها على الإطلاق.

أما الأمر الثاني الذي يتضخم في لاشعوره مثل كرة الثلج مع مرور السنين، فهو القلق من تراجع قدرته الجنسية. يحاول الرجل جاهدا التشبث بالأمل في أنه ما زال يضارع الشباب في الفحولة والهمة، وأنه ما زال قادرا على الزواج والإنجاب إذا ـ لا سمح الله ـ حدث خلاف مع شريكة العمر أدى إلى أبغض الحلال عند الله، وهو الطلاق.

في سن معينة، لا بد أن تبدأ إحدى العلل الصحية بغزو جسد الكهل. ربما كانت آلاما في الأسنان تقتضي منه خلعها وزرع بدائل عنها، أو شعوره بألم غامض في ظهره وأطرافه، أو حموضة مزعجة بعد وجبة طعام عادية وهو الذي يذكر أن معدته كانت تهضم الحجر.

في سن معينة، لا يعود ينفع الكهل حليب ولا كالسيوم ولا عسل ولا فيتامينات، بل ينتفع طبيب الأسنان من زياراته الروتينية المتكررة، وكذلك طبيب القلبية والعظمية والجلدية، وربما العصبية.

يكتشف الكهل فجأة ارتفاعا غريبا لم يألفه من قبل في الكوليسترول والشحوم الثلاثية أو في نسبة السكر أو ضغط الدم. يحدث هذا خاصة لمن يتناول ثلاث وجبات دسمة عقب تقاعده عن العمل وقعوده في المنزل، وبالتالي الأخذ والرد وهز البدن مع زوجته في مملكتها المطبخية وشؤونها المنزلية، مع قلة الخروج للمشي ـ كما دأب أن يفعل عبر سنين طوال ـ بين البيت للوظيفة ذهابا وإيابا.

في سن معينة، يضطر المرء لإجراء أول عملية جراحية في حياته، تليها سلسلة عمليات أخرى، أولها في حياته عملية الدوالي التي تلزم بعض الشباب قبل أن يتزوجوا كي يتمكنوا من الإنجاب، ومنتصفها عملية قسطرة، وربما بعدها عملية لتركيب شبكة، أو عملية فتح شريان مسدود في القلب، وآخرها ربما عملية بروستات.

لا شك أن مظهر الإنسان يبدأ بالتغير في سن معينة. أحيانا، لا يتغير المرء تدريجيا، بل ينقلب رأسا على عقب بسرعة صاروخية. خلال سنة أو سنتين، يهر شعر الرأس أو يشيب كليا. يقاوم بعضهم الحالة الأولى بإطالة خصلة يتيمة ودهنها بالجل، ثم فردها على الرأس لتخفي ما لا يريد الرجل أن يظهر للعيان، خاصة أمام أنظار الصبايا الحسان. أما علاج الحالة الثانية، فهو الصبغة التي لا تعيد الشعر إلى لونه الطبيعي، بل تضفي عليه مسحة برتقالية، فيصبح كوصفة طبق حلوى لم يوات صانعها التوفيق.

أولئك القلة ممن يرفضون التلاعب بالطبيعة، يعزون النفس بأقوال مأثورة مثل "الشيبة هيبة". أما هواة الأناقة في شبابهم فيحاولون الحفاظ على العادة المتأصلة في مجاراة الموضة السائدة، لكن واحدهم ربما يسمع همسة سخرية مفادها: "بعد الكبرة جبة حمرا".

ما يتضخم في لاشعوره مثل كرة الثلج مع مرور السنين، هو القلق من تراجع قدرته الجنسية

أما أولئك الذين كانوا يمارسون الرقص إبان عهد الشباب برشاقة يحسدون عليها فسينطبق عليهم في الكهولة إن تجرؤوا ورقصوا تهكم أصحابهم اللاذع: "قام الدب ليرقص، أكل له سبع تنفس".

سوف تتذكر كرجل أنك بلغت سن الكهولة عندما تخطر ببالك قصة طريفة من ذكريات الماضي، فتمضي لروايتها متحمسا لزوجتك وأبنائك، فإذا بأحدهم يبرم شفتيه ويصطدمك بالقول: "سمعنا هذه القصة منك سابقا نصف دزينة من المرات، فلماذا تظل تعيدها لنا؟" المصيبة أنك لا تتذكر إطلاقا أنك سبق أن رويت تلك القصة لهم قط، فينتابك الهم والغم فيما إذا بدأ الزهايمر معك!

هل عليك من الآن وصاعدا أن تصغي لنصيحة الطبيب وتتناول فيتامين "جينغو بالوبا" العشبي بانتظام لتنشيط الذاكرة؟ سوف تتذكر أيضا أنك بلغت سن الكهولة عندما تصر على اصطحاب ولدك الشاب إلى السينما تيمنا بأيام زمان مصرا على أن تشتري لصديقته على حسابك بطاقة لترافقه كي تسعد قلبه وترضيه، ثم يفاجئك برغبته في أن يجلس معها في العتمة بعيدا عنك وعن أمه، ويتظاهر بأنه اجتمع بكما بمحض الصدفة إذا قابلتم بعض الأصدقاء. ربما تشبها بالممثلات اللواتي ينشرن صورهن قبل ربع قرن من الزمان، أو يستعن بانتظام بالبوتوكس أو تجميل الأنف أو الأسنان ليكتسبن "أنف كليوباترا" أو "ابتسامة هوليوود"، تحرص بعض الشخصيات الذكورية العامة على نشر صورها القديمة، وكأنها فاقت البطل الأسطوري غلغامش الذي أضاع النبتة السحرية التي تمنح الإنسان الخلود، أو القدرة السحرية التي تمتع بها بطل أوسكار وايلد في روايته الشهيرة "صورة دوريان غراي" عن شاب يحتفظ برونق منظره، بينما تنعكس الشرور والآثام التي يقترفها على لوحة زيتية تمثله قام بإخفائها عن الأنظار الفضولية.

دأب بعض أصدقائي عند بلوغهم الستين، وهو سن التقاعد الرسمي في البلدان العربية وإن بقي بعضهم ممارسا للعمل الوظيفي حتى الخامسة والستين، وربما إلى ما يتجاوز السبعين، أن يستلهم الجملة المقتبسة من إعلان "برادات الحافظ"، فيعدلها قائلا: "ستون عاما ونزداد شبابا". لكن الحقيقة تتجلى في قول الشاعر:

"ألا ليت الشباب يعود يوما فأخبره بما فعل المشيب"

اقرأ للكاتب أيضا: إلهام الفنون الأفرو ـ أميركية المتجدد

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
XS
SM
MD
LG